fbpx

28 تونسياً “قتلهم” رجال الأمن… متى موعد العقاب؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

منذ اندلاع الثورة في تونس حتى هذه اللحظة، توفي 28 شخص على يد الشرطة التونسية نتيجة العنف، تنوعت الأسباب من الاحتجاجات إلى المطاردات الأمنية مروراً بالوفاة في مراكز الأمن أو أثناء الإيقاف.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تختلف القصص إنما يجمعها قاسم مشترك هو عنف الشرطة، الذي لم تفلح لا الثورة ولا التشريعات الدستورية التي تجرّم التعذيب وتنصّ على احترام حقوق الإنسان، في كبحه والحدّ منه.

أكّد الرئيس قيس سعيّد بعد إجراءات 25 تموز/ يوليو 2022 أنه “لا ظلم بعد اليوم ولا مساس بحياة التونسيين”، إلا أن مسلسل الموت على يد الشرطة لم ينتهِ، إذ توفي محمد المرزوقي بعد إجراءات 25 تموز بأسبوع بسبب مطاردة أمنية، ومثله كريم السياري الذي تعرض لمطاردة أمنية بعد سنة في محافظة بنزرت انتهت باعتقاله وتعذيبه حتى الوفاة في اليوم نفسه. ولقي عبد الرزاق الأشهب حتفه يوم 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، في تحرك احتجاجي في مدينة صفاقس بسبب الغاز المسيل للدموع. 

قبلهم جميعاً وفيما كانت الدولة التونسية تحتفل بالذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوم 10 كانون الأول/ ديسمبر 2017، كان لطفي العرفاوي يصارع الموت في زنزانة قذرة داخل أحد مركز الحرس الوطني بولاية سليانة. 

وجهه أزرق وبدنه خارطة من الكدمات والدماء. ساعات بعد تلك الحادثة خرجت وزارة الداخلية إلى الرأي العام ببيان مقتضب قالت فيه: “إن الضحية قد أقدم على الانتحار بواسطة خيط معطفه”، مشفوعة بتقرير طبي كالعادة، أرادت وزارة الداخلية غلق الحادثة بسرعة وجعلها طيّ الكتمان، إلا أن الاحتجاجات التي أعقبت الحادثة وأحداث الشغب والتظاهرات ضدّ وزارة الداخلية، دفعت بالتحقيق القضائي إلى إعادة تشريح الجثة”.

 قرر قاضي التحقيق أخيراً إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حق رئيس المركز ثلاثة أعوان آخرين بتهمة العنف الناجم عنه الموت، لتكشف هذه الحادثة عن التعذيب الذي ما زال متواصلاً في وزارة الداخلية ومراكزها.

“جثة ابني كانت مشوهة تماماً ورأيت آثار سيجارة على جسده. إنه عنف لا يمكن أن يكون سوى بهدف القتل”.

جريمة بلا عقاب

منذ 10 سنوات والمجتمع المدني التونسي يكافح لتكريس مبادئ حقوق الإنسان والحريّات الفردية والحق في العيش الكريم في ظلّ الوضع الأمني الدقيق، غير أن شبح القبضة الأمنية ما انفك يهدد المسار الانتقالي من حين لآخر، قبضة أمنية تتجلى في عيون ضحايا عنف البوليس، وتترجمها قصص تونسيين عادوا إلى بيوتهم جثثاً تظهر عليها آثار تعذيب

فقدان، مرارة، حسرة، أسى وشعور الظلم، هذا ما تعانيه لطيفة (62 سنة) أم تختزل قصّتها سياسات الإفلات من العقاب في تونس، بعدما أعادت لها قوات الأمن ابنها في كفن منتصف شباط/ فبراير 2019.

عاد أيوب بن فرج (شاب ثلاثيني مقيم بألمانيا وأب لطفل) إلى تونس لزيارة عائلته في جهة براكة الساحل بمحافظة نابل (شمال شرقي تونس)، ولم يكن يعلم أنها ستكون الزيارة الأخيرة لتونس وسوف تكلفه حياته، إذ غدا أيوب جثة هامدة على يد رجل أمن ثبتت عليه تهمة القتل العمد والتعذيب حتى الموت.

تنقل لطيفة لـ”درج” تفاصيل مقتل فقيدها، “جريمة قتل ابني كان مخططاً لها، في صيف 2015 حدثت مشاحنة كلامية بين أيوب والأمني الذي توعده على اثرها بحرمانه من أوروبا، لم ينجح في ذلك وقتها لكنه حرمه من حياته”.  يوم الحادثة خرج أيوب مع رفاقه فلحقت سيارة أمنية إثر تلقيها خبر نشوب شجار بين الأصدقاء تبين في ما بعد أن لا صحة له.

تتابع لطيفة بأسى “لم يكن هناك شجار ولم يكن ابني في حالة هستيرية بسبب تعاطي المخدرات كما تم الترويج له، لكنه تفطن إلى أنه وقع في فخ نصبه له أحد مرافقيه الذي تربطه علاقة بالقاتل، حيث لم يتم إيقاف الأصدقاء بل ايوب وحده الذي تعرض لعنف شديد مباشرة من قبل القاتل، عنف مبرح لا مبرر له  أمام  اصدقائه ثم في السيارة إلى أن وصل إلى مركز الشرطة وهو يلفظ آخر أنفاسه اختناقا بالغاز المسيل للدموع”. 

تقول لطيفة بصوت تخنقه العبارات “جثة ابني كانت مشوهة تماماً ورأيت آثار سيجارة على جسده. إنه عنف لا يمكن أن يكون سوى بهدف القتل”.

ثبتت تهمة القتل العمد والتعذيب حتى الموت في حق الجاني غير أن المحكمة لم تصدر في حقه سوى 5 سنوات بالسجن وبعد الاستئناف خففت العقوبة إلى أربع سنوات.

تتدخل ايمان اخت الضحية لتؤكد أن الكثير من الضغوطات مورست على القضية حتى بعد إحالتها من محكمة قرمبالية إلى سوسة، مستنكرة صدور الحكم النهائي في الساعة الواحدة ليلاً وهو بحسب قولها يثير الريبة فعلاً، فضلاً عن تعرض أصدقاء الضحية أي الشهود والمحامية إلى عنف وتهديد ومحاولات لطمس الحقائق فقدان هاتف القاتل الذي قد يحتوي على مفاتيح القضية .

احتضر في السجن حتى الموت

مثل أيوب الذي قتل عمدا، واجه عبد السلام زيان المصير ذاته، غير أنه لم يمت بسبب عنف مبرح شوه جسده بل بإهمال يرتقي إلى مستوى القتل العمد، بعد حرمان الشاب الثلاثيني جرع الأنسولين طيلة فترة إيقافه فاحتضر في السجن ومات.

تم ايقاف عبد السلام وشقيقه وائل في آذار/ مارس 2021، إثر مشاحنة كلامية مع بعض من أعوان الأمن قبل أن تصدر في حقهما المحكمة الابتدائية بصفاقس بطاقتي إيداع بالسجن على خلفية عدم احترام حظر التجوال وهضم جانب موظف عمومي.

 يؤكد خال الضحية علي قصارة لـ”درج” انه حاول مراراً إرسال حقن الأنسولين إلى عبد السلام الذي يعاني منذ 13 سنة من السكري، إلا أن الأعوان رفضوا ذلك برغم تدهور حالته الصحية، إذ يقول “تضامن أعوان الأمن مع زميلهم بالتنكيل بعبد السلام وحرمانه الأنسولين”. 

ضرب وسحل

كان فادي  الذي يسكن في منطقة سيدي حسين (أحد أكبر الأحياء الشعبية في تونس)، قاصراً عندما تم سحله وضربه وايقافه بلا سبب خلال حزيران/ يونيو 2022، وهو في طريق عودته إلى المنزل من جنازة ابن حيه الذي قتل على يد الشرطة، لحسن حظ فادي تم توثيق تعنيفه في مقطع فيديو يثبت براءته بعدما اتهم بالسكر وإحداث الشغب.

يقول فيصل والد الضحية “لولا الفيديو لتعرض ابني لمظلمة كبيرة، أنا ممتن للفتاة التي صورته، فالبوليس قام بتعريته وهي سترته بتوثيق المشهد”، ويضيف “يعاني فادي بعد ذلك كله من نوبات الهلع، كلما رأى سيارة أمنية، حتى إنه انطوى على نفسه لفترة ولم يرغب بلقاء أصدقائه”. 

ويتابع: “لم يزعجه الضرب بل تجريده من ثيابه هو الذي اخجله بخاصة أنه كان في سن حساسة (16 سنة). لو كنا من أبناء الأحياء الراقية لما تعرضنا لمثل هذه الانتهاكات، نحن نتعرض للقمع لأن ظروفنا الإجتماعية الصعبة ونواجه العنف دون محاسبة”.

سياسات الإنكار

لا الثورة، ولا إجراءات تموز أنهت التعذيب والموت على يد الشرطة أو غيّرت في أداء وزارة  الداخلية التي ما زالت تتنصل من مسؤولياتها. في منتصف أيار/ مايو 2018، تعرّض شابان من العاصمة تونس إلى العنف على يد الشرطة، وثق الحادثة أحد المارة، ويظهر الفيديو تعرض الشابين إلى اللكم والسحل في الشارع والضرب بالهراوة ليتم بعدها بدقائق اقتيادهما إلى مركز الشرطة بتهمة إثارة الشغب، لتحوّلا من ضحايا إلى جناة.

بعد انتشار الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعي تم إخلاء سبيلهما، وبرغم ذلك،  لم يقع الإستماع إلى أحد في هذه القضية ولم يتم تحديد المعتدين. الشيء ذاته ينطبق على محمد المرزوقي الذي توفي مطلع آب/ أغسطس 2021، بعدما صدمته سيارة شرطة خلال مطاردة أمنية، برغم أنه ليس من أصحاب السوابق العدلية، ولم يثبت التحقيق وجود مطاردة أمنية على الرغم من وجود شهود على ذلك. 

عبد الرزاق الأشهب أيضاً أحد ضحايا عنف الشرطة، إذ خرج في احتجاج من ضد غلق مصبّ نفايات في منطقة عقارب من محافظة صفاقس، وأكّد تقرير الطب الشرعي وفاته مختنقاً بالغاز الذي ألقته قوات الأمن.، إلا أن وزارة الداخلية نفت في بلاغ نشرته حينها أي مسؤولية لها في الأمر، ونفت تعرض الشاب لإصابة أدت إلى وفاته خلال الاحتجاجات التي شهدتها عقارب. أوضحت الوزارة أن المعني بالأمر توفي إثر إصابته بتوعك صحي طارئ بمنزله القريب من مكان الاحتجاجات وتم نقله إلى المستشفى حيث فارق الحياة.

عنف الشرطة لم يعد تصرفاً فردياً

يوضح جمال مسلم، الرئيس السابق لـ”الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” لـ”درج”، أن العنف الأمني تحول من مجرد ممارسات فردية إلى سياسة مشتركة. هذه السياسة باتت جلية وتصاعدت وتيرتها في الآونة الأخيرة بخاصة منذ كانون الثاني/ يناير من العام الماضي، إذ تمت مواجهة التحركات الشبابية بالمناطق الشعبية بالعنف الشديد. 

يضيف  مسلم :”سلمنا تقريراً لرئاسة الحكومة ونسخة إلى رئاسة الجمهورية نددنا فيه بهذه التجاوزات على أمل أن يقع التصدي لها، إلا أنها قد زادت عن حدها ما يجعلنا نعتقد أنه لم تكن مجرد تجاوزات فردية وإنما هي نابعة عن إرادة سياسية لمواجهة كل تحرك شعبي”.

استنكرت أيضاً “منظمة مناهضة التعذيب” تصاعد العنف الأمني، التي يرى رئيسها منذر الشارني انه تصاعد بقرار سياسي مرتبط بتردي الأوضاع الاجتماعية والزيادة في الأسعار لذلك هي قضية سياسية بالأساس ثم أمنية.

نقابات أمنية تغيث أم تستغيث؟ 

المكلف السابق بالإعلام في وزارة الداخلية محمد البلدي وعضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي يشير إلى أن “النقابة الامنية تدين الانتهاكات الفردية فكل أمني مسؤول بمفرده عن الأخطاء التي يرتكبها لذلك لا يمكن أن نحمل وزارة الداخلية بأكملها مسؤولية التجاوزات الفردية”، مؤكداً  أن “رجل الأمن يملك الحق باستخدام العنف أحياناً حتى يتمكن من تأدية مهماته”، وهذا ما تستنكره منظمات المجتمع المدني التي “تسترزق” بحسب تعبيره “من خلال الاساءة إلى سمعة المنظومة الأمنية وخدمة مصالحها الشخصية كطلب اللجوء السياسي والتشهير بعملها”. 

يوضح الناشط الحقوقي والمحامي ياسين عزازة أن المنظومة القانونية التونسية جيدة في مجملها في ما يخص تأطير العلاقة بين الأمني والمواطن وتنظيم عمل المنظومة الأمنية، لكن الإشكال يكمن في مدى تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع، ما يتسبب في الإفلات من العقاب والتمادي في الانتهاكات الأمر الذي جعل أعوان الأمن يعتقدون انهم فوق القانون .

ويضيف عزازة قائلاً أنه منذ 2011 أصبحت وزارة الداخلية لا تتجاوب فعليا مع دوائر العدالة الانتقالية إذ ترفض الاستجابة للاستدعاءات وبطاقات الجلب الخاصة بالامنيين وهو أبرز تجلي للعصيان.  يرى ياسين عزازة  أن النقابات الامنية، أصبحت مظلة للتستر على الحقائق، مشيراً إلى إمكانيّة التخلي عنها باعتبار أنها لا تمارس العمل النقابي، يقول :”لم نرَ نقابة أمنية تحتج على وزارة الداخلية التي تمثل سلطة إشراف من المفروض أن تطالب الوزارة بتجهيزات وتكوين محترم وظروف عمل تحفظ كرامة الأمني”.

وفي حديثنا عن مدى مشروعية العنف أكد عزازة ان “الدولة تحتكر استعمال القوة وليس العنف، وهذه القوة لا بد أن تكون بموجب قانوني، ومن الثغرات القانونية التي لا يمكن التغاضي عنها في هذا السياق هو عدم تجريم العنف اللفظي على المواطن، الذي يؤدي بدوره إلى تبادل العنف المادي وتلفيق التهم كجريمة هضم جانب موظف عمومي، هذا المصطلح الذي لم يعرفه المشرع جاء مطلقاً وعاماً في مفهومه وإطاره الزماني فضلاً عن أن هذه التهمة يكفي إثباتها بأقوال الامني ما يفتح الباب لمزيد من التعسف”. 

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
09.05.2023
زمن القراءة: 7 minutes

منذ اندلاع الثورة في تونس حتى هذه اللحظة، توفي 28 شخص على يد الشرطة التونسية نتيجة العنف، تنوعت الأسباب من الاحتجاجات إلى المطاردات الأمنية مروراً بالوفاة في مراكز الأمن أو أثناء الإيقاف.

تختلف القصص إنما يجمعها قاسم مشترك هو عنف الشرطة، الذي لم تفلح لا الثورة ولا التشريعات الدستورية التي تجرّم التعذيب وتنصّ على احترام حقوق الإنسان، في كبحه والحدّ منه.

أكّد الرئيس قيس سعيّد بعد إجراءات 25 تموز/ يوليو 2022 أنه “لا ظلم بعد اليوم ولا مساس بحياة التونسيين”، إلا أن مسلسل الموت على يد الشرطة لم ينتهِ، إذ توفي محمد المرزوقي بعد إجراءات 25 تموز بأسبوع بسبب مطاردة أمنية، ومثله كريم السياري الذي تعرض لمطاردة أمنية بعد سنة في محافظة بنزرت انتهت باعتقاله وتعذيبه حتى الوفاة في اليوم نفسه. ولقي عبد الرزاق الأشهب حتفه يوم 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، في تحرك احتجاجي في مدينة صفاقس بسبب الغاز المسيل للدموع. 

قبلهم جميعاً وفيما كانت الدولة التونسية تحتفل بالذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوم 10 كانون الأول/ ديسمبر 2017، كان لطفي العرفاوي يصارع الموت في زنزانة قذرة داخل أحد مركز الحرس الوطني بولاية سليانة. 

وجهه أزرق وبدنه خارطة من الكدمات والدماء. ساعات بعد تلك الحادثة خرجت وزارة الداخلية إلى الرأي العام ببيان مقتضب قالت فيه: “إن الضحية قد أقدم على الانتحار بواسطة خيط معطفه”، مشفوعة بتقرير طبي كالعادة، أرادت وزارة الداخلية غلق الحادثة بسرعة وجعلها طيّ الكتمان، إلا أن الاحتجاجات التي أعقبت الحادثة وأحداث الشغب والتظاهرات ضدّ وزارة الداخلية، دفعت بالتحقيق القضائي إلى إعادة تشريح الجثة”.

 قرر قاضي التحقيق أخيراً إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حق رئيس المركز ثلاثة أعوان آخرين بتهمة العنف الناجم عنه الموت، لتكشف هذه الحادثة عن التعذيب الذي ما زال متواصلاً في وزارة الداخلية ومراكزها.

“جثة ابني كانت مشوهة تماماً ورأيت آثار سيجارة على جسده. إنه عنف لا يمكن أن يكون سوى بهدف القتل”.

جريمة بلا عقاب

منذ 10 سنوات والمجتمع المدني التونسي يكافح لتكريس مبادئ حقوق الإنسان والحريّات الفردية والحق في العيش الكريم في ظلّ الوضع الأمني الدقيق، غير أن شبح القبضة الأمنية ما انفك يهدد المسار الانتقالي من حين لآخر، قبضة أمنية تتجلى في عيون ضحايا عنف البوليس، وتترجمها قصص تونسيين عادوا إلى بيوتهم جثثاً تظهر عليها آثار تعذيب

فقدان، مرارة، حسرة، أسى وشعور الظلم، هذا ما تعانيه لطيفة (62 سنة) أم تختزل قصّتها سياسات الإفلات من العقاب في تونس، بعدما أعادت لها قوات الأمن ابنها في كفن منتصف شباط/ فبراير 2019.

عاد أيوب بن فرج (شاب ثلاثيني مقيم بألمانيا وأب لطفل) إلى تونس لزيارة عائلته في جهة براكة الساحل بمحافظة نابل (شمال شرقي تونس)، ولم يكن يعلم أنها ستكون الزيارة الأخيرة لتونس وسوف تكلفه حياته، إذ غدا أيوب جثة هامدة على يد رجل أمن ثبتت عليه تهمة القتل العمد والتعذيب حتى الموت.

تنقل لطيفة لـ”درج” تفاصيل مقتل فقيدها، “جريمة قتل ابني كان مخططاً لها، في صيف 2015 حدثت مشاحنة كلامية بين أيوب والأمني الذي توعده على اثرها بحرمانه من أوروبا، لم ينجح في ذلك وقتها لكنه حرمه من حياته”.  يوم الحادثة خرج أيوب مع رفاقه فلحقت سيارة أمنية إثر تلقيها خبر نشوب شجار بين الأصدقاء تبين في ما بعد أن لا صحة له.

تتابع لطيفة بأسى “لم يكن هناك شجار ولم يكن ابني في حالة هستيرية بسبب تعاطي المخدرات كما تم الترويج له، لكنه تفطن إلى أنه وقع في فخ نصبه له أحد مرافقيه الذي تربطه علاقة بالقاتل، حيث لم يتم إيقاف الأصدقاء بل ايوب وحده الذي تعرض لعنف شديد مباشرة من قبل القاتل، عنف مبرح لا مبرر له  أمام  اصدقائه ثم في السيارة إلى أن وصل إلى مركز الشرطة وهو يلفظ آخر أنفاسه اختناقا بالغاز المسيل للدموع”. 

تقول لطيفة بصوت تخنقه العبارات “جثة ابني كانت مشوهة تماماً ورأيت آثار سيجارة على جسده. إنه عنف لا يمكن أن يكون سوى بهدف القتل”.

ثبتت تهمة القتل العمد والتعذيب حتى الموت في حق الجاني غير أن المحكمة لم تصدر في حقه سوى 5 سنوات بالسجن وبعد الاستئناف خففت العقوبة إلى أربع سنوات.

تتدخل ايمان اخت الضحية لتؤكد أن الكثير من الضغوطات مورست على القضية حتى بعد إحالتها من محكمة قرمبالية إلى سوسة، مستنكرة صدور الحكم النهائي في الساعة الواحدة ليلاً وهو بحسب قولها يثير الريبة فعلاً، فضلاً عن تعرض أصدقاء الضحية أي الشهود والمحامية إلى عنف وتهديد ومحاولات لطمس الحقائق فقدان هاتف القاتل الذي قد يحتوي على مفاتيح القضية .

احتضر في السجن حتى الموت

مثل أيوب الذي قتل عمدا، واجه عبد السلام زيان المصير ذاته، غير أنه لم يمت بسبب عنف مبرح شوه جسده بل بإهمال يرتقي إلى مستوى القتل العمد، بعد حرمان الشاب الثلاثيني جرع الأنسولين طيلة فترة إيقافه فاحتضر في السجن ومات.

تم ايقاف عبد السلام وشقيقه وائل في آذار/ مارس 2021، إثر مشاحنة كلامية مع بعض من أعوان الأمن قبل أن تصدر في حقهما المحكمة الابتدائية بصفاقس بطاقتي إيداع بالسجن على خلفية عدم احترام حظر التجوال وهضم جانب موظف عمومي.

 يؤكد خال الضحية علي قصارة لـ”درج” انه حاول مراراً إرسال حقن الأنسولين إلى عبد السلام الذي يعاني منذ 13 سنة من السكري، إلا أن الأعوان رفضوا ذلك برغم تدهور حالته الصحية، إذ يقول “تضامن أعوان الأمن مع زميلهم بالتنكيل بعبد السلام وحرمانه الأنسولين”. 

ضرب وسحل

كان فادي  الذي يسكن في منطقة سيدي حسين (أحد أكبر الأحياء الشعبية في تونس)، قاصراً عندما تم سحله وضربه وايقافه بلا سبب خلال حزيران/ يونيو 2022، وهو في طريق عودته إلى المنزل من جنازة ابن حيه الذي قتل على يد الشرطة، لحسن حظ فادي تم توثيق تعنيفه في مقطع فيديو يثبت براءته بعدما اتهم بالسكر وإحداث الشغب.

يقول فيصل والد الضحية “لولا الفيديو لتعرض ابني لمظلمة كبيرة، أنا ممتن للفتاة التي صورته، فالبوليس قام بتعريته وهي سترته بتوثيق المشهد”، ويضيف “يعاني فادي بعد ذلك كله من نوبات الهلع، كلما رأى سيارة أمنية، حتى إنه انطوى على نفسه لفترة ولم يرغب بلقاء أصدقائه”. 

ويتابع: “لم يزعجه الضرب بل تجريده من ثيابه هو الذي اخجله بخاصة أنه كان في سن حساسة (16 سنة). لو كنا من أبناء الأحياء الراقية لما تعرضنا لمثل هذه الانتهاكات، نحن نتعرض للقمع لأن ظروفنا الإجتماعية الصعبة ونواجه العنف دون محاسبة”.

سياسات الإنكار

لا الثورة، ولا إجراءات تموز أنهت التعذيب والموت على يد الشرطة أو غيّرت في أداء وزارة  الداخلية التي ما زالت تتنصل من مسؤولياتها. في منتصف أيار/ مايو 2018، تعرّض شابان من العاصمة تونس إلى العنف على يد الشرطة، وثق الحادثة أحد المارة، ويظهر الفيديو تعرض الشابين إلى اللكم والسحل في الشارع والضرب بالهراوة ليتم بعدها بدقائق اقتيادهما إلى مركز الشرطة بتهمة إثارة الشغب، لتحوّلا من ضحايا إلى جناة.

بعد انتشار الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعي تم إخلاء سبيلهما، وبرغم ذلك،  لم يقع الإستماع إلى أحد في هذه القضية ولم يتم تحديد المعتدين. الشيء ذاته ينطبق على محمد المرزوقي الذي توفي مطلع آب/ أغسطس 2021، بعدما صدمته سيارة شرطة خلال مطاردة أمنية، برغم أنه ليس من أصحاب السوابق العدلية، ولم يثبت التحقيق وجود مطاردة أمنية على الرغم من وجود شهود على ذلك. 

عبد الرزاق الأشهب أيضاً أحد ضحايا عنف الشرطة، إذ خرج في احتجاج من ضد غلق مصبّ نفايات في منطقة عقارب من محافظة صفاقس، وأكّد تقرير الطب الشرعي وفاته مختنقاً بالغاز الذي ألقته قوات الأمن.، إلا أن وزارة الداخلية نفت في بلاغ نشرته حينها أي مسؤولية لها في الأمر، ونفت تعرض الشاب لإصابة أدت إلى وفاته خلال الاحتجاجات التي شهدتها عقارب. أوضحت الوزارة أن المعني بالأمر توفي إثر إصابته بتوعك صحي طارئ بمنزله القريب من مكان الاحتجاجات وتم نقله إلى المستشفى حيث فارق الحياة.

عنف الشرطة لم يعد تصرفاً فردياً

يوضح جمال مسلم، الرئيس السابق لـ”الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” لـ”درج”، أن العنف الأمني تحول من مجرد ممارسات فردية إلى سياسة مشتركة. هذه السياسة باتت جلية وتصاعدت وتيرتها في الآونة الأخيرة بخاصة منذ كانون الثاني/ يناير من العام الماضي، إذ تمت مواجهة التحركات الشبابية بالمناطق الشعبية بالعنف الشديد. 

يضيف  مسلم :”سلمنا تقريراً لرئاسة الحكومة ونسخة إلى رئاسة الجمهورية نددنا فيه بهذه التجاوزات على أمل أن يقع التصدي لها، إلا أنها قد زادت عن حدها ما يجعلنا نعتقد أنه لم تكن مجرد تجاوزات فردية وإنما هي نابعة عن إرادة سياسية لمواجهة كل تحرك شعبي”.

استنكرت أيضاً “منظمة مناهضة التعذيب” تصاعد العنف الأمني، التي يرى رئيسها منذر الشارني انه تصاعد بقرار سياسي مرتبط بتردي الأوضاع الاجتماعية والزيادة في الأسعار لذلك هي قضية سياسية بالأساس ثم أمنية.

نقابات أمنية تغيث أم تستغيث؟ 

المكلف السابق بالإعلام في وزارة الداخلية محمد البلدي وعضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي يشير إلى أن “النقابة الامنية تدين الانتهاكات الفردية فكل أمني مسؤول بمفرده عن الأخطاء التي يرتكبها لذلك لا يمكن أن نحمل وزارة الداخلية بأكملها مسؤولية التجاوزات الفردية”، مؤكداً  أن “رجل الأمن يملك الحق باستخدام العنف أحياناً حتى يتمكن من تأدية مهماته”، وهذا ما تستنكره منظمات المجتمع المدني التي “تسترزق” بحسب تعبيره “من خلال الاساءة إلى سمعة المنظومة الأمنية وخدمة مصالحها الشخصية كطلب اللجوء السياسي والتشهير بعملها”. 

يوضح الناشط الحقوقي والمحامي ياسين عزازة أن المنظومة القانونية التونسية جيدة في مجملها في ما يخص تأطير العلاقة بين الأمني والمواطن وتنظيم عمل المنظومة الأمنية، لكن الإشكال يكمن في مدى تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع، ما يتسبب في الإفلات من العقاب والتمادي في الانتهاكات الأمر الذي جعل أعوان الأمن يعتقدون انهم فوق القانون .

ويضيف عزازة قائلاً أنه منذ 2011 أصبحت وزارة الداخلية لا تتجاوب فعليا مع دوائر العدالة الانتقالية إذ ترفض الاستجابة للاستدعاءات وبطاقات الجلب الخاصة بالامنيين وهو أبرز تجلي للعصيان.  يرى ياسين عزازة  أن النقابات الامنية، أصبحت مظلة للتستر على الحقائق، مشيراً إلى إمكانيّة التخلي عنها باعتبار أنها لا تمارس العمل النقابي، يقول :”لم نرَ نقابة أمنية تحتج على وزارة الداخلية التي تمثل سلطة إشراف من المفروض أن تطالب الوزارة بتجهيزات وتكوين محترم وظروف عمل تحفظ كرامة الأمني”.

وفي حديثنا عن مدى مشروعية العنف أكد عزازة ان “الدولة تحتكر استعمال القوة وليس العنف، وهذه القوة لا بد أن تكون بموجب قانوني، ومن الثغرات القانونية التي لا يمكن التغاضي عنها في هذا السياق هو عدم تجريم العنف اللفظي على المواطن، الذي يؤدي بدوره إلى تبادل العنف المادي وتلفيق التهم كجريمة هضم جانب موظف عمومي، هذا المصطلح الذي لم يعرفه المشرع جاء مطلقاً وعاماً في مفهومه وإطاره الزماني فضلاً عن أن هذه التهمة يكفي إثباتها بأقوال الامني ما يفتح الباب لمزيد من التعسف”. 

09.05.2023
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية