تكبّد لبنان خسائر تقدّر بـ 20 مليار دولار نتيجة العدوان الإسرائيلي، في ظل أزمة اقتصادية مزمنة مستمرة منذ خمس سنوات. أدت الحرب الإسرائيلية على لبنان إلى تعطيل المدارس، ما ترك 1.5 مليون طالب من دون تعليم، بينما أصبحت 25 في المئة من مساحة البلاد تحت أوامر الإخلاء الإسرائيلية التي يقودها المتحدّث باسم جيش الاحتلال للإعلام العربي أفيحاي أدرعي. شهد الناتج المحلي الإجمالي انخفاضاً حاداً من 54.9 مليار دولار في عام 2018 إلى 17.9 مليار دولار في عام 2023، مع توقعات بأن تكلّف الحرب الاقتصاد اللبناني 70 في المئة من الناتج المحلي، أي ما يعادل 13 مليار دولار.
يواجه لبنان تحديات إضافية مع وجود 1.2 مليون نازح، ما يزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية. تشير التقديرات إلى أن توقف مليون نازح عن العمل يكبد الاقتصاد خسائر تتراوح بين 500 مليون دولار ومليار دولار. كما أن تلبية احتياجات النازحين من مسكن ودواء وغذاء تقدّر تكلفتها بنحو ملياري دولار، بينما يؤدي الانكماش الاقتصادي إلى خسائر تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار.
من المتوقع أن يرتفع التضخم السنوي ليصل إلى 54 في المئة بحلول نهاية عام 2024، ما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي. تؤثر الحرب والنزوح بشكل كبير على القطاعات الحيوية التي تشكل نحو 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مثل البناء والتجارة والتعليم والخدمات.
كشفت هذه الإحصاءات والأرقام دراسة أعدتها مجموعة عمل مستقلة تضم خبراء في السياسات العامة والاقتصاد، من بينهم الصحافيان الاقتصاديان رشا أبو زكي وعلي نورالدين، وأستاذ الاقتصاد الجامعي جاد شعبان، والباحثة الاقتصادية في جامعة بروكسل الحرة جوان حداد، والمحامي والأستاذ المحاضر في قانون الضرائب والمالية العامة في الجامعة اليسوعية كريم ضاهر وغيرهم.
تسلط الدراسة الضوء على النتائج الاقتصادية والاجتماعية الكارثية للحرب، وتهدف إلى تقديم توصيات فعالة للحد من الأزمات المتفاقمة وتقديم حلول قصيرة ومتوسطة الأمد لتفادي ما وصفه كريم ضاهر بـ “القنبلة الموقوتة”. ويؤكد ضاهر في مقابلة لموقع “درج”، الحاجة الماسة الى رئيس للجمهورية، فيما يجب أن نكون على طاولة المفاوضات لحل الأزمة في المنطقة. يشير ضاهر إلى أن لبنان يجب أن يكون جزءاً من الحل، ووفقاً لدستورنا، يلعب رئيس الجمهورية دوراً أساسياً في التفاوض مع مجلس الوزراء. يجب أن يكون لدينا مجلس وزراء يتمتع بثقة البرلمان والشعب ويضم أشخاصاً ذوي كفاءة واستقلالية عن الأحزاب السياسية للعمل على إخراج البلاد من الأزمة”.
تأتي هذه الدراسة قبل أيام من مؤتمر باريس الذي تنظّمه فرنسا لدعم لبنان في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2024. وتركّز على التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن تلخيصها على الشكل التالي:
التأثير الاقتصادي
تُقدّر التكاليف الاقتصادية للحرب بأكثر من 20 مليار دولار، ومن المتوقع أن تؤدي الحرب إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي ليصل إلى 54 في المئة بنهاية عام 2024. توقفت الأنشطة الاقتصادية في مناطق رئيسية مثل الجنوب والبقاع، التي تضم ثلث سكان لبنان، ما أدى إلى خسائر كبيرة في دخل الأسر وتباطؤ النمو الاقتصادي. تم تدمير أو تعطيل نحو 50 ألف شركة مسجلة في لبنان، أي نحو 60 في المئة من إجمالي الشركات، بالإضافة إلى تضرر أكثر من ربع الأراضي الزراعية. من المتوقع أن تتضاعف نسبة الأشخاص الذين يعانون من الفقر المدقع لتصل إلى 80 في المئة على الأقل في المناطق المستهدفة مباشرة من العدوان الإسرائيلي. على مستوى لبنان، يُتوقع أن يرتفع عدد الذين يعانون من الفقر المدقع من حوالى 1.6 مليون شخص قبل الحرب إلى أكثر من 3 ملايين شخص، وهو ما يعادل 60 في المئة من السكان، بحسب الدراسة.
يعاني القطاع الزراعي وحده من خسائر تقدّر بنحو 2.5 مليار دولار بسبب الأضرار الواسعة الناجمة عن الغارات الجوية. أدى القصف المباشر إلى حرق 1900 هكتار من الأراضي الزراعية في جنوب البلاد خلال العام الماضي، وبخاصة في الأسابيع الأخيرة. بالإضافة إلى ذلك، تم التخلي عن 12 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في الجنوب اللبناني، وهو واحد من أكثر المناطق إنتاجية في البلاد، ما يلحق الخسائر بحوالى 46 ألف مزارع تأثروا بشدة بالأزمة.
التأثير الاجتماعي
تم تهجير أكثر من 1.2 مليون شخص، ما يمثل حوالى 20 في المئة من سكان لبنان. كما أوقفت الحرب التعليم لنحو 1.5 مليون طالب، إذ أغلقت المدارس أو أعيد استخدامها كملاجئ. يمكن أن يكلف هذا التعطيل التعليمي الاقتصاد اللبناني نحو 600 مليون دولار سنوياً في الناتج الاقتصادي المفقود.
يقول كريم ضاهر في مقابلة مع موقع “درج”: “هناك 1200 مدرسة ومعهد تعليمي تأثرت بالأزمة. يوجد 500 منها في المناطق المتضررة و500 أخرى تُستخدم كملاجئ للنازحين. هناك 200 مدرسة تعمل في القطاع العام بالإضافة إلى المدارس الخاصة التي تقدم خدماتها للنازحين والمتضررين. الأهم هو إيجاد مأوى لائق لهؤلاء الأشخاص”.
أمّا قطاع الرعاية الصحية فيقع تحت ضغط هائل بسبب الهجمات على المنشآت والأزمة الاقتصادية القائمة التي قلّصت القدرة الاستيعابية للمستشفيات بنسبة 50 في المئة.
التوصيات
تقدم مجموعة العمل المستقلة في الدراسة توصيات عدة للتخفيف من هذه الآثار، والتي ستُعرض في مؤتمر باريس:
إعطاء الأولوية لإنهاء العدوان الإسرائيلي وتلبية الاحتياجات الإنسانية.
مراجعة الميزانية الوطنية لتعكس الحقائق الحالية، وإدارة سلاسل التوريد للسلع الأساسية، وتعزيز الرقابة المالية. وهنا يشدّد ضاهر على أهمية أن تقوم كل الوزارات والإدارات العامة المعنية بدورها، مثل لجنة حماية المستهلك ووزارة الاقتصاد وغيرهما.
تنفيذ برامج دعم الإيجار لنقل العائلات النازحة من المدارس إلى المساكن المتاحة، ما يتيح إعادة فتح المؤسسات التعليمية.
التعاون مع المانحين الدوليين للحصول على مساعدات مالية موجّهة الى المنتجين المحليين وقطاعات مثل الزراعة والأدوية، لتقليل الاعتماد على الواردات.
يقول ضاهر: “تبقى التطلعات الى مؤتمر باريس هي مساعدة لبنان في تلبية احتياجاته. والقرارات التي ستُتخذ فيه يجب أن تكون قابلة للتنفيذ، وأن يتم تأمين مساعدات تتناسب مع الاحتياجات الفعلية، وليس مجرد مساعدات لا تلبي الغرض. يجب أن نحدد الأولويات بوضوح ونضمن استخدام المساعدات بطريقة نزيهة وشفافة”.
الأزمات تخلق الفرص
يرى ضاهر، أنّنا “نمر بظروف استثنائية مشابهة لأزمات سابقة، ولكننا تمكنّا من تجاوزها. أفضل فترات التشريع في لبنان كانت في عام 1958 وما تلاها، في عام 1977 على رغم الحرب اللبنانية، وفي فترة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. عندما تم انتخاب رئيس للجمهورية، تم التوصل إلى تسوية دولية بين الولايات المتحدة والرئيس جمال عبد الناصر لتحييد لبنان عن الأزمة الإقليمية”، مشيراً إلى أنّ الرئيس فؤاد شهاب عيّن ممثلين سياسيين بارزين في حكومة مصغرة من أربعة أشخاص فقط، منحهم صلاحيات استثنائية لتمثيل مجلس النواب من دون الدخول في مصالح شخصية. هذه الحكومة التكنوقراطية أصدرت قوانين ما زلنا نعيش تحتها اليوم. وبالتالي قد تكون هذه المرحلة أيضاً فرصة للبنان لتجاوز الأزمة الحالية وإظهار قدرة الدولة اللبنانية على القيام بدورها من دون الاعتماد على أي طرف آخر. يجب على جميع المواطنين اللبنانيين التضامن والتكاتف لبناء دولة فعلية تكون الملاذ الأخير والوحيد لهم، بعيداً عن التأثيرات الحزبية والسياسية.
إقرأوا أيضاً:












