إسرائيل تنتقم من الزراعة الفلسطينية بالتجريف ورش المبيدات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

"المبيدات العشبية والكيميائية التي يستخدمها الطيران الإسرائيلي، تكون بتركيزات مرتفعة تصل إلى عشرة أضعاف الكميات المسموح بها"، ما يشكل مخاطر حقيقية على التربة، ناهيك بتلف المحاصيل بشكل فوري، بعد ساعات، علماً أن هذه المركبات الكيميائية تهدد سلامة المواطنين.

إنه مشهد متكرر، جرافات إسرائيلية تحاول تنفّذ انتقاماً من الأراضي الفلسطينية، في محاولة لمحاربة المنتج الفلسطيني المحلي، من خلال سلسلة انتهاكات كتجريف المحاصيل ورشها بالمبيدات في الأغوار الشمالية وقطاع غزة.

جميل أبو حلمية (49 سنة) أحد مزارعي الفراولة والبطاطا في شمال غزة، يروي تفاصيل الحادثة التي تعرض خلالها محصوله للتجريف بالآليات العسكرية الإسرائيلية من دون سابق إنذار مطلع شهر كانون الثاني/ يناير 2022، إذ اقتحمت ست جرافات المكان وقامت بأعمال تخريبية في المنطقة. أُتلفت محاصيل البطاطا  على مساحة 7 دونمات، إضافة إلى 3 دونمات من الفراولة، “وقفت مصدوماً لا أعرف ماذا أفعل، فالكارثة التي سقطت علي تعني خسارة نحو 6500 دولار”، يقول جميل.

ويضيف، “الأمر لم يقتصر على أرضي بل طاول أيضاً المحاصيل المجاورة، ليخسر الجميع أجزاءً من محصولهم الزراعي، وشبكات الري، لتتجاوز الخسارة 21 ألف دولار في يوم واحد جراء استمرار استهداف القوات الإسرائيلية الأراضي الزراعية المحاذية للمناطق الحدودية، على رغم التزامنا بالتعليمات وعدم تجاوزنا خط السياج الفاصل المعلن عنه من قبلهم”.

منطقتان محط أطماع إسرائيلية

يؤشر المشهد الجغرافي القائم إلى أن القوات الإسرائيلية تسعى دوماً إلى بسط نفوذها في المناطق الأكثر حيوية وخصوبة داخل الأراضي الفلسطينية والعمل على محاربتها ومحاربة المنتج المحلي الفلسطيني، إذ بدأت القوات الإسرائيلية فرض القيود على المناطق المحاذية للسياج الفاصل منذ بداية انتفاضة الأقصى 2000، وكانت الخطوة التالية فرض شريط أمني على امتداد المنطقة الحدودية لقطاع غزة في كانون الأول/ ديسمبر 2004 معلنة تشديد السياج الحدودي بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة في أيلول/ سبتمبر 2005، مشكلة شريطاً أمنياً محكم الاغلاق على القطاع الذي يبلغ طوله 45 كيلومتراً وتبلغ مساحته 365 كيلومتراً.

بالعودة إلى كانون الأول/ ديسمبر 2004، عقب إلقاء الطيران الإسرائيلي منشورات على طول المنطقة الحدودية توضح رسم المنطقة الحدودية محذرة من الاقتراب من السياج الفاصل لمسافة 300 متر، لتمتد المنطقة العازلة على طول القطاع 63 كلم، لتشكل المنطقة العازلة 35 في المئة من إجمالي مساحة الأراضي المزروعة في القطاع و15 في المئة من إجمالي مساحة القطاع.

في المقابل، تبسط القوات الإسرائيلية نفوذها في منطقة الأغوار الشمالية التي تعد العصب الزراعي للفلسطينيين، لكنها أكثر منطقة تنتهك محاصيلها، والعمل على تحويلها منطقة عسكرية ضمن مخطط إسرائيلي، كانت بداياته عام 1967، ولكن بقيت المنطقة ضمن صراع محتدم، إلا أن  الأمور تصاعدت عقب إعلان صفقة القرن، لتصبح منطقة الأغوار محط الاهتمام الإسرائيلي، إذ يتم العمل على مصادرة الأراضي بالقوة.

الاغوار الشريان الزراعي للضفة الغربية

إيمان جرار مديرة الخدمات الزراعية في وزارة الزراعة رام الله، ترى أن “منطقة الأغوار تعد أهم المناطق الزراعية فلسطينياً، نظراً إلى مناخها الدافئ وخصوبة تربتها وتوفر مصادر المياه فيها”، وتبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة 280 ألف دونم. المساحة المستغلة زراعياً تعادل 14 في المئة من إجمالي مساحة الضفة الغربية، إذ يستغل الفلسطينيون 50 ألف دونم ويستغل المستوطنون الإسرائيليون 27 ألف دونم، ما يعرّض المنطقة لانتهاكات إسرائيلية مستمرة، إذ سجلت الوزارة عام 2021، 115  انتهاكاً في الأغوار، بلغت قيمتها نحو مليون ونصف المليون دولار”.

وتضيف، “تسعى الوزارة بشكل دوري للاستجابة والعمل على معالجة هذه الأضرار، ضمن برنامج استعادة القدرات الإنتاجية للمزارعين المتضررين ضمن خطة العنقود الزراعي، وتركز الوزارة على منطقة الأغوار، بسبب ما تتعرض له من انتهاكات، لتعزيز صمود المزارعين وتوفير الدعم والمعدات اللازمة لأعمالهم، وتوفير الشتول والبذور النباتية والخدمات الزراعية الرئيسية”.

وتتمثل الانتهاكات الإسرائيلية في عمليات تخريبية عبر تجريف المحاصيل الزراعية قبل نضوجها لتبلغ مساحة الأراضي المتضررة 9200 دونم، إضافة إلى مصادرة أراض، بلغت مساحتها 3600 دونم، بمبررات عسكرية، ما يلحق أضراراً جسيمة بالمحاصيل الزراعية، جراء استمرار استغلال تلك الأراضي لمناورات عسكرية وتكريس سياسة أمر الواقع. 

المنطقة العازلة 

أدهم البسيوني الناطق الرسمي باسم وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة، يرى أن “سياسية التوغلات الإسرائيلية تتكرر بشكل دوري مستهدفة أراضي المزارعين المحاذية للمنطقة الفاصلة شرق قطاع غزة”، ما يشكل مخاوف حقيقية تهدد القدرة الإنتاجية لإجمالي الإنتاج المحلي، إذ تبلغ مساحة تلك الأراضي 180 ألف دونم، بما يقارب 25 في المئة من المساحة الزراعية الاجمالية في القطاع و25 في المئة من قيمة الإنتاج المحلي القومي.

ويوضح البسيوني أن التوغلات والعمليات التخريبية الإسرائيلية لا ترتبط بزمن بل بمزاجية القوات الإسرائيلية، إذ رصدت مطلع كانون الثاني عملية توغل شمال القطاع، استهدفت عمليات تجريف لمحصول الفراولة، بخسارة 50 دونماً، فيما تصل تكلفة الدونم الواحد لمحصول الفراولة 3500-4000 دولار، ما يعني خسائر مهولة. 

إقرأوا أيضاً:

الرش الجوي للمبيدات 

تقوم القوات الإسرائيلية برش الأراضي الزراعية في المناطق الحدودية التي تتعرض لانتهاكات مستمرة، وذلك تحت مبررات أمنية وادعاء العمل على إزالة الأعشاب التي تنمو في المنطقة وتعيق العملية الرقابية وكشف المنطقة. 

المزارع  سلمان دلول (46 سنة) يقول، “توجهت إلى أرضي في منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة في أيلول 2020، والبالغة مساحتها 38 دونماً، وكنت أقوم بتجهيز آخر خمسة دونمات لزراعة البقدونس، بعدما نضج المحصول في بقية المساحة. كنت برفقة أبنائي الستة وثلاثة عمال، فوجئت بتحليق الطيران الإسرائيلي بارتفاع منخفض لرش مبيدات على طوال الأراضي الزراعية المحاذية للحدود، وهو ما أضر بالمحاصيل التي اضطررت إلى إتلافها، ما كبدني خسارة مالية تقدر بـ11 ألف دولار”.

عضو هيئة التدريس في كلية الزراعة وعلوم البيئة في جامعة الأزهر كمال شيخ العيد، يرى أن “المبيدات العشبية والكيميائية التي يستخدمها الطيران الإسرائيلي، تكون بتركيزات مرتفعة تصل إلى عشرة أضعاف الكميات المسموح بها”، ما يشكل مخاطر حقيقية على التربة، ناهيك بتلف المحاصيل بشكل فوري، بعد ساعات، علماً أن هذه المركبات الكيميائية تهدد سلامة المواطنين.

ويضيف أن المخاطر والخسائر لا تقتصر على المحصول، بل تمتد إلى المواسم التالية، لاحتواء التربة على مكونات كيميائية معقدة التركيب وتحتاج إلى عملية غسل صعبة، لنقف أمام معضلة جديدة تتمثل في ترسب تلك المتبقيات في مياه الخزان الجوفي، مصدر المياه الوحيد لسكان قطاع غزة.

البسيوني يرى أن “عمليات رش المبيدات والمواد الكيميائية تخضع للمزاجية الإسرائيلية وتنشط خلال فترة نضوج المحاصيل، لمحاولة إحراقها وإلحاق الأضرار بالمزارعين، بذريعة المخاوف الأمنية. العملية تتكرر بشكل سنوي، فقد بلغ إجمالي الأراضي المتضررة خلال عام 2020، 2000 دونم، ليرتفع عام 2021 إلى 4000، إذ كانت الأضرار جسيمة، ولوحظ عدم نجاح المحاصيل اللاحقة”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني