منذ اندلاع المواجهات المسلّحة بين الجيش السوداني و”قوّات الدعم السريع” في 15 نيسان/ أبريل 2023، يشهد السودان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية وأخطرها في العالم المعاصر، وتُعدّ الحرب السودانية الراهنة نموذجاً معقّداً لتداخل مستويات الصراع المحلّي والإقليمي والدولي، حيث تتقاطع العوامل الإثنية التاريخية مع صراعات الحدود والمصالح الإقليمية، إضافة إلى تنافس القوى الكبرى على الموارد والثروات الطبيعية، خصوصاً أن السودان غنيّ بالذهب، والأراضي الزراعية والنفط، وقد أدّت الحرب إلى مقتل أكثر من مئتي ألف شخص وتشريد نحو أربعة عشر مليوناً، فيما يحتاج ما يقارب ثلاثة وثلاثين مليون مواطن إلى مساعدات إنسانية عاجلة نتيجة انهيار النظام الصحّي، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي (بحسب تقرير المفوّض السامي لحقوق الإنسان في شباط/ فبراير 2026).
خلال الشهرين الماضيين، شهد الوضع الميداني والعسكري تطوّرات مهمّة تمثّلت في تحسّن ملحوظ في الوضع الأمني في العاصمة الخرطوم، بعد أن استعاد الجيش السوداني السيطرة على أجزاء واسعة منها خلال العام الماضي، ممّا شجع حركة العودة الطوعية، وقد شهدت جبهة ولاية جنوب كردفان معارك عنيفة مؤخّراً، حيث نفّذت القوّات المسلّحة الشرعية عمليّات عسكرية واسعة (وُصفت بمعارك “الذراع الطويل”) استهدفت مناطق الدبيبات، الحمادي، وفارس، ممّا أدّى إلى تراجع “قوّات الدعم السريع” نحو العمق الغربي لولاية غرب كردفان.
وفي حينلا تزال مدينة الفاشر تعاني من آثار القصف المدفعي والمجازر التي وثّقتها الأقمار الصناعية، نجح الجيش في فكّ الحصار عن مدينة الدلنج قبل نحو ثلاثة أشهر، على الرغم من استمرار التهديدات بالطائرات المسيّرة.
في مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الـ62 (من 13 إلى 15 شباط/ فبراير 2026)، أطلق رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس مبادرة سلام شاملة، دعت إلى استسلام كامل لـ”قوّات الدعم السريع”، مع تسليمها كافّة الأراضي التي تسيطر عليها، وإدخال مقاتليها إلى مخيّمات مغلقة بهدف التحقّق من هويّاتهم، هذا في حين كان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتّاح البرهان يؤكّد أن أيّ عبور نحو حلّ سياسي دائم مرهون بتسليم “قوّات الدعم السريع” سلاحها بالكامل، من دون أيّ شروط مسبقة.
وفي خطوة لافتة أصدر البرهان في 2 نيسان/ أبريل 2026، قرارات بتشكيل هيئة أركان جديدة للجيش السوداني وإجراء ترقيات وإحالات للتقاعد، وهو ما فُسّر سياسياً بأنه ترتيب للبيت الداخلي استعداداً لسيناريوهات ما بعد الحرب، سواء كانت عبر الحسم العسكري أو التفاوض من موقف قوّة.
غير أن “قوّات الدعم السريع” شنّت بين الأوّل والخامس من أيّار/ مايو 2026، سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت بنى تحتية استراتيجية في الخرطوم وأم درمان والأبيض وربك وكوستي، وقد أصابت بعض الضربات مطار الخرطوم الدولي الذي أُعيد افتتاحه مؤخّراً، ما أدّى إلى تعطيل الحركة الجوّية وإلحاق أضرار بأنظمة الرادار والدفاع الجوّي، كما استهدفت الضربات مستودعات وقود ومحطّات كهرباء ومنشآت مدنية، في استمرار لاستراتيجية اتّبعتها “قوّات الدعم السريع” منذ العام 2025، حين استهدفت منشآت حيوية في بورتسودان والخرطوم والنيل الأبيض.
وتحمل هذه الهجمات أبعاداً سياسية وعسكرية تتجاوز أثرها الميداني المباشر، إذ تهدف إلى تقويض جهود الحكومة السودانية لإظهار قدرتها على استعادة الحكم، وإعادة بناء مؤسّسات الدولة في المراكز السكّانية الكبرى، كما تسعى “قوّات الدعم السريع” إلى إظهار قدرتها على نقل الحرب إلى عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، ومنع إعلان أيّ انتصار نهائي.
جذور الحرب
لا يمكن فهم الحرب الحالية بين الجيش و”قوّات الدعم السريع” من دون العودة إلى جذور أعمق من حقبة عمر البشير. فمنذ استقلال السودان في عام 1956، ظلّ الجيش لاعباً مهيمناً على السياسة، فيما تفاقمت النزاعات في الجنوب، ثم في دارفور وكردفان، ما كشف هشاشة الدولة المركزية، وأنتج ميليشيات محلّية مثل “الجنجويد” التي تطوّرت لاحقاً إلى “قوّات الدعم السريع“.
وقد أدّت المظالم التاريخية والتهميش السياسي والاقتصادي للمناطق الطرفية إلى خلق شعور بالظلم والحرمان، ما شكّل بيئة خصبة لتصاعد العنف، خصوصاً منذ أحداث دارفور 2003، التي شكّلت نقطة تحوّل، وقد اندلعت حرب أهلية واسعة النطاق بين الحكومة السودانية والمتمرّدين، استخدمت فيها ميليشيات “الجنجويد” أساليب عنف ممنهج ضدّ المدنيين، بما فيها حرق القرى، وتدمير المحاصيل، وقتل المدنيين بهدف إفراغ المناطق من سكّانها الأصليين، ناهيك بالتطهير العرقي والعنف الجنسي والتدمير والإبادة الجماعية. كل هذا الإرث من العنف والتمييز البنيوي مهّد الطريق لانفجار الصراع بعد سقوط البشير، حيث لم تُعالج جذور الأزمة بل أُعيد إنتاجها بأشكال جديدة.
الخلفية السياسية
تعود جذور الحرب الحالية إلى الانتقال السياسي الفاشل الذي أعقب سقوط الرئيس عمر البشير في عام 2019 بعد ثلاثين عاماً من الحكم الاستبدادي. فحين أطاحت القوّات المسلّحة بالرئيس البشير إثر احتجاجات شعبية واسعة ضدّ تدهور الأوضاع المعيشية، شكّلت مجلساً عسكرياً انتقالياً ضمّ مدنيين، تحوّل لاحقاً إلى ما سُمّي “مجلس السيادة”، لكن سرعان ما اندلع الصراع داخل مجلس السيادة بين العسكر والمدنيين، وخرج ملايين السودانيين مطالبين بدولة قانون وديمقراطية تقودها سلطة مدنية.
وفي 3 حزيران/ يونيو 2019، قتلت “قوّات الدعم السريع” أكثر من مئة متظاهر سلمي في الخرطوم، في مجزرة أنهت آمال الثورة السودانية الديمقراطية والشعبية، وتصاعد الصراع داخل مجلس السيادة بين قوى التغيير المدنية والعسكر، وفي داخل قوى التغيير نفسها، كما في داخل سلطة العسكر أيضاً، وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021، نفّذ الفريق عبد الفتّاح البرهان قائد الجيش، والفريق محمّد حمدان دقلو “حميدتي” قائد “قوّات الدعم السريع” انقلاباً أطاح بالمدنيين نهائياً.
لكن بعد فترة من الحكم العسكري المشترك، تصاعدت الخلافات بين الرجلين والقوّتين بكل ما تمثّلان وتحملان من موروثات وتاريخ، وتمحور الصراع خصوصاً حول مسألة دمج “قوّات الدعم السريع” في الجيش، ولكن الأساس كان موضوع السيطرة على الموارد الاقتصادية الاستراتيجية، وعلى رأسها ذهب دارفور.
وهكذا، وبعد فترة شهر عسل بين الجيش و”قوّات الدعم السريع” اندلعت المواجهات في الخرطوم في 15 نيسان/ أبريل 2023، لتتحوّل إلى صراع بين مركزين عسكريين يتنافسان على الهيمنة السياسية والاقتصادية على الدولة السودانية وعلى موارد البلاد، وقد اتّخذ النزاع طابعاً شاملاً، امتدّ إلى دارفور وكردفان، واستخدم الطرفان أسلحة ثقيلة وقصفاً جوّياً وطائرات مسيّرة.
البعد الإقليمي والدولي
تجاوز الصراع حدوده الوطنية ليصبح جزءاً من تنافس إقليمي أوسع. فقد تشكّل محوران: الأوّل “قوّات الدعم السريع” المدعومة من الإمارات العربية المتّحدة وشركائها الإقليميين والدوليين، أبرزهم إثيوبيا، والثاني الجيش السوداني المدعوم من السعودية ومصر وتركيا وقطر، وقد كشفت تقارير عن وصول أسلحة غربية، بينها معدّات فرنسية، إلى “قوّات الدعم السريع” عبر الإمارات، إضافة إلى تهريب الذهب السوداني إلى الأسواق الدولية لتمويل الحرب، ما يعمّق الانقسام ويطيل أمد الحرب.
والحرب في السودان تؤثّر مباشرة على دول الجوار: تشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا، حيث تتداخل قضايا اللاجئين والحدود مع مصالح هذه الدول، كما أن موقع السودان الاستراتيجي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يجعله محوراً في التنافس الإقليمي، خصوصاً مع محاولات بعض الدول تعزيز نفوذها على الموانئ والممرّات البحرية، وقد تشكّلت شبكة معقّدة من التحالفات والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد النزاع وتعقيد فرص التسوية.
يحظى الجيش السوداني بدعم سياسي وعسكري متفاوت من مصر والسعودية وتركيا وقطر، بينما تتّهم الخرطوم الإمارات العربية المتّحدة بأنها الداعم الخارجي الأبرز لـ”قوّات الدعم السريع”، من خلال تزويدها بالطائرات المسيّرة والمعدّات العسكرية التي استخدمت في الهجمات الأخيرة على الخرطوم ومدن أخرى، وهو ما تنفيه أبوظبي رسمياً. كما أشارت تقارير إلى ازدياد الرحلات الجوّية المرتبطة بالإمارات والمحمّلة بشحنات أسلحة مشتبه بها عبر الأراضي الإثيوبية منذ أواخر العام 2025.
وقد اتّهم السودان إثيوبيا باستضافة قواعد تشغيل للطائرات المسيّرة التابعة لـ”قوات الدعم السريع”، خصوصاً في منطقة بحر دار وإقليم بني شنقول- قمز، كما أظهرت صور أقمار صناعية نشرتها وكالة “رويترز” بناء منشآت مرتبطة بالطائرات المسيّرة في مطار أسوسا.
ردّ السودان على هذه التهم باستدعاء سفيره من أديس أبابا، فيما لوّح رئيس مجلس السيادة عبد الفتّاح البرهان بإمكانية اتّخاذ “الخطوات اللازمة” إذا ثبت تورّط إثيوبيا في الهجمات. ويعكس هذا التصعيد تزايد خطر تحوّل الحرب السودانية إلى ساحة مواجهة إقليمية بالوكالة، خصوصاً في ظلّ التوتّرات القائمة أصلاً بين السودان وإثيوبيا حول الحدود وسدّ النهضة، إضافة إلى الروابط المتنامية بين “قوّات الدعم السريع” وبعض الدوائر الإثيوبية.
في المقابل، يحتفظ الجيش السوداني بعلاقات تاريخية مع “جبهة تحرير شعب تيغراي“، التي خاضت حرباً طويلة مع الحكومة الإثيوبية، الأمر الذي يزيد تعقيد المشهد الإقليمي.
تُظهر الأزمة السودانية تداخل المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لدول الخليج، خصوصاً في منطقة البحر الأحمر، كما تبرز في هذا المجال العلاقة الاستراتيجية بين فرنسا والإمارات، التي تعيق أيّ موقف نقدي فرنسي تجاه دور الإمارات في تسليح “قوّات الدعم السريع”، على الرغم من أن إنهاء الحرب يتطلّب فرض حظر شامل على السلاح وإعادة السلطة إلى المدنيين.
وتتنافس القوى الكبرى (الولايات المتّحدة، روسيا والصين) على النفوذ في السودان، كل وفق استراتيجياته؛ بين السيطرة على الموارد، النفوذ العسكري، أو النفاذ إلى البحر الأحمر، ومنذ اندلاع الصراع في نيسان/ أبريل 2023، كثّفت هذه القوى من جهودها الدبلوماسية والاستخباراتية، وفي حين تتخوّف واشنطن من أن يؤدّي انهيار الدولة إلى توسّع نفوذ موسكو العسكري، تحاول بكين وواشنطن على حدّ سواء، حماية رعاياهما ومصالحهما الاقتصادية وضمان عدم انزلاق المنطقة إلى فوضى تؤثّر على طرق الملاحة الحيوية.
والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، ليس فقط عسكرياً، بل يشمل الدعم السياسي والاقتصادي، ممّا يساهم في استدامة الحرب على الرغم من الخسائر البشرية الهائلة.
الانتهاكات والأزمة الإنسانية
وثّقت الأمم المتّحدة ومنظّمات حقوقية جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية ارتكبها الطرفان، أبرزها المجازر ذات الطابع العرقي في دارفور، والعنف الممنهج ضدّ المدنيين (مثل الفور، المساليت، الزرقة، الفاشر)، وقد خلص تقرير أممي في شباط/ فبراير 2026 إلى أن هذه الانتهاكات تحمل سمات الإبادة الجماعية، خصوصاً في مدينة الفاشر بعد حصار طويل انتهى بمجازر وتهجير قسري، كما أن دولاً عربية ومنظّمات إنسانية عالمية، دانت الانتهاكات في الفاشر بعد سيطرة “قوّات الدعم السريع” في عام 2025.
إقرأوا أيضاً:
تفاقمت الأزمة الإنسانية والنزوح على الرغم من إعلان الأمم المتّحدة عودة نحو 4 ملايين نازح إلى ديارهم، خصوصاً في الخرطوم وولاية الجزيرة بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 وآذار/ مارس 2026، على الرغم من التحدّيات القاسية ونقص الخدمات الأساسية، فيما تشير أرقام الأمم المتّحدة إلى أن عدد النازحين واللاجئين في السودان بلغ أكثر من 13 مليون شخص، بينهم نحو 9 ملايين نازح داخلياً، ممّا يجعلها أكبر أزمة نزوح في العالم، كما أن 70% من السودانيين يعيشون تحت خطّ الفقر.
وقد سجّل الجنيه السوداني انهياراً تاريخياً، حيث وصل سعر الدولار في السوق الموازي إلى قرابة 4,200 جنيهاً في نيسان/ أبريل 2026 (مقارنة بـ 570 جنيهاً قبل الحرب). وتوقّفت بشكل شبه كامل منظومة النفط، وخرج نحو 70% من إنتاج الذهب عن سيطرة الدولة، مع معاناة القطاع الزراعي من انعدام التمويل.
المسارات السياسية والدبلوماسية
على الرغم من حالة الجمود التي تسيطر على مفاوضات السلام الرسمية بسبب الشروط المتبادلة، استمرّت المساعي السياسية والدبلوماسية لوضع حدّ لهذه الحرب وإنقاذ المدنيين من الموت والدمار، ولا يزال “إعلان جدّة” يمثّل المرجعية الأساسية للحكومة السودانية، التي تشترط تنفيذ بنوده (خصوصاً خروج قوّات الدعم السريع من الأعيان المدنية) قبل الانخراط في أيّ عمليّة سياسية شاملة.
وقد برزت سلطنة عُمان في الفترة الأخيرة (نيسان/ أبريل 2026) كفاعل دبلوماسي هادئ، وهذا ما جعل زيارة الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان مسقط مؤخّراً، تثير تكهّنات واسعة حول وساطة عُمانية محتملة لتقريب وجهات النظر بين الجيش و”قوّات الدعم السريع”، مستفيدة من سياسة مسقط التي تقف على مسافة واحدة من الجميع.
على مقلب آخر، تصف المنظّمات الدولية الوضع في السودان بأنه “الحرب المنسيّة”، التي تتجاوز ضحاياها صراعات أخرى تحظى باهتمام إعلامي أكبر، ويبدو المجتمع الدولي عاجزاً عن تقديم أيّ أطر سياسية ودبلوماسية للحلّ، فيما تركّز بعض الدول على الجانب الإنساني، ومؤخّاً استضافت ألمانيا مؤتمراً دولياً حول السودان ركّز على الجوانب الإنسانية والتمويل، إلا أنه واجه انتقادات من الحكومة السودانية بسبب ما وصفته “بعدم التشاور المسبق”، ممّا يعكس فجوة الثقة بين الخرطوم وبعض القوى الغربية.
هذا في حين تستمرّ واشنطن في ممارسة ضغوطها عبر “المجموعة الرباعية”، لمحاولة دمج المسارات المختلفة في منصّة تفاوضية واحدة (مثل جنيف أو استئناف جدّة بآليّات جديدة).
“والمجموعة الرباعية” (The Quad) المعنيّة بالسودان، هي تحالف دبلوماسي غير رسمي يضمّ أربع دول رئيسية لعبت الدور الأبرز في محاولة قيادة الوساطة السياسية في السودان، خصوصاً بعد العام 2021 وحتى اندلاع صراع نيسان/ أبريل 2023،ّ وما تبعه. تأسست هذه المجموعة لتوحيد الرؤى الدولية والإقليمية تجاه السودان، وهي تتكوّن من قوّتين دوليتين: الولايات المتّحدة الأمريكية والمملكة المتّحدة (بريطانيا)، وقوّتين إقليميتين لهما تأثير مباشر ومصالح حيوية في السودان: المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتّحدة.
وقد وضعت المجموعة هدفاً لها في تسهيل الانتقال الديمقراطي، واستخدام الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية للضغط على الأطراف السودانية للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وكانت المحرّك الرئيسي خلف “الاتّفاق الإطاري” الذي تمّ توقيعه في كانون الأوّل/ ديسمبر 2022، وكانت تعمل بتنسيق وثيق مع “الآليّة الثلاثية” (الأمم المتّحدة، الاتّحاد الأفريقي، ومنظّمة إيغاد).
مع تطوّر الصراع، شهد دور الرباعية بعض التحوّلات، إذ تحوّل الثقل من الرباعية ككتلة واحدة إلى “منبر جدّة” الذي تقوده السعودية والولايات المتّحدة بشكل مباشر، مع محاولات لإشراك الإمارات ومصر في مراحل لاحقة (ما عُرف لاحقاً بمجموعة ALPS في جنيف 2024 وتضمّ الولايات المتّحدة، السعودية، الإمارات، مصر، سويسرا، الاتّحاد الإفريقي، والأمم المتّحدة).
وقد واجهت المجموعة، أو بعض أطرافها، انتقادات من الأطراف السودانية المتصارعة؛ حيث اتّهمت الحكومة السودانية بعض أطراف الرباعية بعدم الحياد، ممّا أضعف تأثير المجموعة ككتلة موحّدة في مراحل معيّنة من الصراع، وعلى الرغم من ذلك لا تزال هذه الدول الأربعة هي “الدينامو” المحرّك لأيّ جهد دبلوماسي كبير، حيث يتمّ تنسيق العقوبات الاقتصادية الدولية ومؤتمرات المانحين (مثل مؤتمر برلين الأخير) من خلال قنوات التواصل بين أعضاء هذه المجموعة.
وعلى المستوى الإفريقي، قرّر مجلس السلم والأمن الإفريقي في شباط/ فبراير 2026، الإبقاء على تجميد عضوية السودان في الاتّحاد الإفريقي، مطالباً بضرورة العودة إلى مسار التحوّل الديمقراطي بقيادة مدنية. ثمّة محاولات من دول الجوار (مصر وجنوب السودان) لخلق توافق بين القوى المدنية السودانية (كتلة “تقدّم” والكتل الأخرى) لضمان وجود رؤية مدنية موحّدة في حال التوصّل لاتّفاق وقف إطلاق نار.
بإيجاز، الدبلوماسية السودانية الآن في مرحلة “جسّ النبض” عبر وسطاء جدد، بانتظار حدوث اختراق حقيقي في جبهات القتال الرئيسية، التي ستحدّد لاحقاً شكل التنازلات على طاولة المفاوضات.
وهذا يطرح سؤالاً مركزياً حول مدى استعداد الأطراف كافّة، لمسار الانتقال السياسي السلمي والديمقراطي وتحقيق العدالة الانتقالية.
العدالة الانتقالية والمسار السياسي
تشكّل العدالة عنصراً جوهرياً لأيّ تسوية مستدامة، إذ إن غياب المحاسبة على الجرائم الدولية يهدّد بإعادة إنتاج دوامة العنف، كما أن أيّ حلّ سياسي طويل الأمد، يستلزم إقصاء القيادات العسكرية من العمليّة السياسية وإعادة بناء مؤسّسات شرعية مدنية. من هنا فإن استمرار الانتهاكات والأعمال الحربية يجعل من الصعب تحقيق مصالحة وطنية أو إعادة بناء الدولة.
تشير تقارير الأمم المتّحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى أن الإفلات من العقاب في السودان، خصوصاً في دارفور، أسهم في إعادة إنتاج العنف عبر الأجيال، والعدالة الانتقالية، تُعدّ شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار، ويمكن هنا إعطاء أمثلة في التجارب المقارنة من رواندا ويوغوسلافيا، وما قدّمتاه من نماذج مهمّة لكيفية منع الإفلات من العقاب والسعي إلى كسر دوامة العنف عبر آليّات عدالة انتقالية ودولية.
ففي رواندا أنشأ مجلس الأمن في عام 1994 المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR) لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية، وقد حاكمت أكثر من 90 شخصيّة بارزة، بينهم وزراء ومسؤولون عسكريون، وأسّست سوابق قانونية في اعتبار الاغتصاب جريمة إبادة جماعية، كما اعتمدت رواندا على محاكم محلّية مجتمعية (محاكم الغاتشاكا التقليدية) لمحاكمة مئات الآلاف من المتورّطين، ممّا ساعد على معالجة الكمّ الهائل من القضايا وتعزيز المصالحة المجتمعية.
أسهمت هذه الآليّات في تقليص الإفلات من العقاب، وأعطت رسالة واضحة أن الجرائم الجماعية لن تمرّ دون محاسبة، وهو ما ساعد على إعادة بناء الثقة المجتمعية ومنع إعادة إنتاج العنف على نطاق واسع.
وفي يوغوسلافيا السابقة أنشأ مجلس الأمن في عام 1993 المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا (ICTY) ، لمحاكمة الجرائم المرتكبة في البوسنة وكوسوفو وكرواتيا، وقد حاكمت أكثر من 160 شخصاً، بينهم رؤساء دول وقادة عسكريون مثل سلوبودان ميلوشيفيتش ورادوفان كاراديتش، وهذه المحكمة أرست مبادئ مهمّة مثل اعتبار التطهير العرقي والاغتصاب الجماعي جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب، وعلى الرغم من الانتقادات، أظهرت محاكمة قادة بارزين أن السلطة السياسية أو العسكرية لا تمنح حصانة، وهي أسّست قاعدة دولية لمحاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى، ممّا ساعد على ردع إعادة إنتاج العنف في المنطقة.
والعدالة الانتقالية لا تقتصر على العقاب، بل هي شرط لإعادة بناء الثقة ومنع إعادة إنتاج العنف، سواء عبر محاكم دولية أو آليّات محلّية مجتمعية. إن الجرائم الممنهجة مثل العنف الجنسي والتطهير العرقي ضدّ المجتمعات غير العربية في دارفور تستوجب محاسبة دولية، وهو ما أكّدته المحكمة الجنائية الدولية في قضيّة عمر البشير.
من جهة أخرى، لعب الجيش منذ الاستقلال، ولا يزال يلعب، دوراً مهيمناً في الحياة السياسية السودانية، ممّا أدّى إلى إضعاف المؤسّسات المدنية. إن أيّ عمليّة سياسية طويلة الأمد تتطلّب إبعاد القيادات العسكرية المتورّطة في الانتهاكات، لضمان بناء مؤسّسات شرعية مدنية قائمة على المشاركة والشفافية. وإن إعادة بناء المؤسّسات يشمل إصلاح القضاء، تعزيز استقلالية البرلمان، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يضمن خضوعها للسلطة المدنية .
وهنا يمكن إعطاء مثال تشيلي في إقصاء العسكريين والتخلّص من هيمنة الجيش على السياسة وتعزيز المؤسّسات المدنية. فبعد سقوط نظام أوغستو بينوشيه في عام 1990، واجهت تشيلي تحدّياً كبيراً في الانتقال من حكم عسكري استبدادي إلى نظام ديمقراطي مدني، وكان الجيش يتمتّع بنفوذ واسع في السياسة والاقتصاد، إضافة إلى وجود دستور 1980 الذي منح المؤسّسة العسكرية امتيازات كبيرة. وبالتالي فقد أُجريت أوّلاً تعديلات على دستور 1980 لتقليص صلاحيات الجيش وإلغاء “المقاعد المضمونة” للعسكريين في مجلس الشيوخ، وتمّ إخضاع الجيش لرقابة مدنية عبر وزارة الدفاع، وتقليص النفوذ السياسي للقيادات العسكرية، مع التركيز على دور الجيش في الدفاع الوطني فقط، ثم جرى تعزيز دور المؤسّسات المدنية المنتخبة في صنع القرار، وذلك من خلال تقوية السلطة القضائية المستقلّة، وتعزيز دور البرلمان المنتخب ديمقراطياً، وأخيراً دعم المجتمع المدني والمنظّمات الحقوقية لضمان مشاركة أوسع في العملية السياسية.
كما أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة(Comisión Rettig) في عام 1991، للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة بينوشيه، كما وثّقت لاحقاً “لجنة فاليش” (Comisión Valech) الانتهاكات المتعلّقة بالتعذيب والاعتقال السياسي.
إن استمرار الحرب والانتهاكات في السودان يجعل من الصعب تحقيق مصالحة وطنية، إذ إن المجتمعات المتضرّرة ترى أن أيّ تسوية من دون عدالة هي تكريس للظلم. إن إعادة بناء الدولة يتطلّب معالجة جذور النزاع، بما في ذلك التهميش الاقتصادي والسياسي، وضمان مشاركة جميع المكوّنات الإثنية والجهوية في العمليّة السياسية. وتقدّم لنا تجربة جنوب إفريقيا بعد الأبارتهيد مثالاً واضحاً على أن المصالحة لا يمكن أن تتحقّق من دون إطار عدالة انتقالية شامل.
خاتمة
يمثّل الصراع السوداني نموذجاً صارخاً لتداخل الأزمات الداخلية مع التنافس الإقليمي والدولي، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر في ظلّ مأزق عسكري مستمرّ.
معالجة الأزمة تستلزم:
1- إرادة دولية حقيقية لفرض حظر شامل على السلاح ووقف تمويل الحرب عبر الذهب.
2- تبنّي مسار عدالة انتقالية واضح، يشمل محاسبة المسؤولين وإصلاح المؤسّسات.
3- دعم انتقال سياسي سلمي يُعيد السلطة إلى المدنيين، ويؤسّس لدولة قانون قادرة على تجاوز إرث العنف والانقسامات،ويضمن مشاركة جميع المكوّنات.
4- تعزيز دور المجتمع الدولي في الوساطة عبر إطار موحّد يجمع المسارات المتفرّقة.
استمرار الوضع على ما هو عليه يعني مزيداً من الانهيار الاقتصادي، وتفاقم النزوح، وتفكّك الدولة السودانية إلى كيانات متناحرة، أما تبنّي العدالة الانتقالية والانتقال السياسي المدني، فهو المسار الوحيد القادر على كسر دوّامة العنف وبناء دولة قانون مستقرّة، وهذا يتطلّب إقصاء القيادات العسكرية كافّة، وإعادة بناء مؤسّسات مدنية شرعية.
إن غياب هذه العناصر سيؤدّي إلى إعادة إنتاج العنف وإفشال أيّ عمليّة سياسية. لذلك، فإن العدالة الانتقالية هنا ليست مجرّد مطلب أخلاقي، بل شرط سياسي وأمني لبقاء الدولة السودانية.












