السجين المصري والسيجارة…
تجارة تعديل المزاج

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

السجائر في السجن تعتبر عملة نقدية بامتياز، ولا شك في أنها فاقت البونات الورقية في اكتسابها شرعية وخصائص العملة. وأصبحت عاملاً أساسياً في صنع التجارة والاقتصاد داخل السجن.

حين رأيت للمرة الأولى  سجيناً يشعل سيجارتين في الوقت نفسه، اعتقدت أن سيجارةً واحدة لا تكفيه. إلا أنه أخذ نفساً طويلاً من السيجارتين، وألقى واحدة منهما في الهواء مشتعلة، قائلاً: “أحلى مسا يا زميل”. تلقاها سجين على الطرف الآخر في أقصى الزنزانة على كف يده. ثم راح يدخنها.

تكرر هذا المشهد أمامي مرات عدة على مدار أعوام سجني، ولا أعرف لماذا يشعل السجناء السجائر قبل إلقائها في الهواء لزملائهم كهدية مشتعلة وجاهزة للاستخدام.

فكرت في أن الأمر قد يكون تعمداً وإصراراً على المبالغة في التحية، فالسيجارة هي أبلغ طريقة لإلقاء السلام في السجن، أو التمسية على الأصدقاء والغرباء. وفكرت في أن السجين ربما  يطمح من إشعالها بإصابة الهدف، حتى لا تضل السيجارة طريقها، ولا يلتقطها أحد غير الزميل المقصود. في أي حال يمكن فهم هذه العادة، من ضمن السياق الأكبر الذي يحيط بحياة السجناء، وهو نزوعهم الدائم لفعل أشياء غريبة وخارجة عن المألوف.

السعي نحو السيجارة والحرية

إذا كان هناك شيء واحد يسيّر الحياة داخل السجن، في الليل، وفي النهار، فهو بالطبع السجائر. تعد السجائر جزءاً مهماً من اللغة والحركة داخل هذا المجتمع. لا الحركة بمعناها المجازي وحسب، والتي تصنع السهرات والحكايات الليلية وقصص المساجين المثيرة وأحاديثهم التي لا تنتهي، حول السجن والحرية والجريمة وموعد الإفراج. إنما أيضاً، تعدّ حركة حقيقية/ عضوية، تسيّر جسد السجن نحو الأمام، كما تساهم في بناء مجتمع كامل واقتصاد (سجنيّ) حقيقي يدور معظمه حول السيجارة. 

بدايةً من “الشيّال” المسجون الذي يحمل أكياس السجناء من قاعة الزيارة إلى زنازينهم في مختلف العنابر، مروراً بالعامل- الذي يطلق عليه اسم المصنّع- والذي يخرج في الصباح ليمضي نهاراً كاملاً في العمل في أحد المجالات المتاحة، كمطابخ السجن وغرف التصنيع والورش (الحلاقة والكي والنقاشة وأحياناً الحدادة)، وصولاً إلى المسؤول الجنائي- الكبير- الذي يجلس على كرسيه أمام العنابر ليجمع الجباية من السجناء العابرين من هنا وهناك. هؤلاء جميعاً، تجمع بينهم على اختلاف درجات سعيهم وحجم سلطتهم، حركة تنظمها علب السجائر.

 إنهم لا يتحركون إلا بغرض تجميع هذه العلب. ومن ثم تدخينها أو المقايضة بها، كونها تحولت إلى عملة شرائية في حد ذاتها، هذه الحركة نحو تجميع السجائر، تعد حركة اقتصادية في الأساس، تخدم  فكرة التطلع- التعويضي- للوصول إلى شيء مفقود، وصناعة يوم السجن الاعتيادي.

إن السعي الجماعي، الحثيث والدؤوب، نحو امتلاك السجائر، يعد جزءاً من السعي الأكبر نحو الحرية، المرتبطة دائماً بالحق في التملّك، وهو الأمر الذي يمنعه السجن- بطبيعة الحال- كوضع سالب للحيازة والامتلاك. كما أن علب السجائر من شأنها أن تصنع سلطة، فعندما تمنحها إلى من هو أعلى رتبةً منك داخل هذا المجتمع، فإنه يتنازل لك في المقابل، عن جزء من سلطته، ويغض بصره عن بعض الأمور.

إقرأوا أيضاً:

اقتصادات السجن… السجائر و”البونات”

ينقسم السوق في السجن إلى ثلاثة أساليب للتعاملات التجارية، أولها وأكثرها شرعية هي “البونات” الورقية التي تصكها أو تصنعها مصلحة السجون، وهي أوراق عادية بحجم تذاكر القطارات في مصر، لكنها تشبه أوراق الدفاتر المدرسية والكراسات.

 هذه الأوراق تحمل قيماً نقدية تتراوح بين الخمسة والمئة جنيه. عليها ختم من ضابط السجن المسؤول عن المالية، أو أمين الخزانة. تلك هي العملة الرسمية في السجن، والتي يتم استبدال الأموال الحقيقية بها منذ الحصول عليها في قاعة الزيارة. وبذلك تكتسب- داخل محيط كل سجن على حدة- قيمة الأموال المستبدلة بها، والتي تتم بموجبها- رسمياً- عمليات البيع والشراء من الكانتين، وأنواع المعاملات التجارية الأخرى بين السجناء.

 وإذا تفحصنا هذه الطريقة، سنجد تجريدات مركبة تنطوي عليها هذه العملية الاستبدالية، التي تشحن الورق العادي قيمةً شرائية. وهو بشكل ما، نوع من أنواع تعادُل القيمة، والذي يعرف في الاقتصاد بالتكافؤ بين سعري عُملتين، عندما تمكن مبادلة الواحدة بالأخرى بالسعر ذاته، إلا أنه يظل تكافؤاً ناقصاً ما دام لا يمكن تحويل هذه “البونات” مجدداً إلى أموال حقيقية في يد السجناء.

هذا التجريد المركب يتمثل أساساً وبدايةً من الفكرة المجردة للأموال، والتي أشار إليها عالم الأنثروبولوجيا ديفيد غرايبر، في كتابه “الديون”. والتي تعد- باختصار- فكرة لا وجود لها لولا تعارف الناس واتفاقهم على ما تحمله النقود من قيمة شرائية. ويُقصد بالتجريد هنا، أنها لا تحمل قيمة حقيقية مثل الذهب أو الفضة أو حتى السجائر .

بيد أن هذه الأموال المجردة، يتم تجريدها مرة أخرى على عتبة السجن، فتتحول إلى أوراق دفاتر مدرسية لا قيمة لها خارج أسوار السجن. بل لا قيمة لها خارج أسوار كل سجن على حدة. أي لا يمكن استخدام بونات سجن في سجن آخر. لأن كل ختم على هذه الأوراق يحمل اسم السجن الذي تستهدفه هذه الأوراق كسوق تجارية.

الأمر الذي يجعل من هذه البونات عملات أجنبية متنوعة في سياق السجون ككل، إضافة إلى ذلك، يجرد فكرة “البونات” تجريداً ثانوياً، ويضع حدوداً لقيمتها الشرائية بين مختلف السجون.

تخلق هذه العملية- الاستبدالية- للأموال بالأوراق، نوعاً من الضمانة المطلقة و(النادرة) لبيع السوق التجاري الرسمي كله قبل عملية البيع والشراء الفعلية. ولا تهتم السلطة -التي تحصل على هذه النقود مقابل البونات- بتفاصيل أخرى في عملية البيع والشراء التي تتم بين النزلاء داخل السجن، لأنه بمجرد تحويل الأموال إلى بونات، يتم بيع كل البضاعة الموجودة داخل الكانتين، بل وتحصل إدارة السجن على أرباحها مسبقاً. فلا يهم بعد ذلك مصير هذه البضاعة، ولا خشية من كيفية تداولها أو كسادها، إذ تم تحصيل قيمتها وبيعها سلفاً بتحويل الأموال الحقيقية إلى أوراق مدرسية.

الطريقة الثانية للتعاملات التجارية داخل السجن، هي الاحتفاظ بالأموال الحقيقة في حوزة السجين، وهي طريقة محرمة داخل السجن، ويتم الحصول عليها بطرق غير شرعية عن طريق تهريبها من الخارج، وهي نادراً ما يتعامل بها السجناء نظراً لقلة وخطورة تواجدها داخل السجن، وتعاقب عليها إدارة السجن بشدة في حال ضبطتها في حيازة أحدهم.

حين رأيت للمرة الأولى  سجيناً يشعل سيجارتين في الوقت نفسه، اعتقدت أن سيجارةً واحدة لا تكفيه. إلا أنه أخذ نفساً طويلاً من السيجارتين، وألقى واحدة منهما في الهواء مشتعلة، قائلاً: “أحلى مسا يا زميل”.

السجائر كعملة نقدية

الطريقة الأخيرة، والأكثر فاعلية وإثارة هي السيجارة، فإذا تتبعنا علب السجائر، منذ لحظة شرائها من الخارج حتى وصولها إلى قاعة الزيارة، ومن ثم دخولها إلى الزنازين، ثُمّ تهريبها بعد ذلك، لبيعها في الخارج من جديد، سنكتشف رحلةً اقتصادية مثيرة.

السجائر في السجن تعتبر عملة نقدية بامتياز، ولا شك في أنها فاقت البونات الورقية في اكتسابها شرعية وخصائص العملة. وأصبحت عاملاً أساسياً في صنع التجارة والاقتصاد داخل السجن، السجناء اخترعوا هذه الحيلة بالفطرة.

الرأسمالية جردت فكرة الأموال، لسرعة وتسهيل تداولها في كل البلدان، وصنع اقتصاد عالمي قوي وسريع. فلا يمكن تخيل شكل اقتصادات اليوم مع فرضية بقاء التعاملات النقدية بالذهب- وحده- كعملات رسمية متداولة حول العالم. لا شك في أن الاقتصاد سيكون حينها بطيئاً وسيكون العالم أثقل مما هو عليه آلاف المرات.  

بيد أن السجناء يرفضون هذا التجريد ويضيفون قيمة حقيقية على العملة لصنع اقتصاد خاص بهم. لكنه اقتصاد خفيف ومراوغ، ويمكن تدخينه أيضاً لـ”ترويق” المزاج وتمضية الوقت. وهنا تكمن ميزة السجائر في السجن عن الأوراق النقدية، كونها تحمل قيمة وظيفية/ حقيقية في حد ذاتها، إضافة إلى القيمة الشرائية المجردة التي تملكها الأموال. 

ولفهم طبيعة السجائر كعملة، يمكننا النظر إليها من زاويتين، الأولى تشبه إلى حد ما المقايضة، عندما تريد امتلاك شيء أو الحصول على طعام يمكنك دفع قيمته بـ”علب السجائر” كما أنك تستبدل السجائر بأنواعها المختلفة، أي يمكنك شراء السجائر بالسجائر كأنك تفك مئة جنيه.

إذا نظرت إلى أفراد الجماعات الإسلامية- الذين يحرمون السجائر في العادة – وهم يحضرون في زياراتهم “قرائص” السجائر ستدهشك هذه المفارقة. بيد أنهم يخضعون بالطبع لمتطلبات السوق، التي تجعلهم يحملونها على مضض، ليحافظوا على مكانتهم في السوق. 

النظرة الثانية والأكثر شمولاً، هي رحلة السجائر الاقتصادية منذ شرائها حتى بيعها. يقوم السجناء بالعمل- سواء في صناعة الأشغال اليدوية الحرة أو الأعمال الوظيفية الرسمية في السجن- مقابل علب السجائر. كل شيء يفضّل أن يكون بالسجائر في المقابل. حتى يتسنى للسجين – ويكون عادة من الجنائيين- جمع كمية معقولة من العلب، ووضعها في شنطة يد، ومن ثم تسليمها إلى ذويه في الزيارة، لكي يتولوا عملية بيعها بسعر أقل من الجملة لأكشاك متفقين معها مقابل النقود. إنها عملية دائرية تستهدف الحصول على الأموال في النهاية. 

هذه العملية  تخلق نوعاً مختلفاً من تجربة الاقتصاديات غير النقدية، كما تخلق نمطاً لمجتمع يدور سياقه اليومي- تقريباً- حول السجائر. إضافة إلى ذلك، توضح مدى تغلغل تأثير الجنائيين على أنماط الحياة داخل السجن، لا سيما من ناحية تشكل عادات ذلك المجتمع ولُغته.أيضاً، تسلط الضوء على سلطة سلعة معينة تتحول في مجتمع مغلق إلى عملة.

الديناميكية التي تربط بين هذا المجتمع والسيجارة، تعد نموذجاً لتجربة مختلفة، (مادية وغير مادية في الوقت نفسه) بفضل سلطة السجائر السحرية، التي تصنع الاقتصاد والتجارة، كما يتم إلقاؤها للأصدقاء والغرباء، تمسية أو إلقاءً للتحية. فكما قال ديفيد غرايبر؛ قد يبدو منطقياً أكثر أن تسأل شخصاً غريباً سيجارة، على أن تسأله مبلغاً نقدياً معادلاً لها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني