المرأة في مسرح التغيير: الوعي الجنساني كثورة سياسية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ليتمكن الكاتب من اقتراح حكاية علاقة عشقية مثلية، يبحث عن شخصياته بين الفئات الشبابية المهمشة سواء على المستوى الاقتصادي، أو المقموعة على المستوى السياسي، أو الموسومة بجريمة الإختلاف الفكري أو الجنسي.

لا يقل الوعي الجنساني أهمية عن مستويات الوعي الأخرى التي تشكل الذات أو الشخصية الإنسانية. وبالنظر إلى نصوص المسرح السوري المستقل وعروضه منذ عام 2011، والتي ركزت على العلاقة بين تشكل وعي المرأة وتشكل الوعي السياسي للمجتمع، نرى أنها قدمت حكايات شخصيات نسائية في رحلة البحث عن الذات انطلاقاً من الحراك الثوري الاجتماعي. 

 الأسئلة المتعلقة بقضايا المرأة هي أولى الموضوعات التي يتوقع المسرحيون/ات معالجتها ومحاولة التغيير في واقعها. 

هنا استعراض لتجارب مسرحية وثقافية قاربت الوعي الجنساني النسوي.

كانت الأحداث الاحتجاجية افتتاحية لتشكيل الشخصيات النسائية الوعي الاقتصادي والاجتماعي كما في نص “غرف صغيرة”، وائل قدور، بينما ركزت نصوص أخرى على وعي المرأة المهني كثورة على الأدوار النمطية “توتة توتة”، وائل قدور. واهتم نص “عندما تبكي فرح”، مضر الحجي، بوعي المرأة الفني في التعبير عن الذات واسكتشافها، أما نص “وقائع مدينة لا نعرفها” والذي نشره الكاتب وائل قدور عام 2018، وأخرجه أخيراً كعرض مسرحي بالتعاون مع محمد آل رشي، وقُدم في مهرجان فاغابوند المسرحي في فرنسا، فهو يتفرد في دراسة العلاقة بين الوعي الجنساني والوعي السياسي. يكتب المؤلف في تقديم النص: “هل يمكن فهم ما يجري في سوريا دون العودة المستمرة إلى الماضيين القريب والبعيد وفهم أنماط العلاقات الاجتماعية السائدة بين الشرائح والطبقات؟ هل يمكننا فهم اليوم مآلات حياتنا داخل سوريا وخارجها دون العودة إلى ذلك المنعطف الذي شهدناه عام 2011؟ وهل يمكن فهم العوامل والظروف التي عصفت بخياراتنا الفردية خلال عام 2011 دون شرح استطالات ماضينا الفردي والجمعي قبل خطوط الثورة؟”.

في الماضي الطفولي، كانت عائلتا رولا ونور متقاربتين، إلا أن الآراء الدينية والمستوى الثقافي والطبقة الاقتصادية فرقت بينهما. تدور الأحداث في دمشق عام 2011، إذ تجتمع الصديقتان مجدداً في أمكنة المدينة التي تشهد حراكاً شعبياً وموجات العنف المرافقة له، والذي يظهر من الحوار الأول في المسرحية عند باب المستشفى بين رولا وممرضة.

تقول الممرضة: “كل حالة شكل، شرطة وعساكر دغري منعالجهن أو منحولهم على مشفى عسكري، المدنيين بيدققوا عليهن كتير، إذا كان مطلوب بياخدوه فوراً شو ما كانت حالته”.

في التعريف المرافق للنص، يضع الكاتب نصه في إطار التعبير عن العنف الذي تعرفه الثقافة السورية: “أؤمن بأن المجتمع السوري قبل الثورة هو مجتمع يمثل العنف أحد سماته العامة، حيث يمارس العنف على نحو يومي ومستمر في فضاءاته المغلقة والمفتوحة، وهذا يعود إلى نمط سياسي وديني واجتماعي متكامل عرفته سورية لعقود طويلة. أعتقد أن الانقسامات الحادة التي عرفها المجتمع السوري لم تكن إلا امتداداً لذلك العنف وتظهيراً لمستويات وأشكال جديدة منه. وهو ما حاولت التركيز عليه في المسرحية”.

التغيير السياسي نحو الجنسانية المتنوعة

يختار الكاتب بعناية نموذجي الصديقتين، الفارق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي يجعلهما تمثلان نموذجين مختلفين في العلاقة مع الحراك الثوري. رولا، (تمثيل حنان الديراني) صحافية وناشطة سياسياً مع مجموعة من الأصدقاء. أما نور فتعاني من تفكك علاقات العائلات البرجوازية الذي جعلها في حاجة للتواصل قبل أن تباشر رحلة اكتشاف الذات. لكن مهما كانت خلفيات الشخصيتين في الماضي، فإن ما يجمعهما بوضوح هو المشاركة في الحدث السياسي، تصوير التظاهرات والمشاركة فيها يودي بالثنائي إلى الاعتقال، وهكذا تبدأ رحلة المواجهات مع مع القمع السياسي، التسلط العائلي، والثقافة التي ترفض التنوع أو الاختلاف، الموانع الجنسانية. في مشهد التحقيق يبدي الممثل رمزي شقير إدراكاً لازدواجية التهديد الذي يمارسه المحقق، فتهمة المعارضة السياسية ألحقت معها ذنب المشاعر العشقية المثلية. يجبر المحقق  المعتقلة رولا على قراءة الرسائل المتبادلة بينها وبين نور عبر “فايسبوك”، ويطلب منها الإعادة والصراخ عند قراءة العبارات التي تتحمل مضامين عشقية.

تمتزج في الرسالة بين الصديقتين الأخبار السياسية بالتعابير العشقية، كما تتزامن مع اكتشاف العائلة والمحيط نشاطاتهما المعارضة سياسياً، وميلهما العاطفي المثلي. والأمران مرفوضان بالنسبة إلى الأهل المقربين من السلطة. إن الشخصيات الرافضة للتغيير السياسي ترفض أيضاً الجنسانية المثلية. بنية النص تريد برهنة أن رغبة التغيير السياسي والاجتماعي تتطلب تقبلاً للجنسانية المتنوعة.

المجتمع في البحث عن التعبير السياسي والجنساني

كل الشخصيات تبحث في محاولة التعبير عن الأحداث السياسية المستجدة من حولها، عن الأحكام والمفردات الملائمة في التعبير عن المستجد المثلي. فتتداخل في أحاديث (الأب محمود) النعوت المتعلقة بالسياسة منها تلك المتعلقة بالأخلاق الجنسية. فيستعمل أوصاف “فلتانة” للإشارة إلى المتظاهرة، و”وسخة” للمثلية. وهو يعيد المعلومات المتعلقة بالمشاعر المثلية الممنوعة بصوت عالٍ، وكأنه يسعى لإدراك المعرفة وتخيلها من خلال النطق بها.

تمتلك الأم خلود شخصية مغايرة، بل متصارعة مع شخصية الزوج. فعلى المستوى الجمعي والسياسي، تغرق في الذاتية المتعالية عن المصير الذي ستؤول إليه البلاد.

أما على المستوى الجنساني، فتدعي تفهم العلاقة المثلية وتتقرب من عشيقة ابنتها لتسألها بانفتاح عن التفاصيل الجنسية: هل تمارسان الجنس؟ هل وصلتما الذروة؟” أي أنها تحرص على اختيار تعابير متسامحة، لكن اللغة ما تلبث أن تخون تعابيرها عند الحديث عن مثلية ابنتها لتوصفها بمركب النقص الذي يجب إخفاؤه، لتصل أخيراً إلى تهديد الناشطتين العاشقتين بالإخبار عن مجموعة الأصدقاء الذين ينشطون معهم.

تقول خلود: “أنا فهمانة قديش أنتي بتحبيها، بس المقصد كله أنو كيف منقدر نغلف الموضوع بطريقة ما نصدمها لنور أو نحسسها بالنقص. هي شغلة بتروح مع الوقت بس يتغير المحيط والشرط اللي وصلها لهون”.

في البحث عن تعابير الصداقة والجنس المثلي

عام 2008، حازت رواية “عن الحب” على أرفع جائزة في الأدب الهولندي، وأثارت في حينها ضجة نقدية متعلقة بكاتبتها دوشكا ماسينغ، التي جعلت من علاقتها الشخصية الحميمية والجنسية المثلية موضوعاً أدبياً لتثير بلبلة في الوسط الثقافي الهولندي. لكن الرواية تميزت في قدرتها اللغوية على التعبير عن المشاعر، والأحاسيس، والأفكار المتعلقة بالميل النسوي المثلي، وهو ما نفتقده في الأدب العربي. في مجلة “جسد” قدم المترجم عماد فؤاد مقتطفات مختارة من الرواية إلى اللغة العربية.

“ربما أكون قد نمت فعلاً، وفي نومي شعرت بيدي يوري فيرمير وهما تدلكان ظهري، أخيراً أحصل على أول اتصال جسدي وتفاهم بيننا، كنت نشوانة، كل أعضاء جسدي في هذا الحلم ذابت وتجسدت في رغبة واشتياق لما هو أكثر. لم استطع عمل ضفتين لمياه رغبتي فازدادت وأغرقتني. حاولت أن أشغل عقلي بأسرع من حواسي، لكن عقلي كان في آخر درجة من درجات سلم حواسي. وجدت فيضاناً آخر يكبر فيّ ويجعلني لا أسمع ولا أرى شيئاً آخر سواه، أمواج عالية رفعتني فوقها وجعلتني أشعر أنني أحلق عالياً فوق مساحات بيضاء وكفا يوري فيرمير تمسان وتختبران كل موضع مني. أكملي أيتها الكف، أكملي، ها أنت أخيراً هنا، كم من الوقت انتظرتك، صلي المسافات البعيدة بين مسامي”.

تبين لنا المسرحية وكذلك الرواية الهولندية أن علاقات الجنسانية المثلية تتأصل في تواصل من الصداقة، والحاجة وعمق التواصل. فالروابط الجنسية لا تتشكل إلا بعد تجارب من التعاضد على مستوى الصداقة، والتواصل الفكري على مستوى الشخصية. فرولا ونور تتقاربان كصديقتين، تتعاضدان في مجتمع يهمشهما، وتتشاركان الحياة السياسية ليتشكل شغفهما الجنسي المشترك. وكذلك الأمر في رواية “عن الحب”، حيث تكتب الروائية عن علاقتها العشقية مع رئيسة تحرير المجلة التي تكتب فيها: “كنا أفضل صديقتين لبضعة أعوام قليلة، كانت صداقتنا عميقة، الوحيدة التي دعمتني بروحها الشفوقة في حزني. ولم يكن هناك سواها من يستطيع أن يضحكني حتى أتزلزل”.

في مسرحية “وقائع مدينة لا نعرفها”، يبحث الكاتب بعناية عن التعابير اللغوية التي تبين بحث الناشطتين الصديقتين عن الكلمات التي تعبران بها عن الروابط المشتركة والمشاعر المستكشفة. فرولا ونور لا تقدمان في بداية المسرحية في علاقة مثلية، بل تكتشفان هذا الميل عبر أحداث المسرحية. وبالتالي، الحوارات هي محاولات اكتشاف للذات. العاشقتان تبحثان عن اللغة والتعابير الجديدة المستكشفة، كما يبحث المجتمع عن الأحكام والآراء التي يقابل بها ظاهرة الجنسانية المثلية المطروحة حديثاً أمامه. 

إقرأوا أيضاً:

الفئات المهمشة والرقص على موسيقى “التكنو”

ليتمكن الكاتب من اقتراح حكاية علاقة عشقية مثلية، يبحث عن شخصياته بين الفئات الشبابية المهمشة سواء على المستوى الاقتصادي، أو المقموعة على المستوى السياسي، أو الموسومة بجريمة الإختلاف الفكري أو الجنسي. فتدور الأحداث في أمكنة المدينة المغايرة، وفي الأوساط الثقافية الكامنة للقلق. كما هو الحال في مشهد اللقاء الأول.

توحي مفردات مستخدمة مثل، نايت كلوب، مكان سطح مكشوف، موسيقى تكنو، جموع الأجساد، بالعوالم الإجتماعية والثقافية التي يرغب المؤلف للشخصيات أن تنحدر منها، ومن الجلي الحضور المكثف للجسد في الأفكار الداخلية للشخصيات، كما هو في الحوارات الحاصلة. فيحضر الرقص الفردي كتعبير عن الوحدة والألم، لكنه أيضاً اختبار تجربة التناوب بين الحياة والموت، وتحضر الجاذبية بين جسدين كطاقة حارقة، وتصبح حركة جسد الحبيب ناعمة ومستحيلة الالتقاط.

تقول نور: “كل ما بحس إني وحيدة تماماً بلاقي حالي إجيت لهون برقص لوحدي”.

فترد رولا: “ما بعرف كأني عم عيش وموت بنفس اللحظة، أول مرة بحياتي برقص هيك. أنت مجنونة، آسفة بس إنت مستحيل تكوني طبيعية، ما قدرت شيل عيني عنك، أنو في طاقة غريبة وعم تطلع منك”.

وتضيف، “ما كان في شي مو عاجبني برقصتك، يمكن أحلى شي فيها أنها كانت كتير عادية، كأنك ما كنتي عم ترقصي. إي أنتي ما كنتي عم ترقصي. كان في شي بحركتك ما فيكي تمسكيه. شي ناعم… بيحرق”.

ربطت كتابات نسويات عربيات بين المستوى السياسي والمستوى الجنساني في حياة المرأة العربية، وركزت الكتابات النسوية على الجانب السياسي والجنساني في تكوين الشرط التمييزي الذي تعاني منه المرأة العربية. من هذه الكتابات “توأم السلطة والجنس”، 2017، نوال السعداوي، “بنيان الفحولة أبحاث في المذكر والمؤنث”، 2007، رجاء بن سلامة. وتبين لنا مجموعة شهادات النساء الكويريات اللبنانيات المنشورة في كتاب مشترك يحمل عنوان “بريد مستعجل” أن تجربة اكتشاف الذاتية الجنسانية والدفاع عنها، لا تتوقف عند حدود حرية الممارسة الفردية، بل تتقدم باتجاه الناشطية في الدفاع عن حقوق المثلية، فمعظم الشهادات النسائية التي توثق لتجارب اكتشاف كويرية تبين أن المشاركات تحولن من الممارسة إلى تأسيس الجمعيات، وتشكيل الفضاءات، وإقامة الفعاليات التي تساهم في توسيع مساحة الحق في الاكتشاف الجنسي والذي تبين لنا الأعمال الفنية والفكرية أنه حتمي في أسئلة الذات الإنسانية حول نفسها وحول العالم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني