ماذا لو كنت مهاجراً عالقاً على الحدود البولندية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في زمن بتنا نشاهد فيه رحلة اللجوء "لايف"، تتابع والدة صديقتي فيديوات من الحدود الباردة، تبحث فيها عن وجه ابنها بين المهاجرين لكنها لا تراه، تخبرها صديقتي بأنه ليس مع اللاجئين المحاصرين إنما يحاول قطع الحدود مع مجموعة صغيرة.

كلّ ما يحدث من حولنا يدفعنا للسؤال حول العدالة الحقيقية ومئات المنظمات الحقوقية  والقوانين ودورها الحقيقي، هل كلّ ما ننادي به من عدالةٍ هو مجرد وهم نبيعه للأجيال؟ هل تحققت العدالة الإنسانية ولو مرة واحدة؟ ابتداءً من الحرب السوريّة وصولاً إلى انفجار بيروت، ضحايا جرائم قتل النساء وتعنيفهن، والعنصرية ضد الأقليات، تزويج القاصرات، وليس نهاية بمحاربة الحريات والكثير من الجرائم التي تُرتَكب في كلّ يوم بحقّ آلاف البشر الذين ننتمي لهم، كلّ هذا يجعلني أسأل: “ماذا لو كنتَ مهاجراً عالقاً على الحدود البولندية؟”.

هل هذه مقدمة جيدة للحديث عن ثلاثةِ قبور لثلاثة مهاجرين عرب، وضعتْ إلى جانب بعضها في إحدى الغابات على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا، في مشهدٍ أقرب لمشاهد السينما؟ ثلاثة قبور وثلاثة أحلام وثلاث عائلات منكوبة بالفقدان. وكأن على الحياة تذكيرنا طوال الوقت بحجم الأسى والدمار الذي نعيشه ونحاول تجاهله. 

لا فائدة من إحصاء أعداد المهاجرين أو الذين ماتوا في رحلة عبورهم الشاقّة، أرغب بالتكلم عن الإنسانية التي نتخيلها ونريدها. وبينما تصلنا الأخبار من وسط الغابات البيلاروسية، أتابع أخبار أخ صديقتي الذي علق على الحدود بين البلدين لكنه محظوظ بحسب صديقتي لأنه لم يعلق مع آلاف المحاصرين، ما زال حراً بين الحدود يبحث عن مخرج، “كم تبدو كلمة حرّ هنا مبتذلة وغريبة”، الحريّة داخل اللاحريّة، داخل الخوف والانتظار، تجب إعادة تعريف الحرية في هذه الحالة، لشاب يبحث عن ثغرة بين الحدود، عن دقائق يشرد فيها حرس الحدود أو يذهبون لتناول الطعام ليعبر، هل الحرية تعني الوقت المقتطع لحظة ذهاب حرس الحدود لتناول الطعام!

أتابع ردود فعل صديقتي، خوفها، صلواتها، فرحها حين وصول أخبار جيدة وبكاءها عند انقطاع أخباره، هل هكذا يبحث الواحد عن حريته؟

ماذا لو كنتِ مهاجرة على الحدود البولندية؟ 

جميعنا سمع بقصة المرأة الحامل التي حاولت العبور وعلقت في الغابة 20 يوماً، ثم فقدت جنينها إثر ذلك، فالرحلة قاسية والرحم الإنسانيّ لم يحتمل الرحلة الشاقة، ولا الجنين صمد أمام الوقت الطويل للوصول إلى الإنسانية، خسرت الأم طفلها في المكان الواقع بين الحريّة والديكتاتورية، جنينٌ سقط بين الحدود قبل وصوله إلى الحرية، جنين لم يعرف لا الديكتاتورية ولا الحريّة، علق تماماً بينهما…

ماذا لو كنتَ سياسياً عالقاً على الحدود البولندية؟ كيف يمكن إجبار العالم على الشعور بنا والتعامل مع ضحايا الهجرة غير الشرعية بإنسانية؟ هل على الغرب تجربة رحلة اللجوء كي يدرك حجم الرعب الذي نعيشه؟ من الجيد اختراع لعبة تدعى “عبور الحدود”، لعبة خاصة بسياسيّي الغرب، يسلكون طرق المهاجرين ويعانون الأخطار ذاتها “لكن من دون أن يموتوا”، فلو ماتوا لن تكون اللعبة لعبة، ليجربوا ذات لعبتنا الخطرة، نحن أنفسنا نحاول الهرب، من البلاد المنكوبة والضعيفة التي قتلتها الديكتاتورية، نفرّ من العراق وإيران وسوريا وأفغانستان وأفريقيا واليمن. نحن أنفسنا كلما سمعنا ببلد فتحت أبوابها للهجرة، هرولنا وبعنا ممتلكاتنا وأحلامنا وكل ما ادخرناه لسنوات وجرينا نحو الحدود، وصرنا لاجئين. نحن ننتظر الكهرباء لساعات ونحلم بالعمل مذ تخرّجنا من الجامعات لكن لا عمل ولا حياة ولا أضواء تؤنس عتمة ليالينا، لقد اعتدنا الشكوى والتذمر من الأشياء ذاتها طوال سنوات.

في رحلة العبور يتكشف الجانب السياسي وتضمحل الإنسانية، إنها مجرد حرب بين دولٍ تريد هزيمة بعضها بعضاً، حتى وإن عبر استجلاب المهاجرين ورميهم على الحدود، إنها حربٌ باتت أسلحتها المهاجرون والبشر والأطفال والنساء الحوامل.

 الحرب التي تُصرَف فيها ملايين الدولارات لمنع الإنسان من الحياة ولبناء المنشآت الخاصة بذلك على الحدود، كما تخطط بولندا، بينما يمكن أن تساعد هذه الملايين آلاف المهاجرين، عجيب هذا التناقض!

إقرأوا أيضاً:

أكثر من 30 ألف محاولة للعبور منذ آب/ أغسطس، هناك لاجئون يحاولون مراراً وتكراراً، يصلون إلى الحدود ثم يعيدهم الحرس مجدداً، أتتخيل رحلة تكاد تصل فيها إلى المكان المنشود ثم تضطر للعودة إلى نقطة البداية وهذا يعني الغابات ذاتها والمستنقعات والمخاطر ذاتها، تخيل أنك تعيش كالهمتارو داخل رحلة اللجوء وكلّ ما تملكه هو الأمل، هل يكفي الأمل في رحلة العودة والرجوع؟

الحياة الكريمة مجرد خدعة هنا، خدعة ثمنها آلاف الدولارات، والموت والإهانة، بشر يضربون بعضهم كيلا يكملوا الطريق، تخيل أنك تضرب شاباً لا يملك خياراً، وأنك لو لم تساعده سيكون أقرب للموت، مع ذلك تستمر في ضربه، هكذا تتلاشى الإنسانية شيئاً فشيئاً، وهكذا يظنون أنهم يحمون بلادهم من المهاجرين.

ماذا لو كان ابنكِ عالقاً على الحدود البولندية؟ 

في زمن بتنا نشاهد فيه رحلة اللجوء “لايف”، تتابع والدة صديقتي فيديوات من الحدود الباردة، تبحث فيها عن وجه ابنها بين المهاجرين لكنها لا تراه، تخبرها صديقتي بأنه ليس مع اللاجئين المحاصرين إنما يحاول قطع الحدود مع مجموعة صغيرة. على رغم ذلك تواصل الأم مشاهدة الفيديوات، من دون أن تعرف أن حرس الحدود البولندية أعاده بالفعل إلى نقطة الصفر وعليه تكرار رحلةٍ شاقةٍ استمرت أسبوعاً، كل ذلك لأجل الحياة والحريّة. 

حرية قد تعني أن تدفن في أرض غريبة، أو أن تموت وحيداً بين الأشجار العالية، وكأن الطبيعة هي التي تدفنك، الطبيعة التي قد تكون أكثر رأفة بجسدك، أنت الذي تفكّر الآن: “ماذا لو كنتُ مهاجراً عالقاً على الحدود البولندية؟”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

لبانة غزلان – كاتبة سورية
أن تعيش بهوية جندرية مختلفة أو خاصة فهذا أمر مربك ومعقد في المنطقة العربية، والأمر يزداد صعوبة وخطورة في دولة خليجية صغيرة مثل الكويت.
Play Video
يزخر المشهد الخليجي بالكثير من الأحداث الاحتفالية فنياً وثقافياً في سياق ما يعرف بسياسة الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي، لكن الحفاوة التي تطغى لا تخفي مساحات مظلمة عديدة خصوصا تلك المتعلقة بالقضايا الحقوقية والسياسية.

41:35

Play Video
عن سالي وزينب وأخريات، تعرّضن للخيانة والتخلي من قبل شركائهنّ، إثر إصابتهنّ بالسرطان… والحجة جاهزة دائماً، تلبية الحاجات الجسدية!

3:20

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني