fbpx

التحطيب الجائر في اليمن… تهديد للغطاء النباتي والتنوّع الحيوي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

التحطيب العشوائي والجائر في اليمن تحول إلى مشكلة بيئية تساهم في التصحر وتراجع مساحة الغابات، إذ انتشرت هذه الظاهرة بعد الحرب بسبب النقص الوقود، ليتحول الخشب إلى مصدر رئيسي للتدفئة أو بناء المنازل بعد نزوح الكثيرين عن مدنهم وقراهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تبدأ معاناة زكريا أحمد (26 عاماً) منذ أن يستيقظ يومياً في السادسة صباحاً ليرعى أغنامه في ظل ارتفاع درجات الحرارة. يضطر أحياناً إلى قطع مسافات طويلة من قرية القطنة في الحديدة ليصل إلى قرية خبت حسي، وأحياناً يصعد جبل الغازية جنوب قريته، قاطعاً مسافة تتراوح بين اثنين إلى عشرة كيلومترات مشياً على القدمين.

يبحث زكريا  في رحلته عن علف لماشيته، بعدما  أصبحت المنطقة المعتادة لرعيه قاحلة بفعل التحطيب الجائر، ما يضطره  إلى البحث دائماً عن مراعي جديدة لقطيعه الذي يخوض يومياً رحلة البحث عن الكلأ، الرحلة التي يلعب فيها التعب والإجهاد دوراً سلبياً يؤثر على صحة الأغنام ومقاومتها الأمراض، وبالتالي يتراجع إنتاج الحليب وينقص وزن الماشية ونموها.

سبق أن صرح المهندس عبده مدار، مدير عام إدارة الغابات في وزارة الزراعة بصنعاء، أن  الحديدة من أكثر المناطق  تعرضاً للتحطيب الجائر في اليمن، إلى جانب مناطق أخرى في محافظة صنعاء وحجة وتعز، إذ تشمل المناطق المتضررة أنحاء عدة (حراز، آنس الصبيحة، حيس، مقبنة، عبس، مبين، وشحة، شفر، الزهرة، الزيدية، الجراحي، ماوية، وبني قيس)،  بالإضافة إلى مناطق أخرى مهددة  بالتحطيب الجائر.  يُفسَر ذلك بالنقص الحاد في الوقود في اليمن بعد مرور 8 سنوات على الحرب اليمنية، إذ لجأ اليمنيون الى التحطّب كآلية تكيف غير مدروسة و غير مقننة، ما أدى إلى نقص حاد بعدد الأشجار في الغابات وانحدار معدلات التنوع البيولوجي.

تسجَّل أعلى معدلات التحطيب الجائر في المناطق الأكثر جفافاً، والتي تنمو فيها الأشجار الأكثر ملاءمة لظروف البيئة القاسية، بعض الأشجار نمت على مدى عشرات السنين، ويصعب إعادة زرع هذا النوع من الأشجار، بخاصة مع تقلب المناخ، مع ذلك، ما زال التحطيب  لعشوائيّ مستمراً حسب عبده مدار الذي حدد تعز والحديدة وعمران وحجة كمصدر الحطب للعاصمة صنعاء، وتعتبر في رأس قائمة المناطق المهددة.

وفقًا لتصريح مدير عام الغابات ومكافحة التصحر بوزارة الزراعة في محافظة عدن المهندس فاروق طالب، “بلغت نسبة التصحر 17.5 في المئة على مساحة 79 ألف كيلومتر مربع، وتشير المؤشرات العالمية للتصحر الثلاثة إلى تدهور الغطاء النباتي بنسبة 0.03 في المئة، ما يشير إلى استقرار نسبي خلال فترة التقرير التي تبلغ 4 سنوات”. 

وأضاف طالب، “تمتد مناطق التصحر في الهضبة الداخلية لليمن، وشهد المؤشر الثاني الخاص بالإنتاجية تدهوراً بنسبة 17 في المئة نتيجة الظروف الناجمة عن الحرب في البلاد والتغيرات المناخية. بالإضافة إلى ذلك، يشير المؤشر الثالث إلى انخفاض نسبة الكربون في التربة بمقدار 3 في المئة، وهذا ما يظهر تراجعاً في خصوبتها”.

 عبدالله أبو الفتوح، مدير عام التنوع الحيوي في الهيئة العامة بصنعاء، يقول: “اعتمدت معظم مخابز اليمن على الحطب كوقود بديل منذُ بدء الحرب 2015، نتيجة لارتفاع أسعار المشتقات النفطية بنحو 3 أضعاف، إذ وصل سعر 20 ليتراً من مادة الديزل إلى 14 ألف ريال يمني (ما يعادل 25 دولاراً أميركيّاً)، بينما تصل تكلفة حمولة شاحنة من الحطب إلى نحو 150 ألف ريال، يتم استخدامها وفق مُلاك مخابز وأفران لما يقارب خمسة أيام”.

ووفقاً لتقرير صادر عن الإدارة العامة للغابات في صنعاء لعام 2022، فإن عدد الأشجار التي تُقطع في 18 محافظة يبلغ 6,766,732 شجرة. ويتم قطع متوسط 18,796 شجرة يومياً، ويبلغ العدد الأسبوعي للأشجار المقطوعة 131,575 شجرة، والعدد الشهري يصل إلى 563,894 شجرة. وتشير الأرقام السنوية إلى قطع الأشجار على مساحة تبلغ 16,917 هكتاراً سنوياً.

العسل ضحيّة التحطيب

تحتل محافظة حضر موت في اليمن المرتبة الأولى في إنتاج العسل في اليمن، المعروف بنوعيته العالية على مستوى العالم، إذ تنتشر مهنة تربية النحل في معظم المحافظات اليمنيّة. كما صُنف العسل عام 2003 كإحدى السلع الاستراتيجية الخمس التي أعلنت عنها الحكومة اليمنية لأهميتها في رفد اقتصاد البلاد، عبر التصدير إلى دول الخليج التي تعتبر أكبر مستورد لهذه السلعة.

لكن التحطيب العشوائي، وخصوصاً للتدفئة أو لبناء المنازل بعد نزوح الكثيرين، أثّر على كميات العسل وأصحاب المناحل، خصوصاً النقص في أشجار “السدر” التي يعتمد النحل على رحيق أزهارها.

 يعلق على ذلك الدكتور عبدالله ناشر، رئيس رابطة التعاونية للنحالين اليمنيين، “معظم السكان يقومون بتحطيب شجرة السدر بسبب احتوائها على نسبة عالية من اللبن الناري، ما يرفع قيمتها ويجعلها مطلوبة في الأسواق من أصحاب الأفران والمطاعم. ومع ذلك، يؤثر هذا الاحتطاب بشكل كبير على الثروة النحلية والثروة الحيوانية.وبالتالي يؤثر على البيئة اليمنية وكمية التراكم السحابي في الجو وكمية الأمطار المتساقطة. إن عدم معالجة هذا الأمر بسرعة قد يؤدي إلى آثار كارثية غير قابلة للتصحيح على المدى البعيد، وربما تكون بحاجة إلى عقود من الزمن لإصلاحها”.

يقول الخبير الوطني بتربية النحل باليمن عايش الأهدل: “يواجه النحل في اليمن تحديات كبيرة وتحديداً السلالة اليمنية، حيث يتم تدمير المراعي النحلية بشكل ممنهج من خلال التحطيب الجائر للأشجار، مثل أشجار السدر و السلام والسمر والضبى والطلح، وتم تدميرها بشكل كامل في مناطق مديريات باجل و الضحي والزيدية والقناوص والمغلاف”.

تهديد الحيوانات والطيور

يتسبب التحطيب الجائر أيضاً بفقدان الكثير من الحيوانات والطيور لبيئاتها الطبيعيّة، إذ تضطر لمغادرة المنطقة وأحياناً  يكون مصيرها الموت بسبب غياب الغذاء والمأوى. نحن أمام دورة حيويّة، تُهدد بسبب نقص الغطاء النباتي، الذي يساعد في خفض درجات الحرارة، وغيابه يترك الحيوانات عرضة لـ”أمراض مرتبطة بدرجات الحرارة العالية التي تؤدي إلى الموت” حسب دراسة لعبد الكريم عماد.

تذكر الدراسة أيضاً، “أن زيادة الحرارة تؤدي الى زيادة معدل مركب اللجنين في أنسجة النباتات، والذي يقلل من معدل الهضم ووفرة العناصر الغذائية المهمة للحيوانات المجترة، ويؤدي في النهاية إلى انخفاض إنتاجية الحيوانات”. تشير الدراسة أيضاً إلى أن الأراضي الزراعية أكثر عرضة للتعرية و الانجراف والتصحر وارتفاع درجة الحرارة بسبب نقص الأشجار التي تعمل كمصدات للتيارات الهوائيّة.

يرى عدنان الصنوي -حاصل على دكتوراه في الزراعة- أن الفجوة الناشئة عن عملية التحطيب الجائر “ينتج منها تدهور عام في الغطاء النباتي، وما يحويه من تنوع حيوي أثر سلباً على بيئة العصافير والنباتات الصغيرة والكائنات الاخرى التي تعتبر هذه الاماكن ملجأ وبيتاً، وبالتالي يتم القضاء أو تهديد عوالم حية كثيرة كهجرة الكثير من الحيوانات لا سيما النادرة منها والطيور”.

أوضح مثال على أثر التحطيب الجائر هو ما حصل في محمية جزيرة كمران، ذات التنوع البيولوجي الغنيّ،  والتي أدى تحطيب أشجار المانجروف فيها إلى هجرة الكثير من الحيوانات والطيور النادرة التي كانت تسكنها.

يقول الدكتور عبدالقادر الخراز، أستاذ تقييم الأثر البيئي المشارك بكلية علوم البحار والبيئة بجامعة الحديدة ،”الاحتطاب يشكل مشكلة كبيرة بالنسبة الى أشجار المانجروف في محمية كمران، حيث يؤدي إلى تناقص هذه المساحة وبالتالي يؤثر على وجود أعشاش الطيور والمواقع المناسبة لتعشيشها. كما يؤثر أيضاً على توافر الغذاء للكثير من الكائنات الحية الموجودة في هذه المنطقة، بما في ذلك الكائنات البحرية والساحلية. تأتي أهمية هذه الأشجار من دورها في توفير بيئة ملائمة للكائنات الحيّة الموجودة في المنطقة، وبالتالي فإن أي تغيير فيها سيكون له تأثير مباشر على هذه القضايا”.

خطر على الحاضر والمستقبل 

عمليات الاحتطاب الجائر والعشوائيّ تترك الأراضي التي فقدت أشجارها غير قابلة لإعادة الزراعة، بسبب ارتفاع تكلفة عملية الزراعة، لكن الخطر  ليس فقط آنياً بل يمتد عبر الزمن، يقول المهندس عبدة مدار، مدير عام الإدارة العامة للغابات بوزارة الزراعة: “هناك أكثر من 86,000 شجرة تُقطع سنوياً، ما يعادل 213 كيلومتراً مربعاً (82 ميلاً مربعاً) من مساحة الغابات، التي تبلغ 3.3 في المئة في اليمن”.

يضيف مدار  أن استمرار التحطيب الجائر سيغيّر المناخ العام في اليمن وخارطة الغطاء النباتي بشكل سلبي، يقول: “مناخ الصحراء أصبح على مستوى ألف متر والغطاء الأصلي  في هذه المستويات سيضمحل وسيكون بديلاً منه ما كانت عليه الحال في الصحاري على مستوى سطح البحر، أما تلك التي في الصحراء التي كانت قليلة النبت ستكون خالية، لأنه لا يوجد نبات بديل يتأقلم على مستويات درجات الحرارة العالية . وستكون هناك هجرة سكانية وحيوانية ونباتية نحو المناطق الأقل تاثراً بالحرارة”.

يشير عبد الغني جغمان، استشاري تنمية الموارد الطبيعية، إلى أن “مساحة الأراضي المتصحرة في اليمن تبلغ نحو 405 الآف كيلومتر مربع أو 17.6  في المئة من إجمالي المساحة، بينما تشكل المساحة المهددة بالتصحر 15.9 في المئة من إجمالي مساحة البلاد”. وتشير التقديرات إجمالًا إلى أن 97 في المئة من الأراضي في الجمهورية اليمنية تعاني من التصحر بدرجات متفاوتة، وأحد أسباب هذه الظاهرة هو مشكلة التحطيب الجائر.

على الرغم من الجهود التي تمت قبل الحروب في وضع استراتيجيات وخطط للحفاظ على البيئة وعناصرها، إلا أن هذه التهديدات والمخاطر ما زالت قائمة وتتزايد باستمرار، نتيجة الحروب وسوء الإدارة ونقص التمويل، ما يهدد البلاد التي تعد واحدة من أفقر دول العالم على جميع الأصعدة.

أُعد هذا التحقيق بإشراف نوى ميديا.

عمّار المأمون - كاتب سوري | 20.02.2024

محاكمة جوليان أسانج…كم لوحة لبيكاسو نُحرق كي يطلق سراح مؤسس ويكيليكس؟

يصادف اليوم 20 شباط/ فبراير 2024، الجلسة الأولى من جلسات الاستماع الى جوليان أسانج، الهاكر، الصحافي،ومؤسس ويكيليكس، الذي أسقطت عنه السفارة الإكوادورية عام 2019 حق اللجوء، كي تتم محاكمته في بريطانيا لنقاش ترحيله إلى الولايات المتحدة كونه متهماً بـ"خرق قانون التجسس" و"تهديد الأمن القومي".