لبنان بين فكي كماشة إيرانية- سعودية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

30.10.2021
ونحن إذ نكابد مرارة تصدر "حزب الله" الدولة والحكومة والقضاء والقدر، تأتينا الصفعة السعودية محملة بقدر من النزق المشحون بما يتجاوز تصريحات قرداحي. فالمزاج الانتقامي هنا يتجاوز الحكومة و"حزب الله"، وهو باشر اشتغاله منذ واقعة احتجاز رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، وخطوة قطع العلاقات اليوم هي امتداد لتلك الخطوة.

أصبح الاستعصاء اللبناني مملاً لكثرة ما كرر نفسه طوال الأشهر الفائتة، ولبنان البلد اللزج والمتداعي يمكن أن يطيح به رجل هزيل، لا يمثل شيئاً مثل جورج قرداحي. البلد بين فكي كماشة الهيمنة الإيرانية والمزاجية السعودية، فيما الناس على شفير الجوع والاحتراب. وإذا كانت استقالة جورج قرداحي مخرجاً، فإن ذلك مؤشر إلى فداحة ما نحن فيه، ذاك أن بلداً يمكن أن “تنقذه” استقالة جورج قرداحي!

لا… استقالة قرداحي لن تنقذ لبنان، ولن تسعف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فالرجل أصلاً محاصر بمقاطعة الوزراء الشيعة لحكومته، إلى حين إقالة قاضي التحقيق بانفجار المرفأ طارق بيطار، وهذه حقيقة سبقت الانفجار الذي أحدثته تصريحات وزير الإعلام، ناهيك بأنه محاصر باحتمال انكشاف الكذبة الكبيرة التي تشكلت الحكومة في ظلها، والمتمثلة في أنها حكومة اختصاصيين! الحكومة معرضة للانفجار في كل اجتماع تعقده. في الاجتماع الأخير لها شهدنا أحد الوزراء “الاختصاصيين” وقد وقف في وجه رئيسي الجمهورية والحكومة وهددهما إذا لم يقيلا بيطار!

أما رد خطوة قطع العلاقات السعودية مع لبنان إلى رغبة سعودية بمواجهة “حزب الله”، فهي ليست واقعية، ذاك أن المملكة فعلت كل شيء لإضعاف المقاومات اللبنانية لنفوذ الحزب. فهي المسؤولة الأولى عن إضعاف خصوم الحزب وعلى رأسهم سعد الحريري، والقول بأن سعداً ضعيف، و”لا يليق بتمثيل النفوذ السعودي”، فينطوي على تجاهل ما أصاب الرجل منذ إرساله إلى قصر المهاجرين في ذلك اليوم الحزين، ومروراً باحتجازه في منزله في الرياض، وصولاً إلى اليوم.

نعم نحن نعيش في ظل حقيقة أن “حزب الله” أمسك بكل شيء، فصارت الحكومة مساحة احتكاك أهلي أين منها مستديرة الطيونة، وصرنا في كل صباح نستيقظ على رزمة عقوبات أميركية جديدة، وصار التحقيق بانفجار المرفأ مناسبة لاحتراب أهلي. لكننا أيضاً نعيش في ظل قرار سعودي بمعاقبة لبنان، وما سقطة قرداحي إلا مجرد فرصة، ونحن إذ نكابد مرارة تصدر “حزب الله” الدولة والحكومة والقضاء والقدر، تأتينا الصفعة السعودية محملة بقدر من النزق المشحون بما يتجاوز تصريحات قرداحي. فالمزاج الانتقامي هنا يتجاوز الحكومة و”حزب الله”، وهو باشر اشتغاله منذ واقعة احتجاز رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، وخطوة قطع العلاقات اليوم هي امتداد لتلك الخطوة.

أما رد خطوة قطع العلاقات السعودية مع لبنان إلى رغبة سعودية بمواجهة “حزب الله”، فهي ليست واقعية، ذاك أن المملكة فعلت كل شيء لإضعاف المقاومات اللبنانية لنفوذ الحزب. فهي المسؤولة الأولى عن إضعاف خصوم الحزب وعلى رأسهم سعد الحريري، والقول بأن سعداً ضعيف، و”لا يليق بتمثيل النفوذ السعودي”، فينطوي على تجاهل ما أصاب الرجل منذ إرساله إلى قصر المهاجرين في ذلك اليوم الحزين، ومروراً باحتجازه في منزله في الرياض، وصولاً إلى اليوم. 

وفي ضوء ذلك، وإذا ما أراد المرء أن يجري مسحاً جوياً للمشهد السياسي اللبناني، فمن الأشياء التي يفترض أن تلفته، هو غياب سعد الحريري المدوّي. فرئيس الحكومة الأسبق، ورئيس أكبر تكتل نيابي سني، ووريث رفيق الحريري، مختفٍ تماماً منذ أشهر، ولا أثر له في معظم الوقائع الثقيلة التي يشهدها لبنان، وهو إذ حضر في بيان رؤساء الحكومة السابقين الذي شكك في دستورية عمل قاضي التحقيق في قضية انفجار المرفأ، فيا ليته لم يحضر، علماً أن هذا الحضور المخزي جاء طرفياً وجزءاً من مشهد مذهبي ضمه إلى جانب فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام، وسعد إذ اختار رفقة السوء هذه، ضاعف من غيابه وخصبه، فصار مثله مثل تمام سلام، أي نزيل صالون عائلة منكفئة ومتحسرة على جور الأيام. لكن المرء إذ يستعيد سعداً في حمأة المشهد السياسي والمذهبي اللبناني المضطرب والمحتقن، عليه أن يبذل جهداً كي لا ينضم إلى جوقة جلاديه الكثر، فالرجل يستقبل صفعات تلو الصفعات من كل جهات الأرض، ومن بينها الرياض طبعاً.

كل هذا يجب ألا يلغي حقيقة أننا محاصرون بعواصف مصدرها أن بلداً لن يستقيم ولن يستقر في ظل سلطة “حزب الله”، والحزب لم يعد مجرد شريك، وهو إذ تفشى في كل مفاصل السلطة، لا يمكنه أن يهضم توازناتها، وفي الوقت نفسه هو عاجز عن الحكم بعيداً منها. نجيب ميقاتي كان ليقبل بهيمنة الحزب على حكومته، وهو قَبِلها، لكن تصريحاً عابراً لشخصية هامشية في الحكومة أطاحه، وأمين عام الحزب حسن نصرالله لن يقبل وهو المهيمن على القرارات الكبرى بأن يقف قاضٍ عادي في وجه رغبته بإلغاء التحقيق. ومثلما اضطربت الحكومة بفعل ذلك، اضطربت أيضاً سلطة الحزب. 

لبنان لا يُمكن أن يُحكم من قبل “حزب الله”، لكنه يُحكم اليوم من قبله… هنا يكمن الاستعصاء!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
بن غفير، المحصن بآلة إعلامية قادرة على صياغة الأحداث، وإخراجها وتنفيذها، يطمح على ما يبدو إلى تكريس خطاب معاداة العرب والمؤسسات الديمقراطية للدولة، وتحويله إلى روتين يراه الإسرائيلي يومياً ويتعاطف معه أكثر من أي وقت.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني