fbpx

قصتنا مع “النصر الموعود”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الاستغراق في الحرب، وبكلفة أعلى قطعاً، لن يبدد إعلان النصر، إنه فقط سيدفع بالنقاش عن جدوى الحرب إلى حرج موقت، سرعان ما ستشفى منه هذه النماذج المقاتلة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مع نهاية حرب إسرائيل على غزة، ستعلن حركة “حماس” النصر، هذا حال “حزب الله” أيضاً على جبهة جنوب لبنان.

بالوقائع الراهنة، يبدو إعلان النصر الموعود متاحاً، “حماس” متأهبة لإعلانه في اللحظة، التي ستصمت فيها  وسائل الحرب، نحن والحال أمام حركة تنطلق من مسلمة تدَّعي النصر قبل الحرب، وفي الحرب، وبعدها.

أيضاً، الإستغراق في الحرب، وبكلفة أعلى قطعاً، لن يبدد إعلان النصر، إنه فقط سيدفع بالنقاش عن جدوى الحرب إلى حرج موقت، سرعان ما ستشفى منه هذه النماذج المقاتلة.

 سيخرج النصر الموعود من أفواه قادة “حماس” مجرداً من كيفيته وماهيته، وحتى من قرائنه، إنه مسار مزمن من انتصارات الممانعين، مسار لم يكن صنيعتها، لكنها آخر الملتحقين به، والمتسيدة لراهنه أيضاً.

في العام ١٩٥٦ وقع العدوان الثلاثي على مصر، ومع  نهايته أعلن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر هزيمة إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، وهي الدول التي تنكبت العدوان. 

السردية “الناصرية” عن النصر، بدت مبسترة وقاصرة عن ملامسة الوقائع التي أنهت  تلك الحرب، كان أثر  تقاطع  الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي على رفض العدوان، عاملاً حاسماً في وقفها، برغم صمود المصريين.

في حزيران/يونيو من العام ١٩٦٧، كانت  الهزيمة التي لحقت بالجيوش العربية قاسية، احتُلت  سيناء والجولان والضفة الغربية، لكن فكرة تأبيد النصر يسرَّت تقزيم الهزيمة إلى “نكسة”.

وفي العام ١٩٨٢، خرج المقاتلون الفلسطينيون من لبنان بعد اجتياح إسرائيل لبيروت، وخرج معهم ياسر عرفات رافعاً شارة النصر.

إنه إذاً، مؤشر الممانعة الذي يقف على  النصر منذ مباشرته في خمسينيات القرن الماضي، وقد لا ينتهي مع حرب غزة الراهنة، وهو ما يستدعي بالضرورة عدم “هضم” هكذا انتصارات بلا نقاش مع مدَّعيها، وإن إلى حد المجاهرة بهزيمتهم حين يكابرون.

لم تضع الحرب على غزة أوزارها بعد، و”حماس” على الأرجح، تتمنى نهايتها أكثر من المنكوبين الحقيقيين بها، وحين تتبدى تلك النهاية عند الأخيرين حيزاً لتخفيض كلفة الموت والدمار، فإنها في عقل “حماس” ليست إلا استدعاء للفكرة المبسترة عن النصر.

تعرف “حماس” أن أي هدنة، أو وقف للحرب، سيأتيان من سياقات تلاشت قدرتها فيها، باستثناء الأسرى الإسرائيليين في يوم ٧ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فصيل عسكري تشي كل وقائع الحرب، أن قدراته القتالية قد تراجعت كثيراً، لكنه يراهن على مناخ ضاغط على الدولة العبرية، وتحديداً من الولايات المتحدة الأميركية التي يكثف “حردها” على حرب غزة أمرين: القتل المفرط إسرائيلياً، وانعكاسه لدى الرأي العام الأميركي، على ما تشهده جامعاتها، ثم انتخاباتها الرئاسية المقبلة.

والحال، يستدعي تجفيف المأساة الفلسطينية الحالية، أن تقطع “حماس” مع سردية النصر المتهافتة، وأن تتعاطى مع إسرائيل كأمر واقع، بعيداً عن الإيديولوجيات القاتلة التي تستفرغ حروباً مستعصية، حالها حال محيط عربي وإسلامي تتدرج علاقاته بالدولة العبرية من السلام، إلى التطبيع، إلى القناعة الضمنية بواقع إسرائيل مع محيطها، إذا ما استثنينا جماعة “أنصار الله” الحوثية، وفصائل “الحشد الشعبي” في العراق!!

  فوقائع كترسيم الحدود البحرية مع لبنان، هو مؤشر إلى هذه القناعة، و”التلاكم” الإسرائيلي الإيراني الأخير، وانضباطه، هو أيضاً من مؤشراتها، فيما أحوال أقرب حلفاء “حماس”  في تركيا وقطر، تفضي إلى تبديد كل ما يخالف هذه القناعة.

كانت “حماس” القوة الفلسطينية الأكثر قدرة على الاستثمار في  فكرة حل الدولتين، وبشروط تمتلك قابلية تسييلها في هذا المسار مع ضمور تأثير السلطة الفلسطينية، حركة جذبت جمهوراً فلسطينياً واسعأً، وامتلكت جناحاً عسكرياً خاض أكثر من أربعة حروب مع إسرائيل، ورابط على غلاف غزة.

أوجدت عملية “طوفان الأقصى”، ثم حرب إسرائيل على غزة، مناخاً مؤاتياً لـ”حماس” للاستثمار المبكر في كل عوامل قوتها المذكورة، مع مناخ  عربي ودولي بدا مستعداً، وبدافع من هذه العوامل، لمنح الفلسطينيين دولة أكثر ملائمة لتطلعاتهم من الدولة التي أنتجها اتفاق أوسلو، ولكن.

الإستدراك هذا، وأمام الوقائع الراهنة، يفضي إلى أننا أمام حركة بددت الكثير من عوامل قوتها، وهي تبحث عن نصر مزعوم فوق الموت والركام.