كفنٌ لمستقبل العراق… وقليل من الـ”توك توك”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يخلفه المشهد لا يدفع على الشعور بأننا حيال تنوع هادئ، انما حيال هويات مشحونة بقدر من الاحتقان ومن الحروب الأهلية، خصوصاً وأن المشهد انعقد بموازاة حملة اغتيالات جديدة تتبادلها على ما يبد أجنحة متناحرة من الفصائل الولائية القريبة من ايران.

 وصل نواب التيار الصدري إلى الجلسة الأولى للبرلمان العراقي المنتخب مرتدين الأكفان، وهو تقليد كان افتتحه جَدُ التيار الذي قتله صدام حسين، السيد محمد صادق الصدر (للأحزاب في العراق آباء وأجداد)، ذاك أنه دأب على إمامة المصلين مرتدياً الكفن في دعوة ترحيبية بالموت، وواصل نجله السيد مقتدى هذا التقليد إلى أن نقله من المسجد إلى البرلمان.

إنها الجلسة الأولى لمجلس النواب العراقي الجديد، والكتلة الصدرية هي الكتلة الأكبر في المجلس، والنواب هم رجال السنوات العراقية الأربع القادمة، وها هم يرفعون الأكفان بوصفها الزمن العراقي القادم.

 73 نائباً اختارتهم الأمة. 73  كفناً لمستقبل العراق الذي من المطلوب منه أن يكون قريباً من الموت قرب أصحاب الأكفان منه.

لكن ليس الصدريون وحدهم من وصل إلى جلسة مجلس النواب حاملين احتمال الموت، ومقترحينه على الأمة العراقية، فالنواب الأيزديون وصلوا بزيهم “الأيزدي”، لكنه محمل بمأساتهم التي لم تنقض بعد! فهم ممثلو الجماعة المبادة، وزيهم هو استئناف لتلك المأساة المتواصلة. التراجيديا الأيزيدية في العراق حضرت أيضاً في جلسة البرلمان المنتخب الأولى. الإصرار على الزيّ، على ما يحمله من مفارقة في الحالة الأيزدية، هو تذكير للمكونات العراقية الأخرى بمأساة الإبادة والسبي التي تعرضت لها هذه الجماعة في جبل سنجار في العام 2014 عندما أقدم “داعش” على إبادة أهل الجبل وعلى سبي نسائهم، وهي المأساة التي ما زالت متواصلة عبر أكثر من ألف امرأة ما زلن مجهولات المصير! علماً أن الأيزدييون مقتنعون أن ليس “داعش” وحده من ارتكب الإبادة، بل جيران عرب ساعدوه وأبناء جلدة من الأكراد خذلوهم وحكومة شيعية لم تغثهم! الزي الأيزدي في الجلسة الأولى للبرلمان هو رسالة في كل هذه الاتجاهات!

المرء اذ يراقب ما سيجري في هذه الجلسة، لا يمكنه إلا أن يستقبل ما حملته هذه الأزياء من رسائل. الأقوى بينها كانت أكفان الكتلة النيابية الأكبر. على العراق فعلاً أن يرتعد من هذا المشهد، على رغم بعده الفولوكلوري، فهو ينطوي على موت، ولا يخاطب مستقبلاً!      

النواب الأكراد وصلوا أيضاً إلى مجلس النواب مرتدين الزي الكردي، وإذا كانت فعلتهم أقل حملاً لبعد مأساوي، لا سيما بعد سقوط نظام البعث، إلا أن اندراج الخطوة في مشهد الأزياء العراقية المتصارعة يبعث أيضاً على عدم الاطمئنان. فما يخلفه المشهد لا يدفع على الشعور بأننا حيال تنوع هادئ، انما حيال هويات مشحونة بقدر من الاحتقان ومن الحروب الأهلية، خصوصاً وأن المشهد انعقد بموازاة حملة اغتيالات جديدة تتبادلها على ما يبد أجنحة متناحرة من الفصائل الولائية القريبة من ايران. وبهذه المناسبة علينا أن نشكر الناخب العراقي مرة أخرى على عدم اقتراعه للفصائل المسلحة الشيعية، وإلا كنا شهدنا نوابهم وقد حضروا إلى جلسة المجلس اليوم حاملين القناصات التي استهدفوا فيها ناشطي احتجاجات تشرين!

لكن مشهد تقاطر النواب العراقيين المنتخبين إلى الجلسة الأولى لمجلسهم، حملت أيضاً مزيداً من المفارقات المشهدية، ذاك أن النواب التشرينيين، أي الذين ترشحوا وفازوا بوصفهم ممثلي ساحات الاحتجاج، قرروا المجيء إلى مقر البرلمان عبر عربات الـ”توك توك” التي تحولت أثناء التظاهرات إلى وسيلة نقل المحتجين، وإلى عربات نقل المصابين الذين استهدفهم قناصوا الفصائل المسلحة! الخطوة بدت أكثر رشاقة وخفة من خطوات جماعات الزي المثقلة بالمآسي وبالدلالات العنفية. بدا الـ”توك توك” شعيرة إيجابية، ولا ينطوي على تذكير بموت أو بمأساة، وهو تماماً، كما احتجاجات تشرين، محاولة لاستئناف زمن عراقي مختلف ومفارق لأزمنة الجماعات الدينية والقومية. لكن يبقى أن الـ”توك توك” أقل فعالية مما يخلفه الكفن، في هذه اللحظة العراقية، كما أنه أقل قدرة على إغاثة جماعة قرر “داعش” إبادتها بوصفها “من أهل النار”.

قد يبدو انتخاب رئيس لمجلس النواب، وتحديد الكتلة النيابية الأكبر التي ستسمي رئيس الحكومة، وهما المهمتان الرئيستان للجلسة البرلمانية الأولى، أكثر أهمية من دلالات ما حملته الأزياء من انطباعات، لكن المرء اذ يراقب ما سيجري في هذه الجلسة، لا يمكنه إلا أن يستقبل ما حملته هذه الأزياء من رسائل. الأقوى بينها كانت أكفان الكتلة النيابية الأكبر. على العراق فعلاً أن يرتعد من هذا المشهد، على رغم بعده الفولوكلوري، فهو ينطوي على موت، ولا يخاطب مستقبلاً!  

إقرأوا أيضاً:

    

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني