“اختفت المدينة، لم تكن مضت سوى ثلاث دقائق على إلقاء القنبلة. لم يكن بالإمكان رؤية هيروشيما… كانت مغطاة بالدخان والغبار والحطام”، يقول تيودور داتش، قائد القاذفة B-29، التي استُخدمت لإلقاء أول قنبلة نووية في تاريخ النزاعات المسلحة على مدينة هيروشيما.
ثمانون عامًا مرت على كارثة هيروشيما وناكازاكي. لم يكن محو مدينتين ومقتل أكثر من 200 ألف شخص كافيين لردع البشرية عن سباقها النووي، بل عاد السلاح النووي ليُستحضر مجدداً كأداة “مشروعة” لإنهاء الحروب.
في سياق تبرير حرب الإبادة الاسرائيلية في غزة، قارن السيناتور الأميركي الجمهوري ليندسي غراهام ما ترتكبه إسرائيل في غزة بما فعلته الولايات المتحدة في هيروشيما بوصفها “ضرورة”.
تصريحات غراهام وصولاً إلى ضربة “المطرقة منتصف الليل” الأميركية على منشآت إيران النووية، وصولاً إلى تهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والكوري الشمالي كيم جونغ أون، تتسابق الدول لتعزيز ترساناتها النووية في عالم يشهد تآكلًا للالتزامات القانونية الدولية تحت ذريعتي “الردع” و”البقاء”.
ولا يقتصر الأمر على الجدل القانوني والسياسي، بل تعكس الأرقام والوقائع الميدانية حجم الخطر المتصاعد. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، ارتفع الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية بأكثر من 32 في المئة، ووصل إلى 100 مليار دولار عام 2024.
احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى في حجم الإنفاق النووي، بمبلغ 56.8 مليار دولار، تلتها الصين في المرتبة الثانية بـ12.5 مليار دولار، ثم المملكة المتحدة في المرتبة الثالثة بـ10.4 مليارات دولار. ونقلت صحيفة “التلغراف” البريطانية في تموز/ يوليو 2025، أن الولايات المتحدة أعادت إيداع أسلحة نووية على الأراضي البريطانية للمرة الأولى منذ عام 2008.
“الدفاع الوقائي” وهشاشة القانون الدولي
“لقد قضينا على قدراتهم النووية. يمكنهم أن يبدأوا من جديد، وإذا فعلوا، فسنقضي عليها بسرعة تفوق قدرتكم على الإشارة إليها بإصبعكم. سنقوم بذلك علنًا وبكل سرور”، هذا ما صرّح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء البريطاني عُقد قبل أسبوعين في مدينة اسكتلندا، شمال المملكة المتحدة.
يأتي تصريح ترامب بعد قرابة شهر ونصف الشهر من عملية عسكرية أطلق عليها اسم “المطرقة منتصف الليل”، إذ شنّت الولايات المتحدة غارات جوية باستخدام قنابل خارقة للتحصينات على منشآت نووية إيرانية، بمشاركة 125 طائرة حربية، من بينها قاذفات B-2 الشبحية.
من مفاعل فوردو الإيراني إلى تصريحات ترامب التي استحضر فيها كارثة هيروشيما لتبرير الضربات، تُستحضر الأسلحة النووية اليوم ليس فقط كأدوات دمار شامل، بل كأوراق ضغط استراتيجية تهدّد السلم والأمن الدوليين.
يهدد الهجوم الأميركي-الإسرائيلي، الذي استهدف عرقلة البرنامج النووي الإيراني، بإعادة تشكيل قواعد القانون الدولي التي وُضعت عقب الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار كارثة هيروشيما وناكازاكي النوويتين. ويطرح هذا التطور تساؤلات قانونية حاسمة حول مشروعية استخدام القوة خلال النزاعات المسلحة، لا سيما في ظل غياب أي تفويض من مجلس الأمن. ففيما ينص ميثاق الأمم المتحدة على حصر استخدام القوة بحالات الدفاع عن النفس أو بقرار صادر عن مجلس الأمن، تتوسع بعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في تفسير مفهوم “الدفاع الوقائي” لتبرير ضربات عسكرية استباقية، ما ينذر بتقويض منظومة القانون الدولي ويهدد بإضفاء شرعية زائفة على استخدام غير مشروع للقوة.
إقرأوا أيضاً:
استحضار هيروشيما لتبرير الهجوم: سابقة تهدّد النظام الدولي
في تصريح لافت خلال قمة الناتو في لاهاي، شبّه ترامب الهجوم على مفاعلات فوردو ونطنز وأصفهان بكارثة هيروشيما، معتبرًا أن “الضربة الكارثية” قد تكون مبررة إذا أنهت حربًا، قائلاً: “لا أريد استخدام مثال هيروشيما أو ناكازاكي، لكن ذلك كان في الأساس الشيء ذاته، فقد أنهى حربًا”.
يحظر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة ضد أي دولة بموجب المادة 2(4)، باستثناء حالات ضيقة تتعلق بالدفاع عن النفس وفقًا للمادة 51، أو في حال صدور تفويض من مجلس الأمن.
في العام 2003، قدم وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولين باول، إلى مجلس الأمن “أدلة” على امتلاك الرئيس العراقي صدام حسين أسلحة دمار شامل، في محاولة لتبرير اتخاذ الولايات المتحدة إجراءً عسكريًا بموجب ميثاق الأمم المتحدة. أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فرفض علنًا تقييم وكالات الاستخبارات الأميركية التي أكدت أن إيران لا تطوّر سلاحًا نوويًا ولا تنوي ذلك، قائلاً: “وكالات الاستخبارات عندي مخطئة”.
في هذا السياق، قال دونالد روثويل، أستاذ القانون الدولي في الجامعة الوطنية الأسترالية، إن مجلس الأمن لم يمنح أي تفويض “يسمح لإسرائيل أو الولايات المتحدة بشن هجوم على إيران بحجة الحفاظ على السلم والأمن الدوليين”. وأضاف روثويل أن “مجلس الأمن أعرب مرارًا عن قلقه بشأن البرنامج النووي الإيراني واعتمد سلسلة من القرارات المتعلقة به، إلا أن أياً من هذه القرارات لم يخول استخدام القوة العسكرية”.
وشدد روثويل على ألا أساس قانوني لتحرك الولايات المتحدة، كونها لم تتعرض لهجوم مسلح من إيران قبل قصفها المفاعلات النووية، وبالتالي “يسقط حقها في الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة”. وشرح روثويل أنه لا يمكن اعتبار البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وشيكًا يبرر استخدام القوة بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ما لم يتوافر شرطان أساسيان: امتلاك القدرة الفعلية على تصنيع سلاح نووي، ووجود نية لاستخدامه. وسبق أن صرح رافائيل غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC): ” في حين كان هناك، حتى أوائل العقد الأول من القرن الحالي، جهد منظم ومنهجي باتجاه تطوير جهاز نووي، لم يعد الأمر كذلك اليوم”.
لكن لطالما اعتمدت الولايات المتحدة الأميركية مبدأ الدفاع عن النفس الاستباقي أو الوقائي. فبعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2002، تبنّت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش ما عُرف لاحقًا بـ”عقيدة بوش”، التي وسّعت مبدأ الدفاع الوقائي لتبرير ضربات عسكرية استباقية ضد تهديدات مستقبلية محتملة. لكن لم تحظ هذه المفاهيم يوماً بتأييد صريح من مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية.
استخدمت الولايات المتحدة هذه المفاهيم لتبرير تدخلها العسكري في العراق عام 2003، إذ زعمت أن برنامج العراق المزعوم لأسلحة الدمار الشامل يشكّل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة.
تشكل الضربات الأميركية والإسرائيلية سابقة خطيرة لناحية البرامج النووية، إذ بإمكان دول أخرى أن تستند الى تفسيرهما “حق الدفاع عن النفس” لتبرير ضربات استباقية أو وقائية ضد دول أخرى متى تشاء. في هذا السياق، أشار روثويل الى أن دولاً أخرى ستقول “إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على القيام بذلك، فلماذا لا يمكننا نحن أيضاً استخدام حق الدفاع عن النفس لنزع سلاح أعدائنا بهذه الطريقة؟”.
سباق تسلّح نووي جديد
تُظهر المؤشرات العسكرية أن العالم يتجه نحو سباق تسلّح نووي جديد، إذ قال دان سميث، مدير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، إن “أكثر ما يثير القلق في الترسانات النووية في الوقت الحالي هو أن الانخفاض المستمر منذ زمن طويل في عدد الرؤوس النووية يبدو أنه يشارف على نهايته”، وفقاً لقناة دويتشه فيليه الألمانية.
وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، هناك تسع دول في العالم تمتلك أسلحة نووية. ويشير المعهد إلى أن عدد الرؤوس النووية وصل إلى 12241 رأساً نووية، منها 9614 رأسًا مخزنة في الترسانة العسكرية. ويقدر المعهد أن 3,912 رأسًا نووية نُشرت مع الصواريخ والطائرات، بينما يوجد نحو 2,100 رأس في حالة جهوزية تشغيلية عالية على صواريخ باليستية.
| الدولة | إجمالي الرؤوس النووية |
| روسيا | 5,459 |
| الولايات المتحدة | 5,177 |
| الصين | 600 |
| فرنسا | 290 |
| المملكة المتحدة | 225 |
| الهند | 180 |
| باكستان | 170 |
| إسرائيل | 90 |
| كوريا الشمالية | 50 |
المصدر: اتحاد العلماء الأميركيين
تشير الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية (ICAN) إلى أن عدداً من الدول تخزن أسلحة نووية لصالح دول أخرى على أراضيها. في هذا السياق، يشير لوكاش كوليسا، مدير سياسات الانتشار والأسلحة النووية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا، أن تخزين الأسلحة النووية في دول أخرى يُعدّ أيضًا أداة للحد من الانتشار النووي، موضحًا: “طالما أن هذه الدول تستضيف أسلحة نووية أميركية على أراضيها، فإنها لن تفكر في تطوير أسلحة نووية خاصة بها”.
| الدولة المضيفة | عدد الأسلحة النووية المقدّر | المالك الفعلي |
| إيطاليا | 35 | الولايات المتحدة |
| تركيا | 20 | الولايات المتحدة |
| ألمانيا | 15 | الولايات المتحدة |
| هولندا | 15 | الولايات المتحدة |
| بلجيكا | 10 إلى 15 | الولايات المتحدة |
| بيلاروسيا | غير معروف | روسيا |
المصدر: الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية (ICAN)
في ستينات القرن الماضي، دفعت أميركا طهران إلى تركيب مفاعل نووي، الأمر الذي تعتبره تهديداً اليوم. وكانت إيران على وشك أن تصبح العضو العاشر في النادي النووي، إذ كانت تخصب اليورانيوم بنسبة 60 في المئة، ما أثار مخاوف متزايدة من إمكانية تطويرها قنبلة نووية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام دول أخرى في المنطقة لتخصيب اليورانيوم لأغراض عسكرية. في أيلول/ سبتمبر 2023، أشار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابلة مع قناة فوكس نيوز إلى أن المملكة العربية السعودية ستسعى الى امتلاك سلاح نووي في حال امتلكته إيران.
في هذا السياق، كتب مانويل هيريرا، الباحث المتخصص في منع انتشار الأسلحة النووية في المعهد الإيطالي للشؤون الدولية، أن “السماح للسعودية بالحصول على مثل هذه القدرات قد يُشكّل سابقة إشكالية على المستوى الدولي، وقد يشجّع دولاً أخرى في المنطقة، مثل مصر أو تركيا، على السعي الى امتلاك قدرات نووية مماثلة، ما قد يؤدي إلى موجة انتشار نووي في شرق أوسط يشهد أصلًا حالة من عدم الاستقرار”.
تعد الأسلحة النووية أكثر الأسلحة فتكاً وتدميراً التي عرفها الإنسان على مر التاريخ، والتي تم تصنيعها في ظل سباق التسلّح خلال الحرب العالمية الثانية. في خضمّ الحرب العالمية الثانية، أسّست الولايات المتحدة الأميركية في آب/ أغسطس 1942 مشروع مانهاتن بهدف تطوير أول سلاح نووي في التاريخ. وبعد ثلاث سنوات، أسقطت قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي في اليابان، ما أسفر عن دمار هائل وخسائر بشرية كارثية. وعلى الرغم من دعوة الأمم المتحدة في 24 كانون الثاني/ يناير 1946 إلى القضاء على الأسلحة الذرية، انزلقت الدول نحو سباق تسلّح نووي واسع.
وأجرى الاتحاد السوفياتي عام 1949 أول تجربة نووية، والمعروفة باسم “الانفجار الأول”، ليُنهي بذلك احتكار الولايات المتحدة السلاح النووي ويدشّن رسمياً سباق التسلح النووي بين القوتين العظميين. وانضمت بريطانيا إلى النادي النووي عندما نفذت أول اختبار نووي في جزر مونتيبيلو قبالة سواحل أستراليا الغربية عام 1952. وفجّرت فرنسا أول قنبلة نووية لها في الصحراء الكبرى عام 1960. وأصبحت الصين خامس دولة تمتلك النووي عام 1964.
فُتح باب التوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1968، بحيث تلتزم الدول غير المالكة للسلاح النووي بعدم السعي إلى امتلاكه، بينما تتعهد الدول المالكة قانونيًا بنزع سلاحها تدريجيًا. لكن استمر السعي إلى امتلاك السلاح النووي. لم توقع الهند على معاهدة منع الانتشار، وأجرت أول اختبار نووي عام 1974 لتصبح سادس دولة تطور سلاحاً نووياً.
وبحسب “جمعية الحد من التسلّح”، طوّرت إسرائيل في أواخر الستينات سرّاً، القدرة على تصنيع متفجرات نووية، فيما أشار “اتحاد العلماء الأميركيين” إلى أن الولايات المتحدة أصبحت بحلول عام 1975 مقتنعة بأن إسرائيل طوّرت بالفعل أسلحة نووية. وبنت إسرائيل مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية في النقب، المعروف باسم مفاعل ديمونا، بدعم من فرنسا، وبلغ مرحلة التشغيل الفعلي عام 1962.
انضمت خمس دول تمتلك أسلحة نووية إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) كدول نووية معترف بها، وهي: الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة.أما الدول الأخرى التي تمتلك أسلحة نووية، مثل الهند وباكستان، فلم تنضم إلى المعاهدة، في حين لم توقّع إسرائيل عليها على رغم الاشتباه الواسع في امتلاكها ترسانة نووية لم تؤكدها رسميًا. أما كوريا الشمالية، فقد انضمّت إلى المعاهدة في السابق، لكنها أعلنت انسحابها منها في عام 2003.
وأعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي، أن حكومة المملكة المتحدة ستشتري ما لا يقل عن 12 مقاتلة أميركية من طراز F35-A جديدة قادرة على حمل قنابل نووية. وقال ستارمر: “لم يعد بإمكاننا اعتبار السلام أمرًا مفروغًا منه، ولهذا السبب تستثمر حكومتي في أمننا القومي”.
الشتاء النووي
في ظل ارتفاع الإنفاق النووي، يتجدد خطر انزلاق العالم نحو مواجهة قد تقود إلى ما يُعرف بـ”الشتاء النووي”، وهو السيناريو الكارثي الذي حذّر منه علماء المناخ والكيمياء منذ أوائل الثمانينات. فأي حرب نووية قد تُطلق في الغلاف الجوي سحابة دخان هائلة تحجب أشعة الشمس عن الأرض، فتجعلها أكثر برودة وجفافًا وعتمة، ما يخلّف عواقب وخيمة على الأمن الغذائي العالمي.
في هذا السياق، يحذر دان سميث، مدير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، من احتمال اندلاع سباق تسلّح نووي جديد، معتبراً إنه أكثر خطورة مما شهده العالم خلال الحرب الباردة، نتيجة تصاعد دور الذكاء الاصطناعي والتطورات التكنولوجية في مجالي القدرات السيبرانية والبنى التحتية الفضائية.
بعد ثمانين عامًا على هيروشيما وناكازاكي، يقف العالم مجددًا عند مفترق خطير، حيث يتقاطع سباق التسلح النووي مع تآكل الحدود التي رسمها القانون لمنع الكارثة. فهل يعود شبح الكارثة ليرسم ملامح عالمٍ جديد، حيث تُستبدل شرعية القانون بشرعية القوة؟
إقرأوا أيضاً:












