“باتريك جديد خلف القضبان”:
رامي كامل يعاقب لتغطيته أوضاع مسيحيي مصر

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الناشط رامي كامل من أبرز الأسماء التي تمسكت بالحديث عن القضية القبطية، متطرقاً إلى مسائل شائكة مثل استمرار التعامل مع الملف القبطي بشكل أمني لا حقوقي، فيما تتم محاصرة أي حديث عن حقوق الإنسان والحريات الفردية. 

أفرجت السلطات المصرية عن الباحث والكاتب باتريك جورج بعد عامين من الحبس الاحتياطي بسبب مقال عن أوضاع مسيحيي مصر، كان نشره “درج”.

اليوم تتكرر المحنة مع الناشط القبطي رامي كامل، رئيس “مؤسسة ماسبيرو لحقوق الإنسان”، الذي أمضى عامين من الحبس الاحتياطي منذ إلقاء القبض عليه في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 بالاتهامات ذاتها التي وجهت إلى جورج.

رامي كامل سُجن احتياطياً على ذمة القضية 1475 لسنة 2019، منهياً بذلك الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطي المنصوص عليها وفقاً للمادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية المصري، ومع ذلك لا يزال استمرار حبسه شاهداً على التعامل الأمني المتعسف، واحتجازه دون وجه حق بتهم مطاطية مثل الإرهاب ونشر الأخبار الكاذبة.

“المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، جددت مطالبها بإخلاء سبيل الناشط القبطي رامي كامل، والتوقف عن تلفيق تهم الإرهاب من دون سند، وأفادت هيئة الدفاع بأن رامي كامل محبوس انفرادياً، ومحروم من حقوقه التي كفلها الدستور والقانون بغض النظر عن وضعه القانوني، مثل الحرمان من التعرض للشمس وممارسة التريض، ما يؤثر سلباً في حالته الصحية خصوصاً أنه يعاني من حساسية الصدر.

“المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” أوضحت في بيانها كيف تم التعامل مع رامي بعدائية، «تمت مصادرة هاتفه والكاميرا والكمبيوتر الشخصي الخاصين به. وبعد اختفاء ساعات، تعرض فيها للضرب والإهانة، حسبما ورد في أقواله لاحقاً، ظهر رامي في مقر نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس، وتم التحقيق معه للمرة الأولى في غياب محاميه، ما دفع هيئة الدفاع عنه وقتها إلى تقديم تلغراف للنائب العام ووزير العدل بشأن التحقيق مع موكلهم دون محام، مطالبة بفتح التحقيق في واقعة إخفائه وتعذيبه».

أصبح اسم رامي كامل حاضراً بقوة في الفعاليات القبطية، وشارك في تظاهرات تندد باستمرار تعامل الدولة المصرية مع الأقباط كمواطنين درجة ثانية، بالترهيب تارة، أو إلقاء الاتهامات بالإرهاب تارة أخرى لمن تخول له نفسه الحديث عن أحداث العنف الطائفي.

رامي كامل… الجزرة والعصا لمخالفي الرأي الرسمي للدولة

الناشط رامي كامل من أبرز الأسماء التي تمسكت بالحديث عن القضية القبطية، متطرقاً إلى مسائل شائكة مثل استمرار التعامل مع الملف القبطي بشكل أمني لا حقوقي، فيما تتم محاصرة أي حديث عن حقوق الإنسان والحريات الفردية. 

قبل تاريخ القبض على رامي كامل عام 2019، كان من المقرر أن يلتقي بلجان في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بخصوص الحديث عن لغات الأقليات في الشرق الأوسط، وما كان يشغله وقتها هو اللغة القبطية، واقتصار تداولها داخل بعض الصلوات بالكنائس القبطية الأرثوذكسية فقط، غير أن الحبس حرم رامي كامل المشاركة في هذه اللجنة.

يصعب وضع اليد على شيء محدد أوقع رامي ضحية النظام السياسي الحالي الذي ينصب الفخاخ للمتحدثين عن حقوق الإنسان، ثم يرسم لنفسه أمام المجتمع الغربي صورة تنفي ممارسات التعسف والتنكيل بالنشطاء والصحافيين والحقوقيين. لكن إضافة إلى عمله في مجال حقوق الإنسان، أزعج رامي النظام الأمني في نواحٍ عدة.

بحكم نشاطه في ملف الأقليات وبروز اسمه تحديداً منذ أحداث مذبحة ماسبيرو 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، وهي المذبحة التي تورط فيها الجيش المصري في قتل مدنيين مسيحيين، أصبح اسم رامي كامل حاضراً بقوة في الفعاليات القبطية، وشارك في تظاهرات تندد باستمرار تعامل الدولة المصرية مع الأقباط كمواطنين درجة ثانية، بالترهيب تارة، أو إلقاء الاتهامات بالإرهاب تارة أخرى لمن تخول له نفسه الحديث عن أحداث العنف الطائفي.

كانت صفحة رامي على “فايسبوك” بمثابة نشرة إخبارية صادقة يعرف منها الجميع ما يحدث بالتحديد في المحافظات الأكثر اشتعالاً، لا سيما تفاصيل أزمات عام 2013 التي شهدت الكثير من الأحداث الطائفية منها إحراق ما يزيد عن 80 كنيسة إلى بيوت خدمات تابعة لها، والاستيلاء على ممتلكات مواطنين مسيحيين، وطرد عدد من الأسر من منازلهم، بناء على هويتهم الدينية.

 وكان لمحافظة المنيا وقتها نصيب الأسد من هذه الأخبار التي كانت تحاول الدولة إخفاءها في بعض الأحيان أو إظهارها في صورة خلافات بين طرفين، وليست اعتداءات طائفية، وقتها كانت لرامي قاعدة بيانات واسعة، بحيث أرسل له مواطنون استغاثات، وكان يتابع أوضاعهم ويكشف في منشوراته أوجه التقصير الأمني الذي رافق هذه الأحداث.

أزمة أخرى وضعت كامل في واجهة المدفع أمام الجهات الأمنية، حين فضح مطالبات الأمن الوطني للكنيسة الأرثوذكسية بإزالة لوحاً رخامياً يضم أسماء ضحايا مذبحة ماسبيرو، التي وقعت في محيط مبنى الإذاعة والتلفزيون وسط القاهرة، وذلك للعبارة المكتوبة عليه:  «هنا ترقد أجساد بعض الشهداء أولاد الشهداء انضموا إلى المذبح السمائي في 9-10-2011 برصاص ومدرعات الجيش المصري أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) أثناء وقفة سلمية – بدون سلاح- لوقف هدم الكنائس في مصر».

الإشارة إلى جرائم دهس المتظاهرين، بقيت شوكة في حلق جهاز الأمن الوطني، حاول أفراد منهم التفاوض مع أسر الضحايا الذين قتلوا في مذبحة «ماسبيرو»، والتي بدأت باتفاق قوى سياسية وحركات قبطية على تنظيم مسيرة سلمية، انطلقت من دوران شبرا باتجاه مبنى الإذاعة والتلفزيون للتنديد بوقائع ما حدث في كنيسة «المريناب» في أسوان، خلال مواجهات بين المتظاهرين وقوات الجيش، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى

إقرأوا أيضاً:

ما مشكلة النظام الحالي مع حقوق الأقباط؟

مينا ثابت، المنسق الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة القلم الدولية، كشف عن حديث دار بينه وبين كامل، أخبره قبل القبض عليه بأسبوع، عن جلسة جمعته مع مسؤولين من جهاز الأمن الوطني خيروه بين التوقف عن الحديث في تلك الموضوعات التي ينشرها على صفحته، أو اتخاذ اللازم ضده، ملوحين باستخدام العنف في حال لزم الأمر، “فوجئت بعدها بالقبض عليه في تشرين الثاني/ نوفمبر”- بحسب مينا.

وفي حديثه مع “درج”، استبعد ثابت وجود سبب محدد لسجن رامي سوى طريقته- التي لم ترضَ عنها الدولة المصرية- لإظهاره حقيقة أوضاع المسيحيين في مصر، من خلال منشوراته عن حرائق الكنائس ومن يقف وراءها، وتوجيهه الاتهام لبعض القيادات الحكومية، ما جعله عدواً للنظام الذي يروج لنفسه بأنه الأمثل في التعامل مع الأقباط والأقليات الدينية.

لدى مينا أيضاً تجربة سابقة في السجن للأسباب نفسها، يقول: «ما حدث مع رامي حدث معي، باختلاف التوقيت، إذ تم القبض علي عام 2016،  كانت الأدلة ضدي هي أبحاث قدمتها عن حصر جرائم العنف الطائفي الموجه لمسيحيي مصر، مستنداً إلى حوارات أجريتها مع عشرات المتضررين من اعتداءات عنف على خلفية هويتهم الدينية من تهجير قسري، واعتداءات على ممتلكات وقتل، كلها أزمات رصدتها بشفافية وأرقام حقيقية، ثم فوجئت بأنها دليل إدانتي».

الشيء المشترك الذي استخلصه مينا من تجربته الشخصية، وتجربة صديقه رامي كامل، هو أن النظام المصري يكره الحديث عن الحقوق والحريات: «العقلية نفسها التي سجنتني، سجنت رامي أيضاً، بالاتهامات ذاتها المتعلقة بفكرة النشاط الخاص بحقوق الإنسان والتمويلات الأجنبية، من دون سند أو دليل على ذلك، فمن الناحية القانونية كلها ادعاءات مبنية على تقرير ضابط من الأمن الوطني الذي يقول إن هذا الشخص إرهابي وله نشاط معادٍ للدولة، ثم يتم التصديق على كلامه الكيدي من دون مراجعات قضائية».

ما مر به رامي كامل، ومينا ثابت، ومعهما باتريك جورج الذي قبض عليه هو الآخر للأسباب نفسها، يضعنا أمام صورة جديدة لإعادة استنساخ نظام الاعتقال الإداري أيام نظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، ووزير الداخلية وقتها حبيب العادلي، فمن خلاله كان يمكن سلب حرية الأفراد وسجنهم لسنوات طويلة من دون إجراءات ومحاكمات عادلة، بل فقط بتقرير من جهاز الأمن يقول إنهم إرهابيون أو يخططون لزعزعة استقرار الدولة المصرية.

تقاطعات متشابهة للقضايا ذاتها مع الباحث في الشأن القبطي باتريك جورج، فهو ضحية أيضاً سجن بتهم تم جمعها من حسابه الشخصي على “فايسبوك”، مفادها إشاعة أخبار وبيانات كاذبة، والتحريض على التظاهر دون الحصول على تصريح، والتحريض على قلب نظام الحكم، وإدارة واستخدام حساب على الشبكة الإلكترونية بهدف الإضرار بالأمن القومي، أما الجريمة الحقيقية غير المدونة ضد النشطاء جميعاً فهي الصوت العالي والتمرد على قطيع المصفقين لتلك الصورة الوردية التي تصدرها الدولة في أشد الأزمات الطائفية، متعاملة بعدائية شديدة مع من له وجهة نظر مخالفة لهذا التصور. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الصورة لا تجيب على أكثر من أنه لم يسرق الذهب. علينا أن نقدر له حفظه أمانة ثروتنا الذهبية التي لا تتجاوز قيمتها الخمسة مليارات دولار، أما المئة والعشرين ملياراً التي أطاحتها هندساته المالية، فهي خارج الكادر، ومن المستحيل أن تشملها الصورة، ثم إنها أوراق وأرقام، وليست ذهباً لامعاً
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني