fbpx

ألا يستحق الغزيون من يتحدث إليهم؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يستحق أهل غزة أن يتحدث إليهم من يتحكمون بقرار الحرب والسلم حول كل صغيرة وكبيرة، بدون تجميل للواقع وبدون هروب من المسؤولية، فرأي الخارج فيما يحدث ليس مهماً عند الغزيين، خاصة وأن الذين يعيشون في الخارج لا يتأثرون بشكل مباشر بالحرب، ولا حتى بقرارات حماس، المتأثرون الوحيدون في هذه المسألة هم الغزيون.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أعلنت صفحة قناة الجزيرة على فيسبوك مؤخراً، أنها بصدد عرض فيلم وثائقي طويل قريباً عن زعيم حركة حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار. عنوان الفيلم “الرجل الذي أوقف العالم على قدم واحدة”.

جاء الإعلان، دون أن تقدم تفاصيل كافية عن العمل وموعد عرضه، لكن ملصق الفيلم وعنوانه كانا كفيلين لدفع عشرات المعلّقين، من مواطنين فلسطينيين من غزة، لكتابة تعليقات تسخر من العنوان نفسه، وتضخيم “صورة البطل”، أو تسلط الضوء على المفارقة الكامنة في عنوان الفيلم وحقيقة أن من صار يقف على قدمٍ واحدة هم عشرات المصابين الغزيين الذين فقدوا أطرافهم بفعل الحرب.

كتب المحلل السياسي الفلسطيني، الذي يقيم حالياً في رفح، الدكتور تيسير عبدالله، معلقاً على منشور الفيلم “هذا نصف الحقيقة. أما النصف الآخر، فإنها بالطبع لن تجرؤ على الحديث بأنه جعل الغزيين بلا أقدام أصلا ليقفوا عليها. ولا حتى كهرباء ليشاهدوا البرنامج”.

حذفت الجزيرة المنشور الترويجي لاحقاً بعد ساعاتٍ فقط دون إيضاح الأسباب. لكن العنوان الذي اختارته لفيلمها طرح تساؤلاً لدى الغزيين، هل هم الجمهور المستهدف حقاً من الفيلم الذي يحكي قصة الرجل الذي يحكُم أقدارهم، وهم الوحيدون المتأثرون على نحو مباشر، جسدياً على الأقل، بقراراته وأفعاله، وبينهم من قد يخالف نظرة الفيلم تجاه الرجل؟.

من سيشاهد الفيلم؟

يقول الناشط السياسي الفلسطيني، من مدينة رفح، أمجد أبو كوش، في حديثٍ لـ “درج” إنه يجب معرفة السياق الذي أتى من خلاله الإعلان عن الفيلم، والترابط بين الجزيرة كقناة مُمثلة بدولة قطر من جهة وحركة حماس من جهة أخرى،”فالعلاقة بينهما قائمة على دور وظيفي تؤديه قطر بتوجيه من الإدارة الأميركية تجاه حماس بغرض التوجيه والاحتواء”، وهذا يؤكده البيان الذي صدر عن السفارة القطرية في واشنطن.

هذا الأمر، بحسب أبو كوش، يجعل من ديمومة قوة حماس وتضخيم صورتها وتثبيت قواعدها، ورقة رابحة لاستمرارية الدور القطري، الأمر الذي بدأ منذ الساعات الأولى لـ “طوفان الأقصى”، بداية من تصوير الجناح العسكري للحركة على أنه جيش نظامي يمتلك صواريخ متطورة وآليات عسكرية ووحدات كوماندوز وخلافه، وليس انتهاءً بتحليلات فايز الدويري، التي كانت أشبه بصولات التنمية البشرية المنفصلة تماماً عما هو واقع، بحسب وصفه.

أما عن كيف ينظر أهل غزة لهذا الإعلان، فيقول أبو كوش إنه “إذا ما استثنينا أقلية ارتبطت مصالحها باستمرارية حماس ووجودها، لعوامل كثيرة أهمها الاقتتال الداخلي عام 2007 والخوف من فكرة المحاسبة، فإن الغالبية العظمى ما دونهم لم يتلقوا هذا الخبر إلا كموضع سخرية، ليس من السنوار فحسب، بل حتى من دور الجزيرة الذي أصبح معلوماً ومحدداً بالنسبة لغزة ومن فيها”. 

الشاب الفلسطيني كريم جودة، من مدينة جباليا شمالي القطاع، والذي يقيم في مدينة رفح الآن، عبّر عن جزئية السخرية الأخيرة في كلام أبو كوش خلال حديثه مع موقع “درج”، قائلاً “الواقع الغزّي برمّته يدعو إلى عدم الاكتراث لهكذا ظواهر، ومن لديه اتصال بالإنترنت في قطاع غزة ليرى هذه الإعلانات أو الملصقات يُعدّ محظوظاً في المقام الأول”.

الجزيرة بعيدة عن الشارع الغزيّ!

 لا يرى الكاتب والباحث الفلسطيني، من مدينة رفح جنوبي القطاع، كريم أبو الروس، أن هذا الإعلان يمكن أن يغير من الواقع شيئاً، فالشارع في غزة، بحسب حديثه لـ”درج” لا يتأثر بما تقوله الجزيرة عن مجريات الحرب والفاعلين فيها، المؤثر الوحيد ربما هو الواقع الذي يعيشونه في الخيام على أمل العودة إلى غزة ووقف الحرب. 

يرى أبو الروس أن الجزيرة تحاول أن تعيد الشرعية الشعبية إلى السنوار “خاصة وأن الجميع في الفترة الأخيرة ينظر إليه باعتباره المتحكم بمصير الحرب، أو الذي يقرر في الحرب أو وقفها أو حتى في عقد صفقة التبادل أو وقفها”، وهو ما تؤكده الأخبار حول انتظار الفاعلين جميعهم في اتفاق الهدنة توقيعه.

لا يتعلق التساؤل هنا بالجزيرة وفيلمها القادم، فهي في نهاية المطاف منبر إعلامي، وإن تعاظم صوتها، وأثرها في بعض الحالات ليتجاوز صنّاع السياسة. بل أُعيد طرح السؤال على نطاق واسع في أعقاب الخطاب الأخير للمتحدث العسكري باسم كتائب القسام حذيفة الكحلوت (الملقّب بـ “أبو عبيدة”)، الذي بُثَّ يوم 23 أبريل/نيسان الفائت، بعد غيابٍ لأكثر من شهرين في ظل الإبادة والتهجير، إذ خاطب أبو عبيدة، بشكلٍ أساسي، شرائح واسعة، ذات تعريفات فضفاضة مثل “الأمة” و”أحرار العالم”، أكثر مما توجه بخطابه إلى ما يدعى بـ “الجبهة الداخلية”، أي أهل غزة.

 جاء في مطلع خطاب أبو عبيدة ” فجأة مرة 200 يوم ولا يزال الجيش الهمجي النازي عالقاً في رمال غزة بلا هدف ولا أفق”، في نفس اليوم الذي نشر فيه جنود جيش الاحتلال صورةً لأفراد لواء ناحال يلهون على مأدبة غداء واسعة أُقيمت قرب ممر نتساريم (الطريق العرضي الذي يشطر قطاع غزة من مستوطنة ناحال عوز إلى البحر المتوسط)، دون أن يبدو على أيّ منهم الخوف أو التوجّس وهو ما يعرفه تماماً أهالي غزة.

يعلق كريم جودة بالقول إن وقع خطابات من هذا الشكل يحمل “الكثير من السخرية” عندما يتلقاها أهالي غزة، “إذ نرى الجيش الذي لم يترك شبراً في قطاع غزة، أصبح فجأة عالقاً، وهم الذين أخبرونا منذ البداية أن ذلك الجيش لم يستطع أن يدخل برياً وتحدّوه بذلك، بينما يقول الواقع المُعاش على الأرض، أن الجيش متواجد في وسط القطاع وأطرافه من كافة الاتجاهات، يستطيع أن يدخل في أي لحظة يقرر بها الدخول، وما يمنعه من دخول رفح حسابات سياسية أكثر منها عسكرية”.

ثم توجّه الناطق العسكري في خطابه بدعوة “جماهير الأمة”، للمرة السادسة منذ بدء الحرب، بجانب دعوة القائد العام لكتائب القسام محمد ضيف، إلى ما وصفه بـ “التصعيد”، وخصَّ بالذكر أهالي الضفة الغربية والأردن، قبل أن يثني على عملية “الوعد الصادق” الذي أطلقها الحرس الثوري الإيراني فيما عُرف بـ “ليلة المسيّرات”، قائلاً إنها “وضعت قواعد جديدة، ورسخت معادلات مهمة، وأربكت حسابات العدو، ومن وراءه”.

 من يتحمل مسؤولية الغزيين؟

يقول أمجد أبو كوش لـ “درج” إن استيعاب الانسجام في الرؤية ما بين الجيش الإسرائيليّ وحماس في النظرة للمدنيين الفلسطينيين قد يساعد على فهم هذه الظاهرة “فقد عبر عنها كلاهما بوضوح؛ نتنياهو في خطابه الأول ما بعد العدوان الذي أكد أن المدنيين ليسوا من مسؤوليته كونهم قبلوا بحماس، وموسى أبو مرزوق الذي أكد كذلك في خطابه الأول عدم تحمل مسؤولية المدنيين كونهم تحت مسؤولية الأونروا والاحتلال”.

 الأمر لا يتعلق كثيراً بالخطاب الأخير، فلطالما وجّه “حديثه في خطاباته لليمنيين والأردنيين والإيرانيين واللبنانيين، وجه حديثه للعالم بأسره، لكنه لم يُفكر هو ومن خلفه، لمخاطبة غزة وأهلها مرة واحدة”، بحسب تعبير أبو كوش، الفكرة التي كررها جميع من تحدث إليهم “درج” من أهل غزة. 

وعندما تحدث الكحلوت، فقط عند الدقيقة 18 من خطابه الذي بلغت مدته 20 دقيقة، لشعب غزة، غاب عن حديثه النزوح والجوع أو ما يحدث في الشمال من تقسيم وإعادة إحياء لمستوطنات قديمة، وما يخطط له القادة بشأن مئات الآلاف القابعين في الخيام الذين لا يُعلم إن كانوا يعودوا إلى منازلهم، هذا إن وُجدت، وقد تدمر أكثر من 70 في المئة من بنية القطاع. 

شكر الكحلوت بعدها الأهالي وهم “يكسرون العدوان كل يوم بصمودهم وثباتهم على أرضهم وهم يسطرون أروع ملحمة للعطاء، ويعلمون الدنيا دروساً فريدة في الكرامة”، مكرراً، بطريقة أو بأخرى، عن قصد أو غير قصد، ما تقوله الرواية الإسرائيلية عدم تأثر المدنيين بآلة الحرب المستعرّة منذ سبعة أشهر.

يتساءل في هذا الصدد كريم جودة في حديثه مع “درج”، مستنكراً، “علامَ يشكرنا تماماً بعد 200 يوم من الحرب؟ ما الذي قدمناه له؟ وما الذي قدمه لنا؟ شكر أي طرف لآخر هنا يمثل أعلى درجات السخرية”. بينما يقول كريم أبو الروس إن هذا النوع من الخطابات يعمق في الحقيقة الفجوة بين القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني قائلاً/”يمكنك ببساطة أن ترى أن المأمول بالنسبة للناس من الخطابات والمؤتمرات هي وقف الحرب، المرونة في التفاوض، وقف شلال الدماء، العودة إلى غزة والشمال، لا أعتقد أن أحدًا في غزة يكترث للخطابة والبلاغة ورتابة الحديث بقدر ما يكترثون للجدوى والوقائع والمصير والمأمول”.

 إجبارية الصمود!

يقول الشاعر الفلسطيني من مدينة غزة، وضاح أبو جامع، يقول لـ “درج” أن لا أحد صامد بغزة بالمعنى الحرفي للكلمة، بل الغالبية مجبرون على ذلك في حين أن أغلب أعضاء المكاتب الحكومية في غزة أخرجوا زوجاتهم وأطفالهم من غزة، ولم يتبق هناك إلا من لم يستطع توفير مبلغ النجاة من هذا السجن المفتوح. 

ويؤكد ذلك أمجد أبو كوش بالقول إن ادعاء الصمود والثبات يدحضه أعداد من غادروا قطاع غزة، والذين يزيدون عن 100 ألف، بالإضافة لعشرات الآلاف ممن يتواجدون في قوائم الانتظار، ليس ضعفاً ولا هزيمة منهم، بل لأنهم أدركوا أنهم يموتون ويضحون لأجل اللاشيء، “فلم يعد الغزي يستسيغ أن يضحي بأبنائه وبيته وحياته لأجل أمن إيران، ولا لأجل رفع الحجز عن أموالها في البنوك، ولا لتحسين حضورها في الاتفاقات المتعلقة بالملف النووي”.

 ألا دور لحماس في المفاوضات!

فيما يتعلق بالجولة الجارية من مفاوضات الهدنة التي تعدّ الأقرب للتحقّق، تخرج على مدار الساعة تسريبات من مجلس الحرب الإسرائيلي عن مناوشات بين بن غفير ونتانياهو، وتصريحات متبادلة بين الأخير وبلينكن، وأخرى ينقلها تارة المتحدث باسم الخارجية القطرية وتارة المصرية، بينما لم يخرج أحد من قادة حماس، في الخارج أو الداخل، بأي تصريح يطمئن الغزيون عمّا إذا كان جحيمهم سيتوقف قريباً أم لا. 

لم تُعلن حتى الآن مطالب حركة حماس من هذه الجولة، لكن ما لفت عدداً من الغزيين، هو غياب الحديث عن الرصيف البحري الذي تُشيده الولايات المتحدة قبالة سواحل رفح وشارفت على إنهائه، باعتباره التغيير الأكثر وضوحاً حول وجود القوات الأجنبية في غزة، وعلى رغم الحديث عن تغييرات مشابهة كممر نتساريم، واستهدافه أحياناً.

يتساءل كريم أبو جودة، في معرض حديثه لـ “درج”:”ما غرض هذا الميناء بالضبط؟ هل هو لتسهيل عملية تهجيرنا إلى أوروبا؟ هل هو انطلاقة لمنصات استخراج الغاز في البحر؟ لماذا لم يتحدث أحد من قيادات الداخل أو الخارج عنه؟ هل يعتقدون أن قوات الاحتلال ستغادر مع انتهاء الحرب وتقول لهم ‘تفضلوا، شيّدنا لكم هذا الميناء’؟ أتمنى أن لا يكونوا بهذه السذاجة”.

يقول وضاح أبو جامع إن “الميناء البحري كما نعلم نحن أنه تم بناؤه بأيدي عاملة من غزة وتحت إشراف شركات موجودة داخل القطاع، أي أن الحزب الحاكم يعلم ويوافق على ذلك، ولا يوجد هناك تفسير، إلا أنهم قرروا حل مسألة الحرب بعيدا عن الأهداف المعلنة السياسي والوطني منها”. 

ويؤكد ذلك أمجد أبو كوش بالقول إنه “من خلال تجربتنا معهم (يقصد شركة الخيسي للإنشاءات والإعمار، التي تتبع لأحد قادة حماس) فالصمت ليس غريباً، إذ سبق واعتقلت حماس عشرات المواطنين الذين اعترضوا على المستشفى الأميركي الذي شُيّد منذ سنوات، واستفسروا عن ماهية وجوده، خصوصاً أنه لم يقدم أي خدمات طبية أو علاجية”.

 لماذا تجاهلت حماس الرصيف البحريّ؟

في ظل التقارير التي تفيد بأن الولايات المتحدة قد دعت قطر لتمويل عمليات تشييد وتشغيل الميناء البحري، يقول أبو كوش إن صمت حماس حيال ذلك أمام أهل غزة قد يفسّره خشية قيادات الحركة انتقاد الدولة الممولة، وهذا يعبر عن كارثة إضافية لكوارث الارتهان للخارج، بحسب وصفه “وينعكس هذا الارتهان بشكلٍ مباشر على الوضع الفلسطيني، فالآن أمامنا ميناء يتضمن ما يزيد عن ألف جندي أميركي، دون أن يحرك أحد ساكناً، ليس فقط من خلال دائرة الفعل، بل حتى الإدانة أو التوضيح”.

لا يستطيع المواطنون الغزيون قراءة خطاب اليوم بمعزلٍ عن السنوات السابقة، إذ يقول وضاح أبو جامع “نحن فقدنا الأمل في الحركة بعد حرب 2014 حينما قرر قادتها إكمال الحرب لمدة تجاوزت الشهر ونصف، ووافقوا بعد ذلك على الشروط التي تم وضعها بعد أسبوع واحد من اندلاعها، فأدركنا أنهم لا يكترثون بنا بالمجمل”.

يرى أبو كوش أن المواطن الغزي الذي خاض حروب 2008 و2012 و2014 و2021 وحرب الإبادة الحالية قد فقد الثقة تماماً بكل ما تقوله الحركة، بينما تدرك حماس بدورها أن أي حديث يوجه للداخل سيكون موضع سخرية، ولن يقابل بأي جدية.

الغزيّ يحتاج كل شيء الآن

يستبق كريم جودة في حديثه مع “درج” سؤال الحاجة إلى خطاب وطني، ويقول ساخراً إن المواطن الغزي يحتاج كل شيء الآن، هذه الإجابة ببساطة. بينما يقول كريم أبو الروس أن أهل غزة يستحقون أن يتحدث إليهم من يتحكمون بقرار الحرب والسلم حول كل صغيرة وكبيرة بدون تجميل للواقع وبدون هروب من المسؤولية، فرأى الخارج فيما يحدث ليس مهماً عند الغزيين خاصة وأن الذين يعيشون في الخارج لا يتأثرون بشكل مباشر بالحرب ولا حتى بقرارات حماس، المتأثرون الوحيدون في هذه المسألة هم الغزيون. 

يقول كريم “أتمنى طبعاً من قيادة حماس أن تترك هذه العادة القديمة، وأن تحكي مع الغزيين بلغتهم وطريقتهم، وأن تكون أقرب إلى مطالبهم وأوجاعهم، وأن تتخلى قليلًا عن البلاغة الإعلامية التي لا تغير في الواقع شيئاً على الأقل عند النازحين في الخيام وعند أهالي الشهداء وعند الأطفال المصابين وعند مجتمع كامل فقد كل شيء في حرب لا تزال مستمرة”.

وعند الحديث عن ما يُعرف باسم “الجبهة الداخلية” -أي شؤون أهالي قطاع غزة الداخلية اليومية، يقول وسيم غباين من غزة لـ “درج” إن حماس خارج المعادلة، في حين أن “المحرك الفعلي لتلك الجبهة هو الجيش الإسرائيلي، عن طريق المنشورات التي يلقيها على الناس، و”المنسق” عن طريق إعلاناته على صفحاته على الإنترنت، بجانب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وغيرها من المنظمات التي تقدم مساعدات للناس، أما دور حماس، فيبقى محصوراً في أمور أخرى”.

يبقى هناك عددٌ من الأسئلة العالقة، يطرحها أهالي غزة دون إجابات حتى الآن، لماذا نُقتل الآن؟ ما السبب؟ وإذا كنا في معركة تحرير، فأين ملامحها؟ من وجّه هذا الطوفان ومن أعطى التعليمات لتنفيذه؟ ما هو مصير قطاع غزة الذي أصبح غير قابل للحياة؟ ما الذي يجب أن يفعله مليون و300 ألف إنسان حوصروا في منطقة جغرافية كانت تعتبر مكتظة عندما كان يسكنها أقل من 200 ألف نسمة؟

“هاجم رفح، وخلّصنا”

 قبل إعلان الجيش الإسرائيلي بدء عملياته في شرقي رفح بيوم، وبينما كان قاطنو المدينة، ونازحوها يتساءلون عن نجاح مفاوضات الهدنة من عدمه، قال نائب رئيس المكتب التنفيذي لحركة حماس موسى أبو مرزوق في مقابلة مع الإعلامي المصري عمرو أديب في برنامج الحكاية “يقول نتنياهو أننا سنهاجم رفح، ولازم نخلص العملية في رفح، هو حد مانعك؟ طيب هاجم رفح وخلّصنا”.

 ومع بدء العملية، لم يجد مئات الآلاف من يومهم، إذ يكتب الدكتور تيسير عبدالله “الناس تائهة في الشوارع مثل يوم القيامة. يبحثون عن سيارات يهربون بها. أصبحوا يخافون من بيوتهم التي كانوا يستأنسون فيها لعقود. يخشون القذائف والموت. الكل يسأل عن طريق النجاة من الموت. الرعب يشبه العدوى الفتاكة التي تفتك بالأرواح والأعصاب. لم يكن شعبنا في يوم من الأيام بهذه الصورة من الانهيار. لم يكن شعبنا في يوم من الأيام يخشى الموت بهذه الصورة”. 

يقول أبو كوش إنه “من المؤسف أن يكون الناطق باسم جيش الاحتلال هو أكثر من يخاطب أهل غزة، في حين يغيب كل الناطقين الحكوميين والحركيين باسم حماس عن المشهد”.

ارتسمت لدى بعض الغزيين صورة أكثر قتامة، ولم يعودوا يرجون شيئاً، وإن كان خطاب الإصلاح، إذ يقول كاتب وصحفي من رفح رفض الكشف عن اسمه، غادر إلى القاهرة منذ أيام، في حديثه لـ “درج”: “لا نطلب من أحد بينهم أن يخاطبنا، وصدّق أو لا تُصدّق، أن عينَ العقل هو ما يفعلونه بالنأي عن مخاطبتنا؛ فلا رصيد لهم بيننا، حتى يجدوا آذانًا صاغية، وربما ما تريد الأغلبيّة السّاحقة منّا سماعه منهم هو خطاب الاستسلام، وأرجو أن يحدث في أقرب وقت، وليس ‘حتى آخر طفل فينا’، كما قال السنوار فيما مضى”. 

يفسر الدكتور تيسير عبدالله في منشور صمت حماس أمام شعبها لدراستها عدد من الاحتمالات المستقبلية، لكن يعقّب “يمكن لحماس أن تطرد الاحتلال في الأخير من الميناء وغزة، لولا أن إحدى نكباتنا طوال الـ 17 سنة الماضية أن جميع تقديرات حماس ورهاناتها كانت خاطئة؛ حتى إنها لم تعد الاحتلال فقط إلى قلب غزة وشاطئها وشوارعها المدمرة، ولكنها أدخلته غرف نسائنا”.