التهجير القسري العراقي: نشاز لحن السلطة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد سلسلة اغتيالات متطرفة حدثت عام 2020، وامتدت نيرانها لغاية أواخر 2021، تولّدت موجة هجرة كبيرة لعراقيين غارقين في اليأس، قرروا قلع جذورهم من الناصرية والديوانية والعمارة وبغداد والكوت والسماوة وكربلاء والنجف، وزُرعوا من جديد في جبال بيلاروسيا وليتوانيا وكردستان وإسطنبول وبيروت. 

قسرَ يقسرُ قسراً فهو قاسر. تهمس اللغة معناها في أسماعنا: أن تكون مقسوراً، يعني أنك تُكْرهُ على فعل أمرٍ لا تطيقهِ. وتهمس اللغة ثانيةً: يا ولد، أن تكون مقسوراً فإنك مظلومٌ مرغمٌ. 

المقسورُ في اللغةِ مقسورٌ في العراق. حتمية عاشت وترعرعت في كنفه مذ كان وكان ابناؤه، فالحياة القسرية لم تُعرف من تقارير الأمم المتحدة عن التغييب والإبعاد والتهجير القسري المُعاش منذ 2003، بل ولدت فيه وتربّت بنزقٍ مبالغ حتى شبّت وركضت بين مدنه وأحيائه وأزقته العتيقة ودخلت إلى الخيال والواقع من الأبواب والشبابيك والثقوب.

اختبرَ العراقيون في تاريخهم القديم «القسرَ» كاختبارهم الحياة. مارسوه بجديّة تامة حتى تراءى لهم أنّه واجبٌ منزلي يوَّبخون إن لم ينجزوه. وزعوه بتساوٍ تجاه المختلفين معهم من الأقليات العرقية والإثنية على مرّ عهود بلادهم. اتخذوا من التهجير القسري والتسفير والطرد خارج الحدود أو السبي واستعباد الشعوب والمجموعات المستضعفة، عادةً توارثوها منذ عهود عتيقة. لا أعرف جذرها وأنا ابن هذه الأرض، لكنني أعرف، كأيّ قارئ للتاريخ أن صراعات الأمم وما تغذيه فكرة الاستعمار لا تأتي سهلة ابداً، بل عليها تغيير الوضع تغييراً كاملاً، ويمكن لتعريفها، أي فكرة الاستعمار، أن يُكتب، لو أردت أن أصفه وصفاً دقيقاً: «الأواخر سيصبحون الأوائل». حسناً، كم من آخرٍ أصبح أولاً في العراق منذ نشوئه إلى اليوم؟

قسور دائم

 منذ نهاية أربعينات القرن المنصرم شُنّت وبدعم حكوميّ، حملات ومداهمات مرعبة ومرهبة ضد اليهود العراقيين لتهجيرهم إلى بلدان العالم أو إسرائيل الناشئة حديثاً وقتذاك، وقد رافقتها عمليات سطو على أموالهم وتجريدهم من ممتلكاتهم بظاهرة أطلق عليها «الفرهود» في حينها. كان هذا فاتحة عهد القسر في العراق، وما تلاه، يُصعّدُ من صخب لحن القسر كثيراً. 

في منتصف الخمسينات بدأت السلطة العراقية بشنّ أعنف هجمة على الأحزاب العراقية المعارضة للحكم مثل الحزب الوطني العراقي الذي تعرض قادته للنفي والاعتقال، وكذلك الحزب الشيوعي الذي عايش أعنف حملة نفي وإبعاد قسري واعتقالات في الفترة ما قبل انقلاب 14 تموز/ يوليو 1958. في ما بعد، تجلّت رحلة الإبعاد القسري لمعظم شبكات النظام الملكي العراقي. تمت الرحلة بشكل محاكمات غير دستورية وقرارات تعسفية كان كل همّها تتمة حلقة «القسر» غير القابلة للكسر، أو الحفلة غير الساكتة عن الغناء.

أواسط الستينات، بدأت المضايقات الرسمية ضد البهائيين، وهي ديانة انطلقت من بغداد في القرن التاسع عشر، انطلقت بوضع يد السلطة العراقية على مبنى (حضيرة القدس) مركز الديانة البهائية في بغداد عام 1965. وتصاعدت التضييقات حتى عام 1970 ليصدر القانون غير المشرّف بحق هذه الديانة الذي يقوم بتحريم نشاط البهائيين وحل مؤسساتهم ومصادرة كتبهم وأموالهم وجميع ممتلكاتهم، والذي- ويا للمفارقة- لا تزال آثاره قائمة حتى اليوم. إبّان هذا القانون، حُكم على عشرات البهائيين بالسجن في أحكام تراوحت مددها بين 10 سنوات والمؤبد. كما صدر قرار من مديرية الأحوال المدنية بتجميد قيودهم في سجلات الأحوال المدنية، وإعطاء الدائرة صلاحية استبدال حقل الديانة، ما أدى إلى سلب هذه الديانة حقوقها المدنية والقانونية، إلى تغيير قيود أفراد منها في دوائر الأحوال المدنية. 

العراقيون من غير العِرق العربي، ذوو الأصول الإيرانية كالكرد الفيليين والأقوام من الأصول الهندية والأفغانية أو “التبعية” كما أطلق عليهم نظام صدام حسين، كان لهم مقطعٌ حزين في لحن القسر العراقي، حيث حاصر الحزب ضمن أجنداته ومهماته أسماءهم وعناوينهم وأمكنة إقامتهم وراقب سلوكهم وتحركاتهم خطوة بخطوة، حتى وإن ولدوا هم وآباؤهم وأجدادهم في العراق، هذا الأمر لم يمنع النظام من إبعادهم القسري طالما أنهم من أصول نزحت قديماً إلى وادي الرافدين منذ القرن التاسع عشر الميلادي طلباً للاستقرار في بلاد الثروات والمياه، إضافة إلى الجانب الديني الذي شدهم نحو هذه الأرض، كون أغلبهم ينتمون للمذهب الجعفري ولديهم حنين حاد جعلهم يجاورون المراقد الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية وحتى سامراء.
ما حصل لهذه الشريحة التي تقارب المليون فرد من قهر وتهجير قسري، أظهر أنياب لحن نظام البعث، لحنٌ يلتهم سامعيه، ولو قُورن بلحن تهجير اليهود العراقيين في أواخر أربعينات القرن الماضي، وما بعدها عند عتاة القوميين، سيُعد أقلّ بكثير مما عانته شريحة التبعيّة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

إقرأوا أيضاً:


لحن العراق الجديد


كالعادة، لا إحصاءات عن الشتات العراقي، غير أنه بحلول شباط/ فبراير 2007، ضجَّ أنطونيو غوتيريش والذي كان في وقتها المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بأن عدد اللاجئين الخارجيين الفارين من الحرب بلغ مليوني شخص وأن هناك داخل العراق ما يقدر بـ1.7 مليون نازح داخلياً، وازدادت حركة اللاجئين إلى خارج البلاد منذ اشتداد الحرب الأهلية.

هؤلاء ليسوا أرقاماً، إنهم طبقات وديانات وشرائح، استمعوا مرغمين للحن مزاج النظام الجديد، وغادروا البلاد. تقول التقديرات إن 40 في المئة من الطبقة الوسطى في العراق قد فرّوا بعد الغزو الأميركي، غادروا بلدانهم على ألحان الاضطهاد المنهجي، لا يرغبون في العودة، أو سماع اللحن مرة أخرى. ثلاثة أرباع الديانة المسيحية غادرت العراق قهراً وقسراً منذ عام 2003، ولم يتبق سوى قلة من الذين لم تنجدهم ألحان النجاة للمغادرة. 

عراقيون، ضلوا طريق الهدوء والأمن منذ احتلال العراق وإلى الآن. بعد لحن الحرب الأهلية جاءت معارك العراقيين مع تنظيم “داعش”، لتزيد الطين بلّة وتصنع من القسر لحظة ممتدة وواقع حال رغماً عن أنف السلام والنصر. لم يعُد المبعدون بسبب “داعش” إلى بيوتهم برغم انتهاء الحرب، فالميليشيات الشيعية لها لحنٌ آخر.

لا تزال قضيّة المهجّرين من مناطقهم والمبعدين قسراً من ديارهم خلال حقبة الحرب ضدّ “داعش” بين عامي 2014 و2017 تتصدّر الملفات الحقوقية في العراق، بعد تبيان أنّ عمليات الترحيل والطرد التي نفذتها الميليشيات الشيعية، لم تكن ظرفية ضمن تكتيكات الحرب على التنظيم، بل بيّنت الأحداث بعد مرور نحو أربع سنوات على نهاية تلك الحرب، أنّ التهجير القسري كان عبارة عن تغيير ديموغرافي واحتلال دائم لمناطق هؤلاء المهجّرين، بُنيَ على خلفيات طائفية تنطلق من الكراهية وحسابات سياسية تتجاوز حدود العراق بحدّ ذاته.
وهؤلاء اليوم يفترشون الثلج والتراب بانتظار إغاثتهم ونجدتهم في بلد المقدسات المتضخمة والذهب الأسود، ولا مغيث لهم ضمن ألحان عراق ما بعد داعش. 

“رمق”… آخر ألحان تشرين

في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019، انطلقت احتجاجات في وسط العراق وجنوبه طالبت بإنهاء المحاصصة الطائفية وتقسيم الموارد على الأساس «العائلي/ الاوليغارشي» الذي داومت السلطة على خلقه بتقسيم موارد البلد بعد 2003. صدحت حناجر الكثير من شباب وشابات العراق في الشوارع والساحات بإنهاء هذا الفصل الساذج من نظام الحكم. كان رد النظام العراقي بكل صنوفه «النظامية وشبه النظامية» بإيجاز حاد ولحن موحّد: ليس لكم سوى الرصاص أو ماينوب عنه (الخطف، التغييب، الاغتيال، تفجير المنازل، الدعاوى الكيدية، الاغتيال الاجتماعي، الوصم الاجتماعي، التهديد بالتصفية.. الخ). وهذا ما حدث بالفعل، جنون جماعي قاده النظام العراقي المدعوم عن طريق الميليشيات المدرجة في قوائم الإرهاب العالمي لوأد امتداد هذا الاحتجاج بأي طريقة.

بعد سلسلة اغتيالات متطرفة حدثت عام 2020، وامتدت نيرانها لغاية أواخر 2021، تولّدت موجة هجرة كبيرة لعراقيين غارقين في اليأس، قرروا قلع جذورهم من الناصرية والديوانية والعمارة وبغداد والكوت والسماوة وكربلاء والنجف، وزُرعوا من جديد في جبال بيلاروسيا وليتوانيا وكردستان وإسطنبول وبيروت. 

قرر الفتية، وهم شباب في مقتبل العمر، أن يكونوا آخر رمقٍ لتشرين، تلك الاحتجاجات التي خلقتهم وجعلتهم بين نارين: إما أن تعودوا وتصمتوا إلى الأبد أو ابقوا في منافيكم مخنوقين بحسرة الحزن على دماء أصدقائكم، شاربين دمعكم، متحسرين على غياب أهلكم وذويكم. اختار الفتية أن يكونوا لحناً مضاداً لألحان المنفى العراقيّ، وأسسوا رابطة لهم سموها “رابطة المبعدين قسراً”، واختصروها باسم «رمق»، ليعلنوا مواجهة السلطة في حفلة يقول لنا التاريخ والحاضر إن لا نية لإنهائها في المستقبل القريب.

فيما اشترى النظام السياسي العراقي بشيعته وسنته وكرده مستكتبين ومُستَخدَمين ونشطاء من أجل تلميع صورة النظام وتكذيب الشباب المبُعدين قسراً أو المقتولين والمقهورين، والتشويش على كل هولٍ حدث منذ تشرين، يقف اليوم هؤلاء بوجه نظام العائلات الحاكمة ليكتبوا عن أوضاعهم ويتحدثوا من خلف شاشات التلفزيون عن أحوالهم وما آلت إليه حيواتهم، متمسكين بكل قيم الدمِ العراقي المُراق، معلنين أنهم رمق ثورة تشرين الأخير وصوتها الهادر.  

على العالم أن يتعرّف إلى هؤلاء، إنهم شباب من وسط العراق وجنوبه، دقّوا وتد مقاومة النظام العراقي المُثخِن بدماء العراقيين…

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني