لعلّ أبلغ من يعبّر عن أهمّية الاحتجاجات في إيران بالنسبة إلى لبنان، وعن مدى تأثّره بمسارها واحتمالاتها، بخاصّة احتمال سقوط نظام المرشد الأعلى، هو “حزب الله” وأتباعه.
فقد عكس غضبهم من مشهد حرق إيرانيات صورة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وردّة فعل بعضهم على اللبنانيين، خصوصاً الشرائح الشيعية التي شاركت ذلك على صفحاتها، حدّ التهديد، بالإضافة إلى دعوة أحد إعلاميي “حزب الله” مناصريه إلى العمل على الدفاع عن حكم المرشد باعتباره “واجباً”، كلّ ذلك كفيل بالإجابة عن سؤال “ما شأنكم أنتم بالاحتجاجات في إيران؟”.
هذه المواقف تؤكّد مدى تأثير النظام الثيوقراطي في طهران على الساحة اللبنانية، لا سيّما في المناطق التي يهيمن عليها أتباعه، ويمتدّ فيها نفوذه. وهي ساحة يتحكّم بتفاصيلها، بما يجعل من سقوطه احتمالاً يحمل ارتداداً إيجابياً على تحرّر اللبنانيات واللبنانيين من هذه القبضة.
كامرأة ولدت وكبرت في مجتمع شيعي ازداد فيه نفوذ “حزب الله” وهيمنته تدريجياً، وشهد خلال ثلاثة عقود تغيّراً عميقاً في المحيط ونمط الحياة تحت هذه الهيمنة، وأدركت مدى معاناة النساء منها، فإن سقوط النظام في إيران يعنيني لأنه ببساطة، نظام يتحكّم بعنف بأبسط تفاصيل المجتمع حيث نشأت، وتحديداً بنسائه.
هو نظام حكم أجسادنا بقدر ما استطاع وبأيادٍ لبنانية، رغم أن التنوّع اللبناني شكّل عائقاً منع “ولاية الفقيه” من فرض سيطرة مطلقة، إلا أنها تواصل السعي إلى ذلك اليوم، ويحرص أتباع خامنئي في لبنان على بلوغ هذه الغاية، وفق ما يعلنونه.
تحرير الهويّة
لقد نجح مؤسّس الجمهورية الإسلامية في إيران روح الله الخميني، في تصدير “ثورته” إلى لبنان الذي لم يقبلها بأكملها. إذ شكّل المال والسلاح والعقيدة عوامل استقطاب وتجنيد للأفراد، الذين أصبحت مهمّتهم فرض العقيدة الخمينية على باقي المجتمع، وصار الفرد بعد تجنيده، معنيّاً بفرض الحجاب وغيره من “الواجبات” على النساء في أسرته ومحيطه، وتجنيد الفتيان.
وكان تأثير النظام الإيراني واضحاً في تغيير هويّة المدن والقرى الشيعية حيث سيطر “حزب الله”؛ “الفرع اللبناني” للثورة الإسلامية في إيران. فسرعان ما تغيّر نمط لباس النساء؛ وهو ما يعكس عادةً هويّة المكان وثقافته، واستُبدل الكثير من العادات بما يتوافق مع فتاوى الفقيه. ازداد الاتّشاح بالسواد على حساب الملابس الملوّنة والمناديل البيضاء، وأصبح لون الحداد، هو اللون الطاغي في قرى أقنع “حزب الله” الكثير من أهلها بواجب القتال والاستشهاد.
لقد تمكّن نظام ولاية الفقيه المطلقة من التحكّم حتى بالعلاقات داخل الأسر الشيعية في لبنان، وإضعافها لصالح الولاء للحاكم. فالأسرة تُعرّف باعتبارها أصغر خليّة اجتماعية، والتحكّم بها يعني التحكّم بالمجتمع بأكمله وإخضاعه.
وقد نجح “حزب الله” بوصفه ممثّلاً “للثورة الإسلامية في لبنان”، بتحويل أتباع خامنئي إلى أدوات قمع تحاول التحكّم بنمط حياتنا وأجسادنا وفرض الحجاب و”اللباس الزينبي” على النساء بأشكال متعدّدة، بعضها يُمارس داخل الجامعات عبر الهيئات النسائية. بل وأكثر من ذلك، فقد حوّلت عقيدة الخميني أشخاصاً في محيطنا إلى مقاتلين مستعدّين لاستهدافنا في أيّة لحظة باسم “التكليف الشرعي”، باعتبار الاختلاف في الرأي تمرّداً على المقدّس.
إقرأوا أيضاً:
التحكّم بالمشاعر الطبيعية
أبعد من ذلك، أثّرت الأفكار الخمينية على المجتمع حدّ التحكّم بالمشاعر الإنسانية الطبيعية وإعابتها، ما دفع الجماعة إلى إنكارها والمكابرة عليها. وقد برز كبت المشاعر بشكل موجع خلال الحرب الأخيرة، في مشاهد الأمّهات اللواتي قمعن حزنهن على أبنائهن الذين قتلوا. إذ يُطلب من النساء التعبير عن الفخر والاستعداد للتضحية بالمزيد من الأبناء بوصفه واجباً، بدل البكاء. بينما تُعامل من تُظهر مشاعرها الطبيعية، كالخوف والحزن، باعتبارها ضعيفة النفس والإيمان.
الحرس الثوري في لبنان
اليوم، لا نعلم شيئاً عن تحرّكات الحرس الثوري في لبنان، ولا ندري ما يخطّطه حرس النظام في إيران؛ الذي يقمع الاحتجاجات هناك، لمستقبل بلد خرج منذ عام ونيف من حرب مدمّرة كان الحرس الثوري أبرز المقرّرين فيها، وأدار معاركها.
فقد أثبتت أحداث السنوات الماضية وتصريحات مسؤولي التنظيم الإيراني، أن “حزب الله” يأتمر بأوامره ويخوض حروبه تحت إشرافه. فللحرس الثوري الكلمة العليا في قرار السلم والحرب في لبنان، ويدير قادته هذه الحروب من الأراضي اللبنانية، إلى جانب قيادة “حزب الله”، وفي مقدّمهم أمينه العامّ.
وقد اعترف قائد “فيلق القدس” الراحل قاسم سليماني في مقابلة تلفزيونية، بأنه كان إلى جانب الأمين العامّ الراحل لـ”حزب الله” حسن نصرالله في غرفة القيادة خلال حرب تمّوز/ يوليو 2006. وقد اغتيل نصرالله في حارة حريك في الضاحية الجنوبية وقُتل معه في مركز القيادة، القائد في الحرس الثوري الإيراني عبّاس نيلفروشان، وهو ما يؤكّد دور الحرس في اتّخاذ الخيارات المصيرية بدلاً عن اللبنانيين.
تحرير المرأة والمصير
يوضح ما سبق، وغيره ممّا يمكن ذكره، أن سقوط الحكم الديني في إيران سيحرّر المرأة الشيعية في لبنان من سطوته، ويحرّر المجتمع الذي ولدت فيه، من التكليف الشرعي الذي حوّل شبّانه إلى مقاتلين يبحثون عن الشهادة بدل الحياة، وسيحرّره من محاولة معالجة تبعات موت الشبّان والترمّل، عبر الترويج لاستغلال النساء بأشكال شتّى قانونية واجتماعية.
وإذا تجاوزنا تفاصيل الحياة اليومية التي هيمن عليها المرشد الإيراني، الذي بات قسم الولاء له يتردّد في كليّات الجامعة الوطنية، حيث تُمنع أنشطة لا تتوافق مع فتاواه، وعدنا إلى واقع لبنان المهدّد إسرائيلياً بحرب جديدة، نجد أن سقوط النظام في إيران سيحرّر مصير اللبنانيين من الارتهان له. فقد أكّد مسار الحرب أن الحسابات الإيرانية تعلو مصلحة اللبنانيين، وهي التي كبّلت قدرات “حزب الله” قبل توجيه إسرائيل ضربات قاصمة.
وحتى عندما واجه شيعة لبنان احتمال نموذج غزّة، أصرّ النظام الإيراني عبر مسؤوليه و”حزب الله” على التعنّت ومواجهة قرارات الدولة اللبنانية، وما تزال إيران تتعامل مع “حزب الله” بوصفه ورقة تفاوضية يمكن استخدامها رغم مآسي أنصاره، واحتمال نشوب حرب جديدة أكثر تدميراً، وبعد وقف إطلاق النار عاد النظام الإيراني ليستخدم لبنان كساحة يهدّد بها لحماية نفسه.
ولعلّ ردّة فعل أنصار “حزب الله” الذين هاجموا إيران بعيد اغتيال نصرالله، واتّهموها بالخذلان والتخلّي عنهم، تؤكّد أيضاً أهمّية فصل المسار والمصير عن النظام في إيران. فصل يشير تعنّت “حزب الله” إلى أنه لا أمل في حصوله إلا بسقوط المرشد.
لا يتعلّق سقوط النظام الإيراني فقط بالمشهد الإيراني الداخلي، أو بصراع السلطة هناك. إنه حدث يعاد عبره تعريف السلطة في البيئات الشيعية خارج إيران، وخصوصاً في لبنان، حيث تشكّل النساء خطّ الدفاع الأوّل في مواجهة السلطة الدينية على الجسد والهويّة والعاطفة، وإذا كان النظام في طهران قد أمّن أدوات حكمه في لبنان عبر السلاح والعقيدة والمؤسّسة العائلية، فإن سقوطه يفتح أفقاً لتحرير النساء من ولاية الفقيه، كما يفتح أفقاً لتحرير لبنان من وظيفة الساحة.
ردود فعل أنصار “حزب الله” بعد اغتيال نصرالله، واتّهامهم إيران بالتخلّي والخذلان تعكس تآكل هذه الولاية من الداخل، وهي لحظة تكشف إمكانية فصل المصير اللبناني عن المصير الإيراني، وفصل الجسد اللبناني عن جسد الثورة الإسلامية، وبناءً عليه، يصبح سقوط النظام في إيران حدثاً يعني اللبنانيين بالقدر نفسه الذي يعني الإيرانيين، بل يحدّد مصيرهم السياسي والاجتماعي والجندري أيضاً.
إقرأوا أيضاً:














