ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

55 قرية محتلّة! أين تقع قريتنا؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ينشغل لبنانيون بسجال حول النصر والهزيمة! أكثر من مئة ألف لبناني خارج منازلهم وقراهم، ودولة مفلسة، وعزلة عربية ومثلها دولية، والتايم لاين اللبناني يبحث عمّن سيستثمر في هذه المأساة! “حزب الله” أم خصومه؟ فخصوم الحزب أيضاً يحتفلون بهزيمتنا على نحو ما يحتفل هو بـ”انتصاره”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كتب الصديق محمّد نجم على صفحته: “داخلياً بلبنان، مع احتلال الخطّ الأوّل والثاني من قِبل إسرائيل (ومش عارفين بعد إذا 55 قرية أو أقلّ صاروا تحت الاحتلال)، المطلوب خطّة حكومية لتنظيم حياة النازحين بطريقة إنسانية، والتوقّع أن يبقى هذا النزوح ما دام الجنوب محتلّاً، وللأسف يبدو مش رح تكون فترة قصيرة”.

وفي هذا الوقت ينشغل لبنانيون بسجال حول النصر والهزيمة! أكثر من مئة ألف لبناني خارج منازلهم وقراهم، ودولة مفلسة، وعزلة عربية ومثلها دولية، والتايم لاين اللبناني يبحث عمّن سيستثمر في هذه المأساة! “حزب الله” أم خصومه؟ فخصوم الحزب أيضاً يحتفلون بهزيمتنا على نحو ما يحتفل هو بـ”انتصاره”.

المعنيّون مباشرة بالمأساة يقفون على ضفّة أخرى من هذا السجال المفجع. يقفون تماماً على ركام منازلهم، أو ينظرون إليها من المكان الذي سُمح لهم بأن يعاينوها منه. محمّد نجم لا يعرف ما إذا كان بمستطاعه العودة إلى منزله في السلطانية، على رغم أن الهدنة بدأت، وأنا حائر بين ما إذا كان جزء من بلدتي شقرا محتلّاً أم لا؟ نقف بعيداً ونُحصي القرى التي شملها الرقم 55، ذاك أنه يتعدّى عدد قرى الحافّة الأمامية. 

أمّا رامي الذي هاجر إلى أميركا مخلّفاً منزلاً وكهفاً في شقرا، استثمر فيهما أحلاماً وأوهاماً، وكتب عنهما وغنّى لهما، فراح ينتظر شقيقه ليصل إلى شقرا ليطمئنّ منه على وديعته التي خلّفها في بلدته وسافر. كل ما عرفه حتى الآن هو أن منزل عمّه تدمّر، وأن طريقاً تؤدّي إلى منزله جرى قطعها بساتر ترابي، وأن جنوداً إسرائيليين قد يكونون وصلوا إلى محيط المنزل. 

رحنا نستنطق الصور السريعة التي وصلتنا، أنا في روما التي أزورها للقاء ابني الذي لم يتمكّن من زيارتنا في عطلته بسبب الحرب، ورامي في واشنطن التي هاجر إليها هرباً من بلده المفلس، ومهنّد ابن النبطية المقيم في البرتغال. النبطية شمال الليطاني، لكنّ نعمة الجغرافيا لم تُنجِ المدينة من دمار هائل.  وفي هذا الوقت كان رابعنا، طارق الذي لجأ من الجنوب إلى بيروت، يرسل إلينا الفيديوات الأولى عن مأساة النصر التي حلّت بقرانا.   

قرى الخطّ الثاني في القطاع الأوسط يفصل بينها وبين الشريط المحتلّ وادي السلوقي، ومن غير المنطقي أن يتمركز جيش الاحتلال في هذا الوادي وأن ينكشف للتلال المحيطة. إذاً، إلى أين يمتدّ الاحتلال؟ ليس من مجيب! ثم إن مساحة احتلال موازٍ يبدو أنها تُرسم، أي تلك المناطق التي يجري تغطيتها بالدرون. الناس يجهلون ما إذا كانت مشمولة بهذا الاحتلال. الجميع منشغل بالنصر والهزيمة، ولا وقت لهذا النوع من الأسئلة.

من يستطيع من الناس سيعود على رغم الغموض، ليس لأنه بطل على ما يصوّره المنتصرون، وليس لأنه انشقّ بحسب خصوم الحزب، بل لأنه لا يملك خياراً آخر. جنوبيون كثيرون بدأوا استطلاع إمكان العودة إلى القرى الحائرة بين ما إذا كانت مشمولة بالعودة أو مشمولة بالاحتلال. لا نصر طالما أن قراهم محتلّة ومدمّرة، ولا هزيمة طالما أنها تُشهر بوجههم بوصفها يوم الحساب.

البيوت تنتظر أصحابها لتخبرهم بما حلّ بها في غيابهم. منزلنا نجا بحسب الصورة التي أرسلها لنا قريب تمكّن من وصول سريع إلى البلدة، ثم غادرها لارتيابه بحقيقة الانسحاب. أكثر من شهر أمضاه بيتنا من دون سكّان، وهو وقت كان كافياً لتنبت من حوله كميّات هائلة من الحشائش البرّية. في الصورة ظهر المنزل ضعيفاً ومتآكلاً وبعيداً. صورة سريعة بعدسة غير ثابتة كانت كافية لتقول لنا إننا دخلنا في زمن الاحتلال، وإن النصر غير الواقعي ليس سوى كلمة نُشهرها بوجه من يستعدّون للاستثمار بالهزيمة. أما “العرس الوطني” الذي أشار إليه المسؤول في “حزب الله” نوّاف الموسوي، فهو إهانة لحزننا ولعزلة منازلنا. 

وفي هذا الوقت تُجري إيران مفاوضات مباشرة مع أميركا (الشيطان الأكبر) حول مصالحها وأموالها المجمّدة وأذرعها، ويُخوَّن الرئيس اللبناني لأنه ألمح بقبوله بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل (الشيطان الأصغر)، والناس بين هذين الحدّين خارج حسابات صراع النفوذ، ينتظرون على مداخل قراهم من يقول لهم ما إذا كانوا ضمن الاحتلال أم خارجه، وما إذا كانت مهلة العشرة أيّام هدنة ستنتهي بحرب أم باحتلال؟     

18.04.2026
زمن القراءة: 3 minutes

ينشغل لبنانيون بسجال حول النصر والهزيمة! أكثر من مئة ألف لبناني خارج منازلهم وقراهم، ودولة مفلسة، وعزلة عربية ومثلها دولية، والتايم لاين اللبناني يبحث عمّن سيستثمر في هذه المأساة! “حزب الله” أم خصومه؟ فخصوم الحزب أيضاً يحتفلون بهزيمتنا على نحو ما يحتفل هو بـ”انتصاره”.

كتب الصديق محمّد نجم على صفحته: “داخلياً بلبنان، مع احتلال الخطّ الأوّل والثاني من قِبل إسرائيل (ومش عارفين بعد إذا 55 قرية أو أقلّ صاروا تحت الاحتلال)، المطلوب خطّة حكومية لتنظيم حياة النازحين بطريقة إنسانية، والتوقّع أن يبقى هذا النزوح ما دام الجنوب محتلّاً، وللأسف يبدو مش رح تكون فترة قصيرة”.

وفي هذا الوقت ينشغل لبنانيون بسجال حول النصر والهزيمة! أكثر من مئة ألف لبناني خارج منازلهم وقراهم، ودولة مفلسة، وعزلة عربية ومثلها دولية، والتايم لاين اللبناني يبحث عمّن سيستثمر في هذه المأساة! “حزب الله” أم خصومه؟ فخصوم الحزب أيضاً يحتفلون بهزيمتنا على نحو ما يحتفل هو بـ”انتصاره”.

المعنيّون مباشرة بالمأساة يقفون على ضفّة أخرى من هذا السجال المفجع. يقفون تماماً على ركام منازلهم، أو ينظرون إليها من المكان الذي سُمح لهم بأن يعاينوها منه. محمّد نجم لا يعرف ما إذا كان بمستطاعه العودة إلى منزله في السلطانية، على رغم أن الهدنة بدأت، وأنا حائر بين ما إذا كان جزء من بلدتي شقرا محتلّاً أم لا؟ نقف بعيداً ونُحصي القرى التي شملها الرقم 55، ذاك أنه يتعدّى عدد قرى الحافّة الأمامية. 

أمّا رامي الذي هاجر إلى أميركا مخلّفاً منزلاً وكهفاً في شقرا، استثمر فيهما أحلاماً وأوهاماً، وكتب عنهما وغنّى لهما، فراح ينتظر شقيقه ليصل إلى شقرا ليطمئنّ منه على وديعته التي خلّفها في بلدته وسافر. كل ما عرفه حتى الآن هو أن منزل عمّه تدمّر، وأن طريقاً تؤدّي إلى منزله جرى قطعها بساتر ترابي، وأن جنوداً إسرائيليين قد يكونون وصلوا إلى محيط المنزل. 

رحنا نستنطق الصور السريعة التي وصلتنا، أنا في روما التي أزورها للقاء ابني الذي لم يتمكّن من زيارتنا في عطلته بسبب الحرب، ورامي في واشنطن التي هاجر إليها هرباً من بلده المفلس، ومهنّد ابن النبطية المقيم في البرتغال. النبطية شمال الليطاني، لكنّ نعمة الجغرافيا لم تُنجِ المدينة من دمار هائل.  وفي هذا الوقت كان رابعنا، طارق الذي لجأ من الجنوب إلى بيروت، يرسل إلينا الفيديوات الأولى عن مأساة النصر التي حلّت بقرانا.   

قرى الخطّ الثاني في القطاع الأوسط يفصل بينها وبين الشريط المحتلّ وادي السلوقي، ومن غير المنطقي أن يتمركز جيش الاحتلال في هذا الوادي وأن ينكشف للتلال المحيطة. إذاً، إلى أين يمتدّ الاحتلال؟ ليس من مجيب! ثم إن مساحة احتلال موازٍ يبدو أنها تُرسم، أي تلك المناطق التي يجري تغطيتها بالدرون. الناس يجهلون ما إذا كانت مشمولة بهذا الاحتلال. الجميع منشغل بالنصر والهزيمة، ولا وقت لهذا النوع من الأسئلة.

من يستطيع من الناس سيعود على رغم الغموض، ليس لأنه بطل على ما يصوّره المنتصرون، وليس لأنه انشقّ بحسب خصوم الحزب، بل لأنه لا يملك خياراً آخر. جنوبيون كثيرون بدأوا استطلاع إمكان العودة إلى القرى الحائرة بين ما إذا كانت مشمولة بالعودة أو مشمولة بالاحتلال. لا نصر طالما أن قراهم محتلّة ومدمّرة، ولا هزيمة طالما أنها تُشهر بوجههم بوصفها يوم الحساب.

البيوت تنتظر أصحابها لتخبرهم بما حلّ بها في غيابهم. منزلنا نجا بحسب الصورة التي أرسلها لنا قريب تمكّن من وصول سريع إلى البلدة، ثم غادرها لارتيابه بحقيقة الانسحاب. أكثر من شهر أمضاه بيتنا من دون سكّان، وهو وقت كان كافياً لتنبت من حوله كميّات هائلة من الحشائش البرّية. في الصورة ظهر المنزل ضعيفاً ومتآكلاً وبعيداً. صورة سريعة بعدسة غير ثابتة كانت كافية لتقول لنا إننا دخلنا في زمن الاحتلال، وإن النصر غير الواقعي ليس سوى كلمة نُشهرها بوجه من يستعدّون للاستثمار بالهزيمة. أما “العرس الوطني” الذي أشار إليه المسؤول في “حزب الله” نوّاف الموسوي، فهو إهانة لحزننا ولعزلة منازلنا. 

وفي هذا الوقت تُجري إيران مفاوضات مباشرة مع أميركا (الشيطان الأكبر) حول مصالحها وأموالها المجمّدة وأذرعها، ويُخوَّن الرئيس اللبناني لأنه ألمح بقبوله بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل (الشيطان الأصغر)، والناس بين هذين الحدّين خارج حسابات صراع النفوذ، ينتظرون على مداخل قراهم من يقول لهم ما إذا كانوا ضمن الاحتلال أم خارجه، وما إذا كانت مهلة العشرة أيّام هدنة ستنتهي بحرب أم باحتلال؟