بلاغ ضد مجهول

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هناك شخص آخر يعيش في هذا البيت، يستخدم ثلاجتي وصحوني وكؤوسي ويلهو فوق سريري ويستخدم ملابسي وأحذيتي وقبّعاتي، يستحمّ بمناشفي، وحين يغضب يرمي مساحيق تجميلي في سلة المهملات التي خلف الباب ويقول "تباً لكل شيء".

أنا متأكدة من أنّ أحدهم يفعل ذلك…

هذه الصحون المتسخة من أكل فيها؟ هذه الكؤوس الكثيرة، من شرب نبيذها ولماذا فعل ذلك؟ وكيف اختار بيتي؟ من أخبره أن بيتي حانة معروضة للإيجار أو المصادرة؟ ومن شرب كيلو بن خلال أسبوع واحد؟ لا يعقل أن يكون هذا الكافيين خاصاً بي وحدي كوني ما زلت على قيد الحياة!

الفوضى التي على السرير، أفكّر بالبحث عن المسؤول عنها، وعليه أن يُحاسب حتى لا يعيد الكرّة، إنه في النهاية سريري وحدي، مهما بدا واسعاً.

صحيح أنني أحتاج وقتاً طويلاً لاختيار ثيابي كل صباح، لكنني متأكدة من أن هذا الجنون لست أنا من فعله.

ثمّ صحيح أنني حين أطبخ حساء العدس أستخدم ثلاث طناجر وسبعة صحون وأكثر من دلو وملعقة وسكين، لأنني حين أطبخ، أفكر بكل الذين أرغب بقتلهم وأولئك الذين أتمنى أن أسامحهم أو أن أصفعهم مرة أخيرة، وأولئك الذين ما زلت أحبهم حتى الآن… وأفكّر أحياناً بالرجل الذي ما زال يكتب الرسالة ذاتها ويرسلها منذ عشرة أعوام، كل يوم ودون انقطاع، دون يوم إجازة واحد! لكن مهما كان، لا يمكن بأي شكل أن يكون هذا المطبخ هو حقاً مطبخي وحدي، وأن تكون هذه الجريمة التي فوق المجلى، جريمتي وحدي… لست شريرة إلى هذا الحد!

ثم ما هذه الزجاجات الفارغة؟ من ارتكب هذا الثمل كله في بيتي؟ صحيح أنني لم أكن على ما يرام في الأسبوع الأخير، لكنني لا أعتقد أن الحزن الذي أشعر به يستدعي هذا الكم من النبيذ والماء والعطور… ولم تكن طاقتي صفرية لدرجة أن أستهلك صندوقاً كاملاً من عصير الليمون ومشروب الطاقة سيئ الذكر…

هناك شخص آخر يعيش في هذا البيت، يستخدم ثلاجتي وصحوني وكؤوسي ويلهو فوق سريري ويستخدم ملابسي وأحذيتي وقبّعاتي، يستحمّ بمناشفي، وحين يغضب يرمي مساحيق تجميلي في سلة المهملات التي خلف الباب ويقول “تباً لكل شيء”، إنني أسمعه بأذنيّ وأنا أثق بما تسمعه أذناي… حتى إنه أحياناً يستعير حزني، ويستثمره حتى النهاية كما لو كان حزنه… إنني أشاهد حزني معلّقاً على لوحة أو معروضاً للبيع في أسفل البناية، حيث يعرض السكان الخرق والبلاستيك وتنكات الكولا المشروبة. 

وهذه المحارم ههنا على المنضدة التي أيضاً كسر شخص غيري إطارها، لست أنا من بكى أمامها ومسح دموعه بها، صحيح أنني بكيت كثيراً ليلة أمس، لكنني لا أظنّ أن هذا البكاء كله لي. هناك شخص خفيّ آخر يبكي في هذا البيت، لا يمكن أن يخرج هذا البكاء كله من قلب واحد.

وهذا الدخان كله… في أي قفص صدري يتّسع؟ هذا الرذاذ دليل قاطع على أن أحدهم يستخدم بيتي، يدخّن في صالوني، ولا يلملم آثار جريمته قبل أن يخلد للنوم في سريري. أنا لا أدخّن إلى هذه الدرجة، لأنني أخاف من أمي كثيراً، إنها تقول إن الفتيات المهذّبات لا يدخّن أكثر من سيجارة واحدة في اليوم أو في الحياة، مع أنها تدخّن كثيراً… 

كل هذه النقود التي كانت في حقيبتي من الذي صرفها؟ وعلى ماذا؟ من اشترى بها طعاماً غير صحيّ وكحولاً وفساتين تعلّق في الخزانة وتُنسى كما يُنسى المتعبون في منتصف التعب؟ ثمّ من الذي تقاضى هذا المبلغ أصلاً؟ وماذا فعل في المقابل؟ كتب نصوصاً مثلي مثلاً؟ أم أنه باع يديه من أجل حبٍ في الثلاجة؟ أم بكى وحسب؟

هذا بلاغ ضد مجهول سيدي المحقق، سجّل عندك!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني