fbpx

“من يخاف من الجندر؟”… جوديث باتلر ضد “الفاشيين”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

صدر مؤخراً، للفيلسوفة الأميركية جوديث باتلر، في خضم تصريحاتها عمّا تشهده غزة، وموقفها الداعم للحق الفلسطيني، كتاب “من يخاف من الجندر؟”، ونقرأ فيه كيف تستلّ باتلر سيوف اليسار واصفة حركة “ضد الجندر” بأنها “فاشية”، يتبناها كل من يريد مصادرة “الحق بالحياة”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

صدر مؤخراً، للفيلسوفة الأميركية جوديث باتلر، في خضم تصريحاتها عمّا تشهده غزة، وموقفها الداعم للحق الفلسطيني، كتاب “من يخاف من الجندر؟”، الذي تحاكي فيه عنوان المسرحية الشهيرة “من يخاف من فرجينيا وولف-1962”.

 تستل باتلر في هذا الكتاب سيوف اليسار، مراهنةً أن حركة “ضد الجندر”، تقوم على أسس فاشية، الكلمة التي لا تتردد باستخدامها لوصف كل من يقف ضد الجندر، وحقوق المرأة، والمثليين، والعابرين، والحق باستخدام الضمائر ورفض الجنس البيولوجي، أي كل ما يدافع عنه ناشطوا اليسار واليسار المتطرف.

 أعداء الجندر هؤلاء، “الفاشيون”، رجال دين، سياسيين، منظمات دينية، صناع قانون، للمفارقة، اجتمعوا وتعاونوا معاً، دون أن يستخدموا حجة واحدة، بل مجموعة من التقنيات البلاغية والأساليب المؤسساتية والعنيفة، لمصادرة “الحق بالحياة” والحد من مفهوم الجندر، الذي بالأصل، لا يملك شكلاً واحداً وثابتاً.

ترى باتلر أن ألد أعداء “الجندر”، بصورة أدق، رواد مقاربة “ضد الجندر” هم اليمين الذي “سرق” كلمة “أيديولوجيا”، ويتمثل بدايةّ بالفاتيكان، تليها السلطات القمعية، كما في روسيا والبرازيل (ونضيف هنا دون تردد كل الدول العربيّة)، ناهيك ببعض الأصوات التي ترفض الهويات العابرة جنسياً، على الرغم من نسويتها كالكاتبة ج.ك. رولينج مؤلفة سلسلة هاري بوتر.

هذا الموقف الحاد برأي باتلر، هو نتيجة “مُتخيلات هذيانية”وخوف من المستقبل، هؤلاء، معادو الجندر، غارقون في فانتازماتهم الأبوية عن التقسيم الثنائي للجنس، التي وصلت بهم حد اتهام نظرية الجندر بأنها “سلاح نووي”، “نازية”،”محاولة للعب دور الخالق”، “تدمير للطبيعة”.

ترى باتلر أن هؤلاء “الأعداء” يمتلكون صفة أشد، هي الجهل، وتضرب أمثلة عن أنهم لا يقرأون “نظرية الجندر”، بل يتبجحون بذلك، لأن هذه الكتب تمتلك” قوة سحرية” وأن مجرد قراءتها قد تلوث عقل القارئ، وتصنف هؤلاء “جميعاً” بأنهم ينتمون إلى حركة “ضد الجندر” التي نراها في روسيا وإيطاليا، وغيرها من الدول التي صعد فيها اليمين. أما في المنطقة العربيّة (التي لا تحضر في الكتاب) فيمكن أن يختزل الوضع بالعبارة التي أطلقها النائب العراقي باسم خشان (الذي ربما مسه السحر): “ماكو جندر ولا جندرة”، والتي ترافقت مع منع استخدام الكلمة، وتجريم المثلية بالسجن حد 15 عاماً وفق ما أقر البرلمان العراقي مؤخراً.

مظاهرات في ساو باولو ضد زيارة جوديث باتلر للمشاركة في محاضرة-2017

المساءلة الألتوسيرية: الأبوين كـ”شرطة”!

ترى باتلر منذ بداية الكتاب، أن التنصيف الثنائيّ، “ذكر- أنثى” قمعي، وتطرح مثال اختيار الجنس في أي وثيقة رسميّة، لتصل إلى عملية تجنيس الطفل حين يولد، التي يقوم بها الأبوان، مشبهة إياها، بلحظة “المساءلة/ التوقيف-Interpellation” التي نظّر لها الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير، والتي تشير إلى اللحظة التي يصرخ فيها الشرطي بأحدهم في الشارع، ليفترض من سمع النداء أنه مذنب!.

عملية تجنيس الطفل “ّذكر/ أنثى” كلحظة حسب باتلر تشابه ما تقوم به الشرطة، إذ ترسم متخيلاً ونظاما مستقبليا على الطفل أن يتبعه كي يحقق هذه التسميّة، ويخضع لـ”عملية” كي يتطابق مع ما أطُلق عليه، فإذا كان نداء الشرطي يفترض الذنب، تسمية الأبوين تفترض “الجنس”، وعلى الرغم من انتقاد باتلر لألتوسير سابقاً، مشيرة أن الرد على نداء الشرطي، هو رفض للذنب لا إقرار له، الطفل لا يستطيع الرد، ما يترك الوالدين بحالة أسوأ من الشرطي، هم يفرضون “متخيلهم” على من يعجز عن رفضه!.

المقارنة السابقة التي تطرحها باتلر، شديدة الراديكالية، وتنفي أي دور للطبيعة، المشكوك بها نعم، لكنها تجعل الأهل بداية سلطة قمعية، وضحية مجموعة من “الفانتازمات” التي تُفرض على الكائن قبل أن يمتلك هويّة جندرية، لتظهر عملية اختيار الضمير الذاتي لاحقا، كمحاولةٍ للوقوف أمام هذه “المسائلة”القمعيّة التي تبدأ من الطفولة، وإعادة امتلاك الذات، ورغبتها، والأهم، امتلاك حقها أن “تحيا، تتنفس، وتلعب”.

هل كلهم “فاشيون”؟

كل من يقف بوجه الجندر، تصفه باتلر بـ”الفاشي”، الكلمة التي قد تبدو مفرطة في شدتها، كونها تشمل اليمين والمحافظين، والكنيسة، ورجال الدين، والأهل الخائفين على الهويات الجنسية لأطفالهم، كلهم يتحركون ضمن فانتازمات “فاشية”!، حيث الأخيرة “أسلوب ناجح لإبادة الحياة”.

السياقات التي تتحدث فيها باتلر عن الجندر (بعيداً عن أفريقيا والعالم العربي)، حيث الاشتباك بين اليمين واليسار، هي سياقات تضمن فيها حرية التعبير، فكما يمتلك طلاب الجامعة الحق بتغيير ضمائرهم والاحتجاج في الساحات، يمتلك “الأعداء الفاشيون” ذات الحق، نعم هم خائفون على البنى التقليدية والأسرة والنظام الأبوي، لكن كلمة فاشيّة هنا مفرطة في عنفها، لأن ببساطة، لم تصل أوروبا وأمريكا إلى “نظام فاشي” يسوق الناس إلى المعتقلات، ويقتل المثليين، هذا المتخيل عن الكلمة وما تخفيه من ممارسات غير موجود، فرفض مشاركة الرجال العابرين جنسياً في رياضات النساء، لا يقارن بفاشية جرّهم إلى المحارق في ألمانيا وإيطاليا!.

ترى باتلر أن عداوة الجندر نتاج فانتازم يقوم على “ترتيب للرغبات والقلق ضمن قواعد تنظيمية وبنيوية، تراهن على الوعي واللاوعي المادي “يحركها الخوف، الذي يصل حدّ “الذهان”، ولا تتردد باتلر بوصف “الأعداء” بكل الأوصاف، التي تصل حد تشخيصهم مرضياً، الشأن الذي أيضاً لا يتردد فيه أعداء الجندر أيضاً.

 لكن الحجة التي تقدمها ضدهم، لا تحمل سوى دعوات للحياة والحرية بمعانيها المجردة، لا تكتيك أو أسلوب واضح لمواجهة هذه المخاوف، تقترح باتلراً مثلاً الفن، وضرورة تخيل المستقبل، لكن إن سلمنا أن أعداء الجندر فاشيون، فالمخيلة لا تنجح لتغيير آرائهم، كما الفاشيون أنفسهم منتصف القرن العشرين!.

لا ندافع هنا عن “أعداء الجندر” بل نحاول الإشارة إلى تطرف ما في كلام باتلر، يراهن على الثقافة بوصفها محركاً أساسياً وجوهرياً للفرد، ولا أي دور تلعبه الطبيعة، التي تجيد باتلر أيضاً إعادة تعريفها، إذ لا تخفي قدرتها البلاغية على الاقتباس من “زميلاتها”، معايير جديدة لمصطلحات ذكر وأنثى، بوصفها ليست فروق جوهرية علمية، بل اختلاف في حجم الخلايا الجنسيّة، الـGamete، الكلمة التي تترجم للعربية بـ”الجميطة”، فهناك من ينتج جميطة كبيرة (بويضة) ومن ينتج جميطة صغيرة (نطفة)، أما الباقي فمُتطابق.

الترجمة و”عالمية الجندر”

يتبنى جوزيف مسعد في “اشتهاء العرب-2007” فرضية ترى أن الخطاب الجندري (يستخدم أحيانا كلمة النوع الجنسي)، ذو صفة عالميّة إمبريالية، ويناقش أن هذا الخطاب، ذو مصدر “غربيّ”، لا يراعي الخصوصية الذاتيّة لمجتمعات “الجنوب”، بل فرض عليها ضمن أجندة حقوق الإنسان، وصادر حق الذوات العربية بممارسة أشكال اللذة الناشئة من بيئاتها المحلية.

لا يخفى ذلك على باتلر، التي ترى أن الحرب الشديدة في أوغندا ضد الجندر والمثلية الجنسية، آتية من بعثات التبشير الجديدة التي تمولها الولايات المتحدة، وتشير إلى التاريخ الاستعماري، وكيف فرض التقسيم الثنائي نفسه، على أجساد “المُستعمرَين”، دون حتى مراعاة لإمكانية امتلاكهم لظواهر جنسانية متعددة، لا تتطابق مع الشكل “الغربي”.

تتناول بتلر في فصل “مصطلحات أجنبية أو اضطراب الترجمة”، عن أزمة نقل مصطلح ومفهوم الجندر إلى اللغات الأخرى، فـ”جندر” تبدو بديهية لمتحدثي الإنجليزية والفرنسية، وترجمتها كما هي تفترض تبنياً للأحادية اللغوية الأوروبية، ومحاولة تصديرها إلى “الآخر” دون حفر وتفكير في سياقاتها، تصفه ببساطة بـ”إمبريالية مؤدّبة”.

نشهد بصورة متفرقة خلال السنوات الماضية محاولات أكاديميّة لإعادة النظر في المصطلحات والتقنيات التي قدمتها نظرية الجندر لقراءة الظاهرة الإنسانية، ككتاب “الاختلاف: الجندر بعيني عالم قرديات-2022″، لفرانس دوفال، الذي يعيد النظر بالأدوات التي استخدمها “علماء” الجندر لتفسير الظاهرة الطبيعيّة والاقتباس منها، موضحاً المُغالاة في الاقتباس، وأحياناً سوءه، فـالقضيب الذكري ليس “سلاحاً للاغتصاب” نشأ تطورياً لدى الذكور.

هناك أيضاً كتاب “كراهية الجنس” لأوليفر دايفس وتيم دين الذي يفترض أن سياسات الهويّة استبدلت الجنس بالجنسانيّة، واللذة بتصنيفات الطيف الجنسي، و”النيك”، بالجندر، لتستثني كل ما لا يتطابق مع تصوراتها عن الجنس بوصفه حواراً، لا انتهاكاً.

تنسحب إعادة القراءة هذه أيضاً على المصطلحات الجديدة التي تدور في قطاع حركات اليقظة اليساريّة، إذ تعرضت الجمعية الأمريكية للأمراض النفسية للكثير من الانتقادات، حين أعلنت أن “الرجولة السامّة” حالة مرضية عام 2018.

ذات الأمر واجهه مصطلح “Gas lighting” الذي عمدت كايت أبرامسون إلى تفكيكه في كتابها On Gaslighting، الصادر هذا العام. إذ تفنّد استخدامه الشعبيّ الخاطئ، كونه ببساطة، ليس نتاج لحظة محددة واختلاف بالرأي، بل عملية طويلة عبر الزمن من التعنيف والتلاعب حد التشكيك بالقوى العقلية نفسها، لا فقط

تشير باتلر إلى أن البعد الإمبريالي للكلمة، يبدأ حين “تتبنى المنظمات والدول الترويج لسجلات حقوق الإنسان الخاصة بها التي تتعلق بالمثليين والمثليات، في سعي لصد عنصريتهم وسياسات الهجرة الخاصة بهم، والحروب الاستعمارية”، وتقول بوضوح “هؤلاء، حلفاء لا نريدهم”، في تشابه مع أطروحة مسعد السابقة.

مشكلة ترجمة كلمة “جندر” حاضرة في اللغة العربية بشدة، إلى أن اصطلح نهاية توظيف الكلمة نفسها، دون أن نعرف بدقة معناها، ثم منعها في العراق، أي هناك غموض داخل المصطلح، لا تخفيه باتلر، في تقديمها للترجمة العربية لـ”قلق الجندر” الصادر عام 2022.

فتحي المسكيني في ترجمته للكتاب السابق يستخدم لفظ “جندر”، ويصرفها بالعربيّة”مُجندر، جندرة”، وفي “قاموس الجندر”، تستخدم لفظتي “الجندر/ النوع الاجتماعي”، وفي “المستعصيات على الترجمة: مفردات الفلسفات الأوروبية، تظهر المصطلحات التالية” جندر، نوع اجتماعيّ، جنوسة، استجناس “، ونور حريري في ترجمتها لعدة كتب لبتلر تستخدم لفظة “جندر”.

نذكر هذه الأمثلة المتعددة، ونوافق باتلر على غرابة المصطلح، أو أجنبيته، وقدرته على تحريك المشاعر الوطنية و”الدفاعية”، لنُشير إلى إشكالية تتجاوز الترجمة نحو السياق الذي تظهر به الكلمة، ولا نقصد أن كتاب “قلق الجندر” صادر عن قطر، بل حين نستخدم كلمة “جندر” بالعربي، هل نشير إلى فرضية باتلر عن الأدائية و”تكرار النوع الاجتماعي بصورة أٍسلوبية علنية كي يكون موجوداً”؟.

 إن كان المقصود فرضية باتلر والممارسات الثقافيّة التي تصفها من أجل “الظهور” و”إثبات الوجود”، فنتائجها مختلفة من سياق إلى آخر في المنطقة العربيّة، حيث لا حريات مضمونة، ويكفي مشاهدة فيديوهات جنود الربّ في لبنان لنعرف أن حتى “الظهور” قد ينتج عنه العنف والتهديد!.

إشكالية الاستعراض

تشير باتلر إلى أن عالمية الجندر تحتوي ضمنها كل الحقوق، ولا بد من الدفاع عنها، حقوق النساء، الكوكب، …الخ، كل الأجندات اليساريّة التي لا اختلاف عليها، لكن على مستوى الممارسة الفعلية في “الجنوب العالمي”، الوضع مختلف، الحكايات والتجارب الشخصية والمساحات الخفية و”الآمنة” التي ينادي بها “الضحايا”، لنشر التجارب الذاتية والتوعية بحقوق الإنسان، كشفت أنها ليست كافية، بل ولا تخاطب الجميع، بل فئة محدودة، تتهم بأنه “برجوازيّة”.

التقنية السابقة القائمة على التوعية وخطاب الضحايا، لم تنجح لأن السلطة الدينية قادرة على ممارسة العنف، لا فقط داخل الدولة، بل خارجها أيضا، كما في حالة “جنود الرب” في لبنان، بل أصبح الحديث عن التجارب الكويرية أسلوباً لتصيّد أفراد هذا المجتمع وتعنيفهم.

ناهيك أيضاً بأن التحالف مع الفنانين لتخيل مستقبل أكثر حريّة، من وجهة نظر باتلر أيضاً لا ينجح في المنطقة، الأفلام الذي تتناول هذه الظواهر، حكر المهرجانات الدوليّة الأوروبيّة، وما زال “المثلي” في الإنتاجات المحلية، مدعاة للضحك، والمُنتجات المُتخيلة الأكثر شعبية، تموّل من جهات رسميّة ودول ورقابة تمنع “تخيل” مستقبل أفضل.

يمكن القول إذاً أن “استعراض التأكيد الجذريّ للحياة المشتركة” التي تنادي به باتلر، لا مساحة له، ولا وسيط قادر على الأقل على حماية أفراد هذا المجتمع لاستعراض ذواتهم دون خطر. الخطر الذي تتجاهله باتلر، نتلمسه في كتاب سابق لها بعنوان “ملاحظات نحو نظرية أدائيّة للتجمع-2015″، التي ترى فيه أنه لا يجب أن نقول إن من يظهرون علناً دون سلاح،”الأضعف”، قد يتحولون إلى “حياة صرفة”.

 والمقصود هنا، حياة يمكن أخذها، دون أن يرتكب القاتل جريمة، لكن، ألم تقتل التيك توكر أم فهد في العراق هكذا دون أن نعرف القاتل ودون اتهام؟، ألا يتم تصيّد المثليين والعابرات في مصر عبر تطبيقات المواعدة، وتعنيفهم دون أن يُجرّم أحد؟.

باختصار، إن سلمنا بعالمية الجندر ونماذجه، وضرورة الدفاع عنها، هل تكفي حكاية شخصية من “أفغانستان طالبان”، أو “عراق الحشد الشعبي” أو  “لبنان جنود الرب/حزب الله” أو “إدلب هيئة تحرير الشام”، أو أي بلد عربي يجرم المثليّة، لتخيل مستقبل أفضل؟.

15.05.2024
زمن القراءة: 8 minutes

صدر مؤخراً، للفيلسوفة الأميركية جوديث باتلر، في خضم تصريحاتها عمّا تشهده غزة، وموقفها الداعم للحق الفلسطيني، كتاب “من يخاف من الجندر؟”، ونقرأ فيه كيف تستلّ باتلر سيوف اليسار واصفة حركة “ضد الجندر” بأنها “فاشية”، يتبناها كل من يريد مصادرة “الحق بالحياة”.

صدر مؤخراً، للفيلسوفة الأميركية جوديث باتلر، في خضم تصريحاتها عمّا تشهده غزة، وموقفها الداعم للحق الفلسطيني، كتاب “من يخاف من الجندر؟”، الذي تحاكي فيه عنوان المسرحية الشهيرة “من يخاف من فرجينيا وولف-1962”.

 تستل باتلر في هذا الكتاب سيوف اليسار، مراهنةً أن حركة “ضد الجندر”، تقوم على أسس فاشية، الكلمة التي لا تتردد باستخدامها لوصف كل من يقف ضد الجندر، وحقوق المرأة، والمثليين، والعابرين، والحق باستخدام الضمائر ورفض الجنس البيولوجي، أي كل ما يدافع عنه ناشطوا اليسار واليسار المتطرف.

 أعداء الجندر هؤلاء، “الفاشيون”، رجال دين، سياسيين، منظمات دينية، صناع قانون، للمفارقة، اجتمعوا وتعاونوا معاً، دون أن يستخدموا حجة واحدة، بل مجموعة من التقنيات البلاغية والأساليب المؤسساتية والعنيفة، لمصادرة “الحق بالحياة” والحد من مفهوم الجندر، الذي بالأصل، لا يملك شكلاً واحداً وثابتاً.

ترى باتلر أن ألد أعداء “الجندر”، بصورة أدق، رواد مقاربة “ضد الجندر” هم اليمين الذي “سرق” كلمة “أيديولوجيا”، ويتمثل بدايةّ بالفاتيكان، تليها السلطات القمعية، كما في روسيا والبرازيل (ونضيف هنا دون تردد كل الدول العربيّة)، ناهيك ببعض الأصوات التي ترفض الهويات العابرة جنسياً، على الرغم من نسويتها كالكاتبة ج.ك. رولينج مؤلفة سلسلة هاري بوتر.

هذا الموقف الحاد برأي باتلر، هو نتيجة “مُتخيلات هذيانية”وخوف من المستقبل، هؤلاء، معادو الجندر، غارقون في فانتازماتهم الأبوية عن التقسيم الثنائي للجنس، التي وصلت بهم حد اتهام نظرية الجندر بأنها “سلاح نووي”، “نازية”،”محاولة للعب دور الخالق”، “تدمير للطبيعة”.

ترى باتلر أن هؤلاء “الأعداء” يمتلكون صفة أشد، هي الجهل، وتضرب أمثلة عن أنهم لا يقرأون “نظرية الجندر”، بل يتبجحون بذلك، لأن هذه الكتب تمتلك” قوة سحرية” وأن مجرد قراءتها قد تلوث عقل القارئ، وتصنف هؤلاء “جميعاً” بأنهم ينتمون إلى حركة “ضد الجندر” التي نراها في روسيا وإيطاليا، وغيرها من الدول التي صعد فيها اليمين. أما في المنطقة العربيّة (التي لا تحضر في الكتاب) فيمكن أن يختزل الوضع بالعبارة التي أطلقها النائب العراقي باسم خشان (الذي ربما مسه السحر): “ماكو جندر ولا جندرة”، والتي ترافقت مع منع استخدام الكلمة، وتجريم المثلية بالسجن حد 15 عاماً وفق ما أقر البرلمان العراقي مؤخراً.

مظاهرات في ساو باولو ضد زيارة جوديث باتلر للمشاركة في محاضرة-2017

المساءلة الألتوسيرية: الأبوين كـ”شرطة”!

ترى باتلر منذ بداية الكتاب، أن التنصيف الثنائيّ، “ذكر- أنثى” قمعي، وتطرح مثال اختيار الجنس في أي وثيقة رسميّة، لتصل إلى عملية تجنيس الطفل حين يولد، التي يقوم بها الأبوان، مشبهة إياها، بلحظة “المساءلة/ التوقيف-Interpellation” التي نظّر لها الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير، والتي تشير إلى اللحظة التي يصرخ فيها الشرطي بأحدهم في الشارع، ليفترض من سمع النداء أنه مذنب!.

عملية تجنيس الطفل “ّذكر/ أنثى” كلحظة حسب باتلر تشابه ما تقوم به الشرطة، إذ ترسم متخيلاً ونظاما مستقبليا على الطفل أن يتبعه كي يحقق هذه التسميّة، ويخضع لـ”عملية” كي يتطابق مع ما أطُلق عليه، فإذا كان نداء الشرطي يفترض الذنب، تسمية الأبوين تفترض “الجنس”، وعلى الرغم من انتقاد باتلر لألتوسير سابقاً، مشيرة أن الرد على نداء الشرطي، هو رفض للذنب لا إقرار له، الطفل لا يستطيع الرد، ما يترك الوالدين بحالة أسوأ من الشرطي، هم يفرضون “متخيلهم” على من يعجز عن رفضه!.

المقارنة السابقة التي تطرحها باتلر، شديدة الراديكالية، وتنفي أي دور للطبيعة، المشكوك بها نعم، لكنها تجعل الأهل بداية سلطة قمعية، وضحية مجموعة من “الفانتازمات” التي تُفرض على الكائن قبل أن يمتلك هويّة جندرية، لتظهر عملية اختيار الضمير الذاتي لاحقا، كمحاولةٍ للوقوف أمام هذه “المسائلة”القمعيّة التي تبدأ من الطفولة، وإعادة امتلاك الذات، ورغبتها، والأهم، امتلاك حقها أن “تحيا، تتنفس، وتلعب”.

هل كلهم “فاشيون”؟

كل من يقف بوجه الجندر، تصفه باتلر بـ”الفاشي”، الكلمة التي قد تبدو مفرطة في شدتها، كونها تشمل اليمين والمحافظين، والكنيسة، ورجال الدين، والأهل الخائفين على الهويات الجنسية لأطفالهم، كلهم يتحركون ضمن فانتازمات “فاشية”!، حيث الأخيرة “أسلوب ناجح لإبادة الحياة”.

السياقات التي تتحدث فيها باتلر عن الجندر (بعيداً عن أفريقيا والعالم العربي)، حيث الاشتباك بين اليمين واليسار، هي سياقات تضمن فيها حرية التعبير، فكما يمتلك طلاب الجامعة الحق بتغيير ضمائرهم والاحتجاج في الساحات، يمتلك “الأعداء الفاشيون” ذات الحق، نعم هم خائفون على البنى التقليدية والأسرة والنظام الأبوي، لكن كلمة فاشيّة هنا مفرطة في عنفها، لأن ببساطة، لم تصل أوروبا وأمريكا إلى “نظام فاشي” يسوق الناس إلى المعتقلات، ويقتل المثليين، هذا المتخيل عن الكلمة وما تخفيه من ممارسات غير موجود، فرفض مشاركة الرجال العابرين جنسياً في رياضات النساء، لا يقارن بفاشية جرّهم إلى المحارق في ألمانيا وإيطاليا!.

ترى باتلر أن عداوة الجندر نتاج فانتازم يقوم على “ترتيب للرغبات والقلق ضمن قواعد تنظيمية وبنيوية، تراهن على الوعي واللاوعي المادي “يحركها الخوف، الذي يصل حدّ “الذهان”، ولا تتردد باتلر بوصف “الأعداء” بكل الأوصاف، التي تصل حد تشخيصهم مرضياً، الشأن الذي أيضاً لا يتردد فيه أعداء الجندر أيضاً.

 لكن الحجة التي تقدمها ضدهم، لا تحمل سوى دعوات للحياة والحرية بمعانيها المجردة، لا تكتيك أو أسلوب واضح لمواجهة هذه المخاوف، تقترح باتلراً مثلاً الفن، وضرورة تخيل المستقبل، لكن إن سلمنا أن أعداء الجندر فاشيون، فالمخيلة لا تنجح لتغيير آرائهم، كما الفاشيون أنفسهم منتصف القرن العشرين!.

لا ندافع هنا عن “أعداء الجندر” بل نحاول الإشارة إلى تطرف ما في كلام باتلر، يراهن على الثقافة بوصفها محركاً أساسياً وجوهرياً للفرد، ولا أي دور تلعبه الطبيعة، التي تجيد باتلر أيضاً إعادة تعريفها، إذ لا تخفي قدرتها البلاغية على الاقتباس من “زميلاتها”، معايير جديدة لمصطلحات ذكر وأنثى، بوصفها ليست فروق جوهرية علمية، بل اختلاف في حجم الخلايا الجنسيّة، الـGamete، الكلمة التي تترجم للعربية بـ”الجميطة”، فهناك من ينتج جميطة كبيرة (بويضة) ومن ينتج جميطة صغيرة (نطفة)، أما الباقي فمُتطابق.

الترجمة و”عالمية الجندر”

يتبنى جوزيف مسعد في “اشتهاء العرب-2007” فرضية ترى أن الخطاب الجندري (يستخدم أحيانا كلمة النوع الجنسي)، ذو صفة عالميّة إمبريالية، ويناقش أن هذا الخطاب، ذو مصدر “غربيّ”، لا يراعي الخصوصية الذاتيّة لمجتمعات “الجنوب”، بل فرض عليها ضمن أجندة حقوق الإنسان، وصادر حق الذوات العربية بممارسة أشكال اللذة الناشئة من بيئاتها المحلية.

لا يخفى ذلك على باتلر، التي ترى أن الحرب الشديدة في أوغندا ضد الجندر والمثلية الجنسية، آتية من بعثات التبشير الجديدة التي تمولها الولايات المتحدة، وتشير إلى التاريخ الاستعماري، وكيف فرض التقسيم الثنائي نفسه، على أجساد “المُستعمرَين”، دون حتى مراعاة لإمكانية امتلاكهم لظواهر جنسانية متعددة، لا تتطابق مع الشكل “الغربي”.

تتناول بتلر في فصل “مصطلحات أجنبية أو اضطراب الترجمة”، عن أزمة نقل مصطلح ومفهوم الجندر إلى اللغات الأخرى، فـ”جندر” تبدو بديهية لمتحدثي الإنجليزية والفرنسية، وترجمتها كما هي تفترض تبنياً للأحادية اللغوية الأوروبية، ومحاولة تصديرها إلى “الآخر” دون حفر وتفكير في سياقاتها، تصفه ببساطة بـ”إمبريالية مؤدّبة”.

نشهد بصورة متفرقة خلال السنوات الماضية محاولات أكاديميّة لإعادة النظر في المصطلحات والتقنيات التي قدمتها نظرية الجندر لقراءة الظاهرة الإنسانية، ككتاب “الاختلاف: الجندر بعيني عالم قرديات-2022″، لفرانس دوفال، الذي يعيد النظر بالأدوات التي استخدمها “علماء” الجندر لتفسير الظاهرة الطبيعيّة والاقتباس منها، موضحاً المُغالاة في الاقتباس، وأحياناً سوءه، فـالقضيب الذكري ليس “سلاحاً للاغتصاب” نشأ تطورياً لدى الذكور.

هناك أيضاً كتاب “كراهية الجنس” لأوليفر دايفس وتيم دين الذي يفترض أن سياسات الهويّة استبدلت الجنس بالجنسانيّة، واللذة بتصنيفات الطيف الجنسي، و”النيك”، بالجندر، لتستثني كل ما لا يتطابق مع تصوراتها عن الجنس بوصفه حواراً، لا انتهاكاً.

تنسحب إعادة القراءة هذه أيضاً على المصطلحات الجديدة التي تدور في قطاع حركات اليقظة اليساريّة، إذ تعرضت الجمعية الأمريكية للأمراض النفسية للكثير من الانتقادات، حين أعلنت أن “الرجولة السامّة” حالة مرضية عام 2018.

ذات الأمر واجهه مصطلح “Gas lighting” الذي عمدت كايت أبرامسون إلى تفكيكه في كتابها On Gaslighting، الصادر هذا العام. إذ تفنّد استخدامه الشعبيّ الخاطئ، كونه ببساطة، ليس نتاج لحظة محددة واختلاف بالرأي، بل عملية طويلة عبر الزمن من التعنيف والتلاعب حد التشكيك بالقوى العقلية نفسها، لا فقط

تشير باتلر إلى أن البعد الإمبريالي للكلمة، يبدأ حين “تتبنى المنظمات والدول الترويج لسجلات حقوق الإنسان الخاصة بها التي تتعلق بالمثليين والمثليات، في سعي لصد عنصريتهم وسياسات الهجرة الخاصة بهم، والحروب الاستعمارية”، وتقول بوضوح “هؤلاء، حلفاء لا نريدهم”، في تشابه مع أطروحة مسعد السابقة.

مشكلة ترجمة كلمة “جندر” حاضرة في اللغة العربية بشدة، إلى أن اصطلح نهاية توظيف الكلمة نفسها، دون أن نعرف بدقة معناها، ثم منعها في العراق، أي هناك غموض داخل المصطلح، لا تخفيه باتلر، في تقديمها للترجمة العربية لـ”قلق الجندر” الصادر عام 2022.

فتحي المسكيني في ترجمته للكتاب السابق يستخدم لفظ “جندر”، ويصرفها بالعربيّة”مُجندر، جندرة”، وفي “قاموس الجندر”، تستخدم لفظتي “الجندر/ النوع الاجتماعي”، وفي “المستعصيات على الترجمة: مفردات الفلسفات الأوروبية، تظهر المصطلحات التالية” جندر، نوع اجتماعيّ، جنوسة، استجناس “، ونور حريري في ترجمتها لعدة كتب لبتلر تستخدم لفظة “جندر”.

نذكر هذه الأمثلة المتعددة، ونوافق باتلر على غرابة المصطلح، أو أجنبيته، وقدرته على تحريك المشاعر الوطنية و”الدفاعية”، لنُشير إلى إشكالية تتجاوز الترجمة نحو السياق الذي تظهر به الكلمة، ولا نقصد أن كتاب “قلق الجندر” صادر عن قطر، بل حين نستخدم كلمة “جندر” بالعربي، هل نشير إلى فرضية باتلر عن الأدائية و”تكرار النوع الاجتماعي بصورة أٍسلوبية علنية كي يكون موجوداً”؟.

 إن كان المقصود فرضية باتلر والممارسات الثقافيّة التي تصفها من أجل “الظهور” و”إثبات الوجود”، فنتائجها مختلفة من سياق إلى آخر في المنطقة العربيّة، حيث لا حريات مضمونة، ويكفي مشاهدة فيديوهات جنود الربّ في لبنان لنعرف أن حتى “الظهور” قد ينتج عنه العنف والتهديد!.

إشكالية الاستعراض

تشير باتلر إلى أن عالمية الجندر تحتوي ضمنها كل الحقوق، ولا بد من الدفاع عنها، حقوق النساء، الكوكب، …الخ، كل الأجندات اليساريّة التي لا اختلاف عليها، لكن على مستوى الممارسة الفعلية في “الجنوب العالمي”، الوضع مختلف، الحكايات والتجارب الشخصية والمساحات الخفية و”الآمنة” التي ينادي بها “الضحايا”، لنشر التجارب الذاتية والتوعية بحقوق الإنسان، كشفت أنها ليست كافية، بل ولا تخاطب الجميع، بل فئة محدودة، تتهم بأنه “برجوازيّة”.

التقنية السابقة القائمة على التوعية وخطاب الضحايا، لم تنجح لأن السلطة الدينية قادرة على ممارسة العنف، لا فقط داخل الدولة، بل خارجها أيضا، كما في حالة “جنود الرب” في لبنان، بل أصبح الحديث عن التجارب الكويرية أسلوباً لتصيّد أفراد هذا المجتمع وتعنيفهم.

ناهيك أيضاً بأن التحالف مع الفنانين لتخيل مستقبل أكثر حريّة، من وجهة نظر باتلر أيضاً لا ينجح في المنطقة، الأفلام الذي تتناول هذه الظواهر، حكر المهرجانات الدوليّة الأوروبيّة، وما زال “المثلي” في الإنتاجات المحلية، مدعاة للضحك، والمُنتجات المُتخيلة الأكثر شعبية، تموّل من جهات رسميّة ودول ورقابة تمنع “تخيل” مستقبل أفضل.

يمكن القول إذاً أن “استعراض التأكيد الجذريّ للحياة المشتركة” التي تنادي به باتلر، لا مساحة له، ولا وسيط قادر على الأقل على حماية أفراد هذا المجتمع لاستعراض ذواتهم دون خطر. الخطر الذي تتجاهله باتلر، نتلمسه في كتاب سابق لها بعنوان “ملاحظات نحو نظرية أدائيّة للتجمع-2015″، التي ترى فيه أنه لا يجب أن نقول إن من يظهرون علناً دون سلاح،”الأضعف”، قد يتحولون إلى “حياة صرفة”.

 والمقصود هنا، حياة يمكن أخذها، دون أن يرتكب القاتل جريمة، لكن، ألم تقتل التيك توكر أم فهد في العراق هكذا دون أن نعرف القاتل ودون اتهام؟، ألا يتم تصيّد المثليين والعابرات في مصر عبر تطبيقات المواعدة، وتعنيفهم دون أن يُجرّم أحد؟.

باختصار، إن سلمنا بعالمية الجندر ونماذجه، وضرورة الدفاع عنها، هل تكفي حكاية شخصية من “أفغانستان طالبان”، أو “عراق الحشد الشعبي” أو  “لبنان جنود الرب/حزب الله” أو “إدلب هيئة تحرير الشام”، أو أي بلد عربي يجرم المثليّة، لتخيل مستقبل أفضل؟.

15.05.2024
زمن القراءة: 8 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية