ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

3 أيام في صالون التجميل :هل تتجاوز نساء غزة أحزانهن غرقاً في تفاصيل الحياة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في غزة، عليّ أن أُعوّض جوعي بتلبية جوعٍ آخر. هكذا يبدع علم النفس في إقناعنا بأن ما تقوم به رغباتنا هو استعاضة عن رغبات كثيرة مفقودة. ليبدو الجوع ليس في رغيف خبز أو مائدة، بل الجوع لفكرة الحياة كوجبة دسمة كاملة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“ما الخطأ في أن يتعلق الغريق بلوح خشب أو عود أو قشة؟ ما الجُرم في أن يصنع لنفسه قنديلاً مزججاً وملوناً، لكي يتحمل عتمة ألوانه؟”، هكذا كتبت رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة.

علّقتُ هذا الاقتباس أمام عيني منذ اللحظة التي بدأت فيها المدينة، غزة، تلتقط أنفاسها بعدما عدنا إليها. كنتُ كمن يحاول أن يطلب الصفح، كأنه هان عليه البيت فخرج وخسره. لكنه عاد الآن، يقف عند عتبات كل شوارع المدينة، يطلب الصفح. لا أعرف سرّ إلحاح نفسي عليّ بأن المدينة تلومني منذ اللحظة التي وقفت بها عند بابها. أتصرف حقاً كمن يعتذر عن شيء لا ذنب له فيه. ما الخطأ في أن أتعلق بقشة؟ حقاً، ألا يفترض بالمدينة أن تفتح لي ذراعيها، ككل الأمهات حين نركض إليهن؟

مشيتُ قرب البحر ثلاث دقائق مرة واحدة، لكنني كنت كمن فزع من صوت الموت في حلمه، فركضت نحو البيت أرمّم ما منحه لي لون البحر. كان رمادياً أكثر من المدينة، وكأنه انعكاس حقيقي لها ولحطامها.

مضيت بعدها أبحث عن شكل آخر للصفح أطلبه من المدينة. في الحقيقة، وبالرواية نفسها ثلاثية غرناطة، تقول رضوى: “تبدو المصائب كبيرة تقبض الروح، ثم يأتي ما هو أعتى وأشد، فيصغر ما بدا كبيراً، وينكمش متقلصاً في زاوية القلب والحشا”.

الآن، بدت مصيبة البحث عن صفح من المدينة أقل وطأة، بعدما عادت الحرب والتهمت ما تبقى من فرص لنجاة الروح من صراعاتها.

تحولتُ إلى امرأة تحاول أن تستعيض عن كل فرصة يظهر فيها موتها واضحاً أمامها، يلاحقها، يغرس أنيابه في رقبتها ويديها وجسدها، وحتى قدميها، وهي تركض من أول انفجار أعادها إلى أول يوم في الحرب. صرت أرى في كل فرصة محاولة لتعويض ذاتي عما فقدته، أو ما ستفقده.

مثلاً، في أول جمعة من رمضان، بدا الحصار وإغلاق المعابر كمزحة سمجة ستنتهي بعد قليل. فقلنا: “هيا نبحث عن مساحة نلوّن فيها شكل الانتظار هذا”. خرجت برفقة صديقتي نحو محل “الكوزمتكس”، وبدأنا نبحث عن مساحتنا التي سنرمم فيها أثر حرب قديمة، أو كما قلنا ونحن نضحك أمام الرجل في المحل:
“نموت ورائحتنا حلوة، وشعرنا صحي”.
ونستعد لأيام الحرب الجديدة.

يبدو أشدّ الأشياء رعباً هنا أننا جزّأنا أيام الحرب كفصول في كتاب الذاكرة. نقول: الحرب في جزئها الأول، الحرب في جزئها الثاني، المجاعة الأولى، المجاعة الثانية… وكأن كل شيء منفصل، مستقلّ بذاته. الأيام مملة إلى حدٍّ يتطلب منّا أن نفصلها كي لا تموت دفعة واحدة كما نموت نحن الآن، ونحن نشهد على كل لحظة فيها.

عادت الحرب بجزئها الثاني، أشدّ شراسة. لماذا نراها كذلك؟
لأننا جربنا كل ما هو أسوأ حين خرجنا من المدينة دفعة واحدة. الآن، علينا أن نختبر مساحة أخرى لشعورنا، نقارن خساراتنا في الجزء الأول بخسارات الجزء الثاني.

بدا الأمر وكأننا نزحنا، فجربنا الطرد، فلا نريده. وآخرون جربوا الحصار والجوع، فلا يريدون استعادة الشعور ذاته. علينا جميعاً أن نجرّب شعوراً آخر. فصرنا، بين جلسات الأصدقاء الذين جربوا النزوح، نقول عن شراسة الحرب:

“بنستحمل جوع، بس نزوح لأ!”
والنقيض يأتي ممن جرب الجوع:
“إن شاء الله ما بتعيشوا الجوع، النزوح أرحم!”

ربما أبشع المصائب يا رضوى، أننا نقارن خساراتنا في أيام موتنا المشهود على عيون كل المشاهدين. وعما قليل، سيأتي أب من عالمٍ آخر، يعرض جوعنا وخساراتنا على أبنائه كدرس في الصبر، بينما يلتهمون ساندويش بطاطا مشتهى، مع جبنة وبعض الكاتشب.

فأين أذهب برغبتي الآن، وهي تُلحّ عليّ؟
عليّ أن أُعوّض جوعي بتلبية جوعٍ آخر. هكذا يبدع علم النفس في إقناعنا بأن ما تقوم به رغباتنا هو استعاضة عن رغبات كثيرة مفقودة. ليبدو الجوع ليس في رغيف خبز أو مائدة، بل الجوع لفكرة الحياة كوجبة دسمة كاملة.

طال انتظار “المزحة” بأن الحصار والجوع مجرد ضغطٍ جيد من الاحتلال لتحصل على حصتها من الدم والقتل والموت، وتحصل من يفاوضها على حصته بالثبات فوق جثث المدينة وركامها.

من أين لي بقشة، يا رضوى، الآن؟

أديبة، واسمها كذلك لا اسماً مستعاراً، تدير صالون “كوافير” خاص بها في منطقة السرايا وسط مدينة غزة. اتصلت بي تدعوني لتجربة هذه الفسحة الصغيرة. فهي تلميذة صديقي الكوافير “رمزي”، الذي كان يهتم بي وبكثير من النساء في صالونه الخاص بتل الهوا، لأكثر من سبع سنوات.

الآن، فقد رمزي كل شيء هناك، بينما أديبة، تلميذته الممتنة، افتتحت صالونها الخاص قبل الحرب بسنة واحدة، واكتسبت منه سراً: أن المحل هو فسحة النساء، ليقلن، يحكين، يعبرن، ويستلمن مساحة راحتهم الخاصة بعد هروب طويل من هذه الحياة.

جهّزت أديبة قشتها الخاصة، بعدما عادت إلى المدينة في شباط/ فبراير 2025، كما قالت:
“فش حيطة ما فيها فتحة قذيفة. فش مساحة بيضا، ما فيها إلا نقطة سودا”.
هزمني اليأس لثلاث دقائق فقط، حتى وجدت قشتي في عمّو “أبو نضال” السوري، الذي لجأ إلى غزة عام 2011. قصته تلخّص فكرة أن الهارب من الموت لن يفكر بأفضل الخيارات، ولا برفاهيتها.

مثلما فعل كثيرون، جاء إلى غزة بدعوة من زوج شقيقة زوجته الغزّي، بعدما قيل له في أول اتصال: “ماذا تنتظر؟ بيتنا مفتوح لك”. وظلّ في المدينة بعدما قطعت الحرب طريقه إلى الخروج. صار يحرس بوابة محل “أديبة”، فكان قشة حقيقية لها. أعادت ترتيب محلها الذي صار قنديلها، تضيء به عتمة ألوانها، وتستعيد فيه مساحة صغيرة للنجاة.

أحاول الآن أن أُعوّض جوعي بتلبية جوعٍ آخر. كل ملل يصيب النساء، تلونه المرأة بقصّ شعرها، أو صبغه، أو معالجته. ونحن النساء، رغم اختلاف علّاتنا، نمتلك “الميكانيزم الدفاعي” نفسه: نعيد تلوين رغبات أجسادنا كتغيير خارجي، يعيد توازن دواخلنا.

أدخل منذ ثلاثة أيام أبحث عن النساء اللواتي يشبهنني، ويبحثن مثلي عن فسحتهن الخاصة. أُخمد خجلي حين أقول: أريد قص شعري، تلوينه، أو كما قلت لأبي حين عدت في أول يوم:
“أريد أن أكمل الحرب بجزئها الثاني بشعر أشقر!”

ضحكنا، فكأننا خنّا الحرب بضحكة وشعرٍ ملون.
لثلاثة أيام رتّبتهن عمداً، وفق حاجتي: صبغ شعري، قصه، جلسات العناية باليدين والقدمين. وأشعر أنني أخون كل اللحظات التي يُفترض أن أحزن فيها الآن.

حتى التقيت بـ”إسلام” هناك، على الكرسي، تعيد الحيوية لشعرها من خلال جلسات “البروتين والفرد”. موضة نلاحقها جميعنا، نريد شعراً ناعماً مفروداً على الكتفين.

تبكي إسلام ابنها، ابن السبعة عشر عاماً، الذي قتلته طائرة “كواد كابتر” بعد قنصه مباشرة أثناء النزوح في رفح جنوب القطاع. تحكي عن فقدها في أحد أشدّ المشاهد عبثاً. بين يدي أديبة شعرها، ودموعها بين يديها. تبرر خجلها من فعلها هذا بقولها:
“مللت شكلي الحزين وشعري التالف. يمكن شوي يخفف عني إحساسي إني صرت أجمل… ومع ذلك، الضنا ما بنتسى. حرق لروحك!”.

منذ بداية الحرب، وأنا واقعة في شرك مقارنة الخسارات، التي تجعلني دائماً أرى في خساراتي مجرد خسارة صغيرة أمام ما تعيشه النساء الأخريات.

في اليوم الثالث، وسبقه اليوم الثاني والأول، صادفت في كل يوم أربع إلى خمس نساء، كلهن خاسرات مثلي، جئن إلى هذه الفسحة ليرتبن مساحة القشة في أيامهن، ويتحملن عتمة الألوان التي باتت كلها رماداً.

الصالون، المغطى ببابه بشادر بلاستيكي، يحجب رؤية العمارة المقابلة، المدمّرة، التي لم ينجُ من سكانها أحد.

نجلس الآن، ست نساء، نلوّن أحزاننا بصبغ الشعر وقصّه. نعيد تلوين أظافرنا. امرأة تعالج أثر السواد بين أصابعها، بعدما شحّ غاز الطهي، وصارت النار بديلاً، تقف أمامها المرأة منحنية، تنفخ في سخامها لتشتعل.

الحقيقة، بعد ثلاثة أيام، أننا نساء خارج حدود المقاييس. يدور السؤال في أفواهنا بينما نشرب القهوة ونغيظ الحرب في صالون أديبة:هل نتجاوز أحزاننا، بالغرق في تفاصيل حياةٍ سابقة؟

16.05.2025
زمن القراءة: 5 minutes

في غزة، عليّ أن أُعوّض جوعي بتلبية جوعٍ آخر. هكذا يبدع علم النفس في إقناعنا بأن ما تقوم به رغباتنا هو استعاضة عن رغبات كثيرة مفقودة. ليبدو الجوع ليس في رغيف خبز أو مائدة، بل الجوع لفكرة الحياة كوجبة دسمة كاملة.


“ما الخطأ في أن يتعلق الغريق بلوح خشب أو عود أو قشة؟ ما الجُرم في أن يصنع لنفسه قنديلاً مزججاً وملوناً، لكي يتحمل عتمة ألوانه؟”، هكذا كتبت رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة.

علّقتُ هذا الاقتباس أمام عيني منذ اللحظة التي بدأت فيها المدينة، غزة، تلتقط أنفاسها بعدما عدنا إليها. كنتُ كمن يحاول أن يطلب الصفح، كأنه هان عليه البيت فخرج وخسره. لكنه عاد الآن، يقف عند عتبات كل شوارع المدينة، يطلب الصفح. لا أعرف سرّ إلحاح نفسي عليّ بأن المدينة تلومني منذ اللحظة التي وقفت بها عند بابها. أتصرف حقاً كمن يعتذر عن شيء لا ذنب له فيه. ما الخطأ في أن أتعلق بقشة؟ حقاً، ألا يفترض بالمدينة أن تفتح لي ذراعيها، ككل الأمهات حين نركض إليهن؟

مشيتُ قرب البحر ثلاث دقائق مرة واحدة، لكنني كنت كمن فزع من صوت الموت في حلمه، فركضت نحو البيت أرمّم ما منحه لي لون البحر. كان رمادياً أكثر من المدينة، وكأنه انعكاس حقيقي لها ولحطامها.

مضيت بعدها أبحث عن شكل آخر للصفح أطلبه من المدينة. في الحقيقة، وبالرواية نفسها ثلاثية غرناطة، تقول رضوى: “تبدو المصائب كبيرة تقبض الروح، ثم يأتي ما هو أعتى وأشد، فيصغر ما بدا كبيراً، وينكمش متقلصاً في زاوية القلب والحشا”.

الآن، بدت مصيبة البحث عن صفح من المدينة أقل وطأة، بعدما عادت الحرب والتهمت ما تبقى من فرص لنجاة الروح من صراعاتها.

تحولتُ إلى امرأة تحاول أن تستعيض عن كل فرصة يظهر فيها موتها واضحاً أمامها، يلاحقها، يغرس أنيابه في رقبتها ويديها وجسدها، وحتى قدميها، وهي تركض من أول انفجار أعادها إلى أول يوم في الحرب. صرت أرى في كل فرصة محاولة لتعويض ذاتي عما فقدته، أو ما ستفقده.

مثلاً، في أول جمعة من رمضان، بدا الحصار وإغلاق المعابر كمزحة سمجة ستنتهي بعد قليل. فقلنا: “هيا نبحث عن مساحة نلوّن فيها شكل الانتظار هذا”. خرجت برفقة صديقتي نحو محل “الكوزمتكس”، وبدأنا نبحث عن مساحتنا التي سنرمم فيها أثر حرب قديمة، أو كما قلنا ونحن نضحك أمام الرجل في المحل:
“نموت ورائحتنا حلوة، وشعرنا صحي”.
ونستعد لأيام الحرب الجديدة.

يبدو أشدّ الأشياء رعباً هنا أننا جزّأنا أيام الحرب كفصول في كتاب الذاكرة. نقول: الحرب في جزئها الأول، الحرب في جزئها الثاني، المجاعة الأولى، المجاعة الثانية… وكأن كل شيء منفصل، مستقلّ بذاته. الأيام مملة إلى حدٍّ يتطلب منّا أن نفصلها كي لا تموت دفعة واحدة كما نموت نحن الآن، ونحن نشهد على كل لحظة فيها.

عادت الحرب بجزئها الثاني، أشدّ شراسة. لماذا نراها كذلك؟
لأننا جربنا كل ما هو أسوأ حين خرجنا من المدينة دفعة واحدة. الآن، علينا أن نختبر مساحة أخرى لشعورنا، نقارن خساراتنا في الجزء الأول بخسارات الجزء الثاني.

بدا الأمر وكأننا نزحنا، فجربنا الطرد، فلا نريده. وآخرون جربوا الحصار والجوع، فلا يريدون استعادة الشعور ذاته. علينا جميعاً أن نجرّب شعوراً آخر. فصرنا، بين جلسات الأصدقاء الذين جربوا النزوح، نقول عن شراسة الحرب:

“بنستحمل جوع، بس نزوح لأ!”
والنقيض يأتي ممن جرب الجوع:
“إن شاء الله ما بتعيشوا الجوع، النزوح أرحم!”

ربما أبشع المصائب يا رضوى، أننا نقارن خساراتنا في أيام موتنا المشهود على عيون كل المشاهدين. وعما قليل، سيأتي أب من عالمٍ آخر، يعرض جوعنا وخساراتنا على أبنائه كدرس في الصبر، بينما يلتهمون ساندويش بطاطا مشتهى، مع جبنة وبعض الكاتشب.

فأين أذهب برغبتي الآن، وهي تُلحّ عليّ؟
عليّ أن أُعوّض جوعي بتلبية جوعٍ آخر. هكذا يبدع علم النفس في إقناعنا بأن ما تقوم به رغباتنا هو استعاضة عن رغبات كثيرة مفقودة. ليبدو الجوع ليس في رغيف خبز أو مائدة، بل الجوع لفكرة الحياة كوجبة دسمة كاملة.

طال انتظار “المزحة” بأن الحصار والجوع مجرد ضغطٍ جيد من الاحتلال لتحصل على حصتها من الدم والقتل والموت، وتحصل من يفاوضها على حصته بالثبات فوق جثث المدينة وركامها.

من أين لي بقشة، يا رضوى، الآن؟

أديبة، واسمها كذلك لا اسماً مستعاراً، تدير صالون “كوافير” خاص بها في منطقة السرايا وسط مدينة غزة. اتصلت بي تدعوني لتجربة هذه الفسحة الصغيرة. فهي تلميذة صديقي الكوافير “رمزي”، الذي كان يهتم بي وبكثير من النساء في صالونه الخاص بتل الهوا، لأكثر من سبع سنوات.

الآن، فقد رمزي كل شيء هناك، بينما أديبة، تلميذته الممتنة، افتتحت صالونها الخاص قبل الحرب بسنة واحدة، واكتسبت منه سراً: أن المحل هو فسحة النساء، ليقلن، يحكين، يعبرن، ويستلمن مساحة راحتهم الخاصة بعد هروب طويل من هذه الحياة.

جهّزت أديبة قشتها الخاصة، بعدما عادت إلى المدينة في شباط/ فبراير 2025، كما قالت:
“فش حيطة ما فيها فتحة قذيفة. فش مساحة بيضا، ما فيها إلا نقطة سودا”.
هزمني اليأس لثلاث دقائق فقط، حتى وجدت قشتي في عمّو “أبو نضال” السوري، الذي لجأ إلى غزة عام 2011. قصته تلخّص فكرة أن الهارب من الموت لن يفكر بأفضل الخيارات، ولا برفاهيتها.

مثلما فعل كثيرون، جاء إلى غزة بدعوة من زوج شقيقة زوجته الغزّي، بعدما قيل له في أول اتصال: “ماذا تنتظر؟ بيتنا مفتوح لك”. وظلّ في المدينة بعدما قطعت الحرب طريقه إلى الخروج. صار يحرس بوابة محل “أديبة”، فكان قشة حقيقية لها. أعادت ترتيب محلها الذي صار قنديلها، تضيء به عتمة ألوانها، وتستعيد فيه مساحة صغيرة للنجاة.

أحاول الآن أن أُعوّض جوعي بتلبية جوعٍ آخر. كل ملل يصيب النساء، تلونه المرأة بقصّ شعرها، أو صبغه، أو معالجته. ونحن النساء، رغم اختلاف علّاتنا، نمتلك “الميكانيزم الدفاعي” نفسه: نعيد تلوين رغبات أجسادنا كتغيير خارجي، يعيد توازن دواخلنا.

أدخل منذ ثلاثة أيام أبحث عن النساء اللواتي يشبهنني، ويبحثن مثلي عن فسحتهن الخاصة. أُخمد خجلي حين أقول: أريد قص شعري، تلوينه، أو كما قلت لأبي حين عدت في أول يوم:
“أريد أن أكمل الحرب بجزئها الثاني بشعر أشقر!”

ضحكنا، فكأننا خنّا الحرب بضحكة وشعرٍ ملون.
لثلاثة أيام رتّبتهن عمداً، وفق حاجتي: صبغ شعري، قصه، جلسات العناية باليدين والقدمين. وأشعر أنني أخون كل اللحظات التي يُفترض أن أحزن فيها الآن.

حتى التقيت بـ”إسلام” هناك، على الكرسي، تعيد الحيوية لشعرها من خلال جلسات “البروتين والفرد”. موضة نلاحقها جميعنا، نريد شعراً ناعماً مفروداً على الكتفين.

تبكي إسلام ابنها، ابن السبعة عشر عاماً، الذي قتلته طائرة “كواد كابتر” بعد قنصه مباشرة أثناء النزوح في رفح جنوب القطاع. تحكي عن فقدها في أحد أشدّ المشاهد عبثاً. بين يدي أديبة شعرها، ودموعها بين يديها. تبرر خجلها من فعلها هذا بقولها:
“مللت شكلي الحزين وشعري التالف. يمكن شوي يخفف عني إحساسي إني صرت أجمل… ومع ذلك، الضنا ما بنتسى. حرق لروحك!”.

منذ بداية الحرب، وأنا واقعة في شرك مقارنة الخسارات، التي تجعلني دائماً أرى في خساراتي مجرد خسارة صغيرة أمام ما تعيشه النساء الأخريات.

في اليوم الثالث، وسبقه اليوم الثاني والأول، صادفت في كل يوم أربع إلى خمس نساء، كلهن خاسرات مثلي، جئن إلى هذه الفسحة ليرتبن مساحة القشة في أيامهن، ويتحملن عتمة الألوان التي باتت كلها رماداً.

الصالون، المغطى ببابه بشادر بلاستيكي، يحجب رؤية العمارة المقابلة، المدمّرة، التي لم ينجُ من سكانها أحد.

نجلس الآن، ست نساء، نلوّن أحزاننا بصبغ الشعر وقصّه. نعيد تلوين أظافرنا. امرأة تعالج أثر السواد بين أصابعها، بعدما شحّ غاز الطهي، وصارت النار بديلاً، تقف أمامها المرأة منحنية، تنفخ في سخامها لتشتعل.

الحقيقة، بعد ثلاثة أيام، أننا نساء خارج حدود المقاييس. يدور السؤال في أفواهنا بينما نشرب القهوة ونغيظ الحرب في صالون أديبة:هل نتجاوز أحزاننا، بالغرق في تفاصيل حياةٍ سابقة؟