fbpx

بشار الأسد مشاركاً في “من سيربح المليون”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بشار هو الوريث الأوحد، والقاتل لاحقاً، وقرداحي، المذيع الأشهر، والمبرر للقتل لاحقاً.

بدأ برنامج جورج قرداحي “من سيربح المليون” عام 2000 أي مع توريث السلطة في سوريا لبشار نجل الرئيس الراحل حافظ الأسد. تزامُن الحدثين، لا يحمل أي دلالة أو تقاطع. برنامج مسابقات مستنسخ عن الغرب، يحظى بانتشار عربي واسع، وإعجاب كبير، لا سيما من السوريين، ورئيس جديد يرتب تفاصيل النسخة الثانية من نظام سلطوي فئوي، في ظل عجز مجتمعي واستسلام سياسي، باستثناء أصوات نخبوية معترضة. لا رابط علمياً بين هذا وذاك، يفتح الشهية لمقارنة ما.

غير أن استقبال السوريين البرنامج، لم يكن مفصولاً تماماً عن عجزهم عن مقاومة استقبال الديكتاتور الجديد. حافظ مهّد لتسلم نجله السلطة، عبر المستوى الفوقي من الحكم، العائلة والطائفة والأجهزة والجيش. لكن التمهيد على مستوى المجتمع تطلب حملة دعائية للتعريف بالرئيس الشاب، ومن أبرز عناصر هذه البروباغندا أن الرئيس المقبل، مثقف. والثقافة هنا، تعني امتلاكه شهادة وتخصصه في مجال الطب، وليس التحليل والمقارنة والبحث والاستنتاج. أي، أنه مفهوم للثقافة يتقاطع مع ذلك الذي سوّق له، “من سيربح المليون”، تخزين معلومات وحفظها، وامتلك أجوبة على أسئلة، لا لتحفيز الذهن، وإنما تجميده بآلية تطابق التعليم التقليدي. بشار كان مثقفاً مثل أي مشترك في “من سيربح المليون”، يمتلك شهادة جامعية ويعرف معلومات ضمن اختصاصه، وكان مستعداً لامتحان، وتقديم أجوبة جاهزة، لا تحتمل أي استدراك أو نقاش.

ومن عناصر دعاية السلطة أيضاً، أن الأسد الابن، تابع دراسته في الغرب، في إيحاء، إلى كونه امتلك ثقافة غربية. وبسبب موقف النظام من الغرب وطبيعة الإيديولوجية التي يتبناها، فإن امتلاك بشار هذه الثقافة، أقرب إلى الاستيراد، عملاً بتقليد راسخ في الثقافة العربية، يهمل البنية الفكرية والفلسفية للحداثة ويكتفي بإنجازاتها المادية. والاستيراد يقابله آخر في “من سيربح المليون”، إذ إن الأخير نسخة من أصل غربي، لها بيئته ومتسق مع تحولات ثقافية- اقتصادية شاملة لها انعكاسها على صناعة الترفيه. أما عربياً، فهو نتيجة لترفيه مرتبط بطفرة أموال النفط وتكاثر القنوات الإعلامية، تزامناً مع انهيار الطبقات الوسطى، وصعود التطرف، وما تلا ذلك من استقبال مرتبك للعولمة. متابعو “من سيربح المليون” أنفسهم كانوا يتابعون أيضاً، قنوات يحتل شاشاتها مشايخ يفتون بأدق التفاصيل المتعلقة بحياة البشر. بداية الألفين، كنا حيال فضاء تلفزيوني، يساهم في صوغ قناعات وأذواق متضاربة، لا تصنع رأيا عاما، في ظل انهيارات شتى في المجتمعات وتعطيل السياسة بفعل الأنظمة. 

ويضاف إلى عناصر الدعاية الأسدية للرئيس الشاب، “جماله” و”حضوره”، على ما كانت تقول مؤيدات صادقات للنظام. عينان ملونتان، وقامة طويلة، وأناقة، جعلت من الدكتاتور الآتي عنوة للرئاسة، شخصية “جذابة”، وفق بروباغندا النظام. وهو السيناريو ذاته الذي حصل مع جورج قرداحي، إذ رأت فيها كثيرات صورة للرجل العربي الذكوري الذي يحظى بمكانة ونفوذ ويغدق الأموال على المشاركين في برنامجه. حتى إنه أجريت مقارنة بين قرداحي ونانسي عجرم التي كانت في بداية صعودها، قبل أن تحظى بشهرة واسعة بعد سنة أو سنتين، فتكررت على ألسنة كثيرين مقولة “اللهم عجرم نساءنا وقردح رجالنا”.

عام 2002  استعانت الكاتبتان، ريم حنا ودلع ممدوح الرحبي، في مسلسلهما الشهير “الفصول الأربعة” والذي يشكل جزءاً من ذاكرة السوريين، ببرنامج من “سيربح المليون” كذريعة درامية لإحدى الحلقات. صحيح أنه تم استبدال قرداحي بالفنان عبد المجيد مجذوب، للعب دور المذيع في الحلقة، لكن الإسقاط كان واضحاً على الإعلامي الشهير الذي أغدقت عليه شخصيات المسلسل، مدائح كثيرة، بينها، “حكمته” و”رزانته” و”جاذبيته”. الحلقة هذه بثت، فيما لم يكن الإعلام الرسمي، قد أنهى بعد، بث تقاريره عن شخصية الرئيس الشاب، بينها واحد يشيد، بالتقاطه ورقة من الأرض، ووضعها في سلة القمامة، خلال تدربه في أحد المستشفيات الحكومية.

طبعاً المسلسل لم يتقصد، التقاطع مع بروباغندا النظام، لكنه لم يكن بعيداً من مناخ سوري، سهّل هذه الدعاية. من عناصر النظام السوري التعامل مع الثقافة بوصفها مراكمة معلومات، ومع الغرب كتقنية، والشكل الخارجي كأساس لتعريف البشر. وبقدر ما أن لهذا المناخ حوامل اجتماعية، يكون الاستبداد هو المسؤول الأول عنه، بحيث يكون بشار الوريث الأوحد، والقاتل لاحقاً، وقرداحي، المذيع الأشهر، والمبرر للقتل لاحقاً.

إقرأوا أيضاً: