هادي… الرئيس اليمني الذي نسيته حتى جدران بلاده

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد إحكام سيطرتهم على العاصمة صنعاء، منع الحوثيون الكتابة والرسم على حيطانها ولم يتركوا سوى شعاراتهم..

قبل سنوات كتب مجهول على أحد جدران صنعاء الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي “متنا من الجوع ولم تمت أمريكا”، في إشارة إلى شعار الجماعة “الموت لأمريكا الموت لإسرائيل”، وإلى أن الحرب التي أشعلها الحوثيون بشعارات معادية لأميركا وإسرائيل، قتلت اليمنيين بالفعل.

تزخر الجدران اليمنية خصوصاً في صنعاء بشعارات سياسية تعكس حجم الانقسام وتداعيات الحرب في السنوات الأخيرة. 

بعيداً من الحضور الطاغي للشعار الديني، إلا أن اللاعبين المحليين و الإقليميين في الحرب اليمنية حاضرون على جدران المدن.

بخط جميل وبلون أزرق وعلى جدار شارع رئيسي في مديرية خورمكسر في محافظة عدن، كتب مجهول معارض لتدخل المملكة العربية السعودية في اليمن، “يا سعودي يا كذاب أنت الداعم للإرهاب” و”يرحل الاحتلال السعودي، السعودية العدو التاريخي للجنوب”، وبخط آخر ولون مختلف كتبت عبارة طمس منها اسم “الميسري”، تؤيد نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في حكومة بن دغر، أحمد الميسري والذي ظهر في فيديو إثر الاشتباكات التي وقعت في عدن بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إمارتياً وبين قوات الرئيس عبد ربه منصور هادي عام 2019، مهاجماً التحالف، ومتهماً إياه بدعم تمرد الانتقالي على الحكومة الشرعية. ويتضح من العبارتين أن كاتبيهما لديهما الموقف ذاته من السعودية وإن اختلفت الصياغة.

كتابات كثيرة على جدران عدن وبعضها على جدران المكلا، تتمحور حول الاستقلال مما وصف بـ”الاحتلال اليمني”، مع عبارات تأييد للإمارات ورئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي. أما الشعار الذي يُجمع عليه أنصار فرقاء حكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وتظهر على جدران المدن التي يسيطرون عليها هو “الموت للحوثي”. 

كما أن أشهر شعارات ثورة 11 فبراير 2011 التي أطاحت بالرئيس صالح “إرحل يا علي” و”الشعب يريد إسقاط النظام” ما زالت شاهدة على ثورة مرت من هنا قبل أكثر من 10 سنوات.

كيف أخرس الحوثيون صوت الجدران؟

بعد إحكام سيطرتهم على العاصمة صنعاء، منع الحوثيون الكتابة والرسم على حيطانها ولم يتركوا سوى شعاراتهم واقتباسات من محاضرات مؤسس الجماعة حسين الحوثي، وشعارات تحريضية ضد لقاحات الأطفال أو اتهام إسرائيل وأميركا والسعودية أنها وراء انتشار الأمراض والأوبئة، وكتابات عن الولاية وارتباطها بالنصر.

عام 2017، ومع تصاعد حدة الخلافات والتوتر بين الحليفين الحوثي- صالح التي تطورت إلى اشتباكات أواخر العام نفسه وانتهت بمقتل صالح، قالت تقارير إعلامية إن مواطني مدينة الحديدة استيقظوا على شعارات منددة بالحوثي “الموت للحوثي” و”لا حوثي بعد اليوم”، ما حدا بالحوثيين إلى إزالتها على الفور ومنع الكتابة على الجدران.

هكذا حتى حيطان المدن أخرسها الحوثي ولا صوت يعلو فيها على صوته.

في تعز يختلف المشهد قليلاً إذ لا تحضر على جدرانها (التي مررت من أمامها على الأقل) مشاريع التحالف.

سنمر على شارع كتب على جداره عبارة تطالب برحيل محافظ المدينة المقيم في القاهرة نبيل شمسان “ارحل نبيل شمسان”، وفي الحارات التي شارك أبناؤها في تحرير مدينتهم من الميليشيات الحوثية كتابات تؤيد المقاومة، تترحم على “شهداء” التحرير، وتتوعد بالثأر والخلاص من الحوثيين. 

عام 2019، كتب جرحى المقاومة الذين أهملتهم السلطات على جدار مبنى شركة النفط عبارات كثيرة تتحدث عن إهمالهم وعن الفساد منها، “هنا بؤرة الفساد”.
سارعت السلطات في تعز إلى إزالتها وإعادة طلاء الجدار، السرعة في إزالة الكتابات أثارت سخرية نشطاء طالبوا السلطات بسرعة تنظيف المدينة من النفايات كما فعلت بالكتابات.

لماذا مع توفر منصات أتاحت فرصة التعبير عن الرأي للجميع كمواقع التواصل الاجتماعي، يلجأ البعض إلى الكتابة على الحيطان ولماذا تخشى الأنظمة الجدران؟

ربما لا يرتبط الأمر بالخوف من القمع، بل هي محاولة لإبقاء الشعارات حية، للتاُثير في وعي الناس وثقافتهم، إذ يعتقد البعض أن الكتابة على الجدران تعمّر أكثر من منشورات مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول الكاتب الصحافي خالد عبد الهادي، “كتابة الشعارات السياسية على الجدران إحدى وسائل الدعاية السياسية الأكثر وصولاً إلى المتلقين إلى حد أن بمقدور سكان مدينة ما، أن يقرأوها لمدة طويلة، وهذا يتفوق على الدعاية عبر مواقع التواصل في بلاد تعاني رداءة شديدة في خدمة الإنترنت وصعوبة الوصول إلى الحسابات والصفحات الرائجة”.

ويشير إلى أن “الدعاية السياسية إما تحريض إذا كانت شعاراتها موجهة ضد نظام قائم أو تبشير به وتزيين له إذا جاءت داعمة له، ومن ثم فمن الطبيعي أن يحظر أي نظام حاكم التحريض السياسي ضده بطريقة الشعارات الحائطية”.

يوضح عميد مركز الإرشاد والبحوث النفسية في جامعة تعز الدكتور جمهور الحميدي، بعض الدلالات النفسية لهذه الظاهرة فبحسب بعض الدراسات، هناك سمات شخصية مشتركة لمن يمارسون هذه السلوكيات، فهم يشتركون في واحدة أو أكثر من تلك السمات كالإحباط والتذمر والقلق والفراغ، كما توضح دراسات أخرى أن هؤلاء الأفراد يعيشون في بيئات تقيّد حرياتهم ويعاني فيها الأفراد من الكبت والحرمان من حقهم في التعبيرعن آرائهم، ما ينعكس على سلوكياتهم التي غالباً ما تكون عدوانية.

ويرى الحميدي أن الكتابة على الحائط وسيلة اتصال وتواصل يعبر من خلالها المرء عن رأيه وأحلامه وأفكاره ومعاناته، مثل أي وسيلة تواصل ولكل حقبة اداة تواصلها.

ويلفت إلى أن تعدد وسائل التواصل الاجتماعي خفف من هذه السلوكيات بشكل كبير إذ استبدل الأفراد جدران الشوارع بمواقع التواصل الاجتماعي.

كما يرى عبد الهادي أن الكتابات الحائطية انعكاس لعناء الهوة بين الحلم والواقع، مشيراً إلى أن غريزة حب الذيوع البشرية التي يرتفع مستواها لدى فئة المراهقين المتلقين لتلك الأفكار تدفعهم إلى اختراع طرائقهم الخاصة للذيوع، ولكنها طرائق بدائية والطريف أنها لا تخلق الشهرة المرجوة بل تحبس أصحابها في نطاق الحارة أو الحي في أفضل نتائجها. 

إقرأوا أيضاً:

رئيس اليمن الغائب 

اللافت في كل هذا وفي بلد اعتاد حضور الرئيس كزعيم وقائد يُمجد، أن الرئيس عبد ربه منصور هادي غاب عن جدران تعز وعدن والمكلا. ربما مرد ذلك إلى الخصائص الشخصية ونوعية الدعاية التي يعكسها الإعلام عن القادة إلى الجمهور المتلقي. الإعلام الرسمي يضخ إلى المتلقين ما قد يكون نصف حقيقة أو دعاية صرفة أو أساطير خالصة في ما يخص الزعماء لكن الجمهور العادي يتلقاها على أنها حقيقة ومع تقادم الزمن تكتسب طابع الأسطورة.

في المنطقة العربية، تنبع جاذبية الزعماء وتفعل فعلها في وعي المتلقين، من صفاتهم الجسدية وصولاً إلى قدراتهم القيادية وقراراتهم مثيرة الجدل، إضافة إلى تكريس الإعلام الدعائي لشخصياتهم طوال بقائهم في السلطة. وبمقارنة كل ذلك بما لدى هادي يصبح عدم تأثر العامة بصورته مفهوماً ومقنعاً.

غاب الرئيس عن أحداث كبرى وغاب حضور القائد في الإعلام وبالتالي غاب عن وعي الجمهور وتأثيره فيهم، فلا جدوى إذاً من مخاطبته.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني