fbpx

عراقية في مواجهة العنصرية على هامش الغزو الروسي لأوكرانيا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ماذا علينا أن نفعل لإثبات أن الحروب التي مزقتنا، لم تجعلنا لصوصاً ومجرمين وأن اللصوص في كل مكان وبكل اللغات؟ وان هذه النظرة الدونية لنا، ما هي سوى ثقل إضافي فوق جبل الهموم الذي نحمله فوق أكتافنا؟

قبل سنوات، استقبلتني إحدى الجامعات الفرنسية لتقديم محاضرة، وأمام عشرات الطلاب، توجه إليّ طالب فرنسي بسؤال- ملاحظة مستفزة: “غريب كيف أنك لا ترتدين الحجاب في بغداد التي تعاني حربا مع داعش”. لحظة، صبرك علي! قلت له، وأكملت محاولة ترتيب الإجابة بما يكفل وصولها إلى هذا الطالب وتصحّح معلوماته ومفاهيمه الخاطئة عنا، فلا داعش وصلت أصلاً إلى بغداد، ولا بغداد كما يتصورها هو، وليس غريباً على الفتيات في عاصمتي ان يكنّ بلا حجاب.

مع كل رحلة إلى خارج العراق، وتحديداً إلى أوروبا، أشعر أن عليّ أن أحضّر إجابات على أسئلة كثيرة كما أحضّر حقيبتي. وسيكون عليك ان تفصل وأنت تعدّ الإجابات، بين عاطفتك تجاه بلدك حين تكون متأزّماً داخله، وبين قولك الحقائق حين تكون “سائحاً” في بلد آخر أكثر أماناً ورفاهية. فالحرب، ولو كانت مثل ظل لنا، فإننا نتمكّن غالباً من حبسها في غرفة صغيرة والخروج للاحتفال. 

سردت لهم في قاعة الجامعة، بخوف وشيء من التبرير، كم اننا نحب الحياة، وكم أننا متعطشون لها، رغم المنغصات والمشاكل الكبيرة، وكم نحبّ السهر في ليالي بغداد الصاخبة، وكم أن النساء في العراق يمكنهن خلع الحجاب، وارتداء البنطال والفساتين. آه نعم، اقسم انه امر طبيعي، الا تشاهدوني ارتدي هكذا؟ ثم مررتُ مروراً سريعاً، وخجولاً، خلال حديثي إلى الحضور في القاعة على حضارة بلادي المغبونة، والتي أصبحت مجرد تراب امام التشويه الإعلامي الذي يطالها. 

ما ذكره الصحافي الأمريكي تشارلي داغتا، في معرض وصفه العنصري والمحدود لأزمة اللجوء الاوكرانية، وقوله ان اوكرانيا بلد متحضر وليست افغانستان او العراق، جعلني اعذر الكثير من الذين سألوني، عن طيبة قلب، أسئلة بدت عنصرية لوهلة. فهذا الأميركي، الذي احتل جيشه بلدي ودمر مدننا وزرع الدموع على وجنات أمهاتنا، وارتكب أبشع أنواع انتهاكات حقوق الإنسان، لا يزال يتعامل معنا على أننا أقلّ مرتبة من البشر، ثم يصف بلادنا بعد تدميرها بأنها غير متحضّرة. 

لم يخفف اعتذاره اللاحق من وطأة ما قاله.

 كنتُ أسير مع مترجمة كتابي، في مدينة نيس، ونتحدث بلغتنا العربية. شخصان كانا يسيران أمامنا، قاما بتعديل حقائب الظهر، بحيث لا تعود ظاهرة لنا، ظناً منهما أننا قد نسرقهما. 

يومها بكيت بشدة في الشارع، اذ شعرت بإهانة كبيرة: ماذا علينا أن نفعل لإثبات أن الحروب التي مزقتنا، لم تجعلنا لصوصاً ومجرمين وأن اللصوص في كل مكان وبكل اللغات؟ وان هذه النظرة الدونية لنا، ما هي سوى ثقل إضافي فوق جبل الهموم الذي نحمله فوق أكتافنا؟

الانسانية التي تتجزأ حسب جغرافية الأرض، ولغة المرء، ليست سوى عنصرية “عصرية” حداثوية، ومتماشية مع الترند العالمي. الصادم أن هذه اللغة لم تصدر عن صحافي واحد. لم تكن حادثة، بل يبدو انها حالة منتشرة، إذ تعالت اصوات عنصرية في الاعلام الغربي تميّز بين اللاجئين الأوروبيين وأولئك الآتين من بلدان العالم الثالث، من أفريقيا والشرق الأوسط تحديداً. حتى أن الممارسة العنصرية ظهرت في عملية إجلاء سكان المدن الاوكرانية وعلى الحدود مع بولندا. 

ما الفرق بين ضحايا حرب العراق او أفغانستان وضحايا أوكرانيا؟ أليست الصواريخ نفسها والموت نفسه ينهمر عليهم ويلغي حيواتهم وذكرياتهم ويحيلها إلى رماد؟ 

إقرأوا أيضاً:

 لا استطيع ان انكر الأسى والتخلف الذي نواجهه، لدرجة يخيل لي أحيانا، ان الجحيم هو العيش هنا، في بلادنا المنكوبة. الكثير من الأمور التي لا نتقبلها، تحدث، الكثير من البشاعات ترتكب. لكن الكلام العنصري لبعض الصحافيين الغربيين لم يكن ينطلق من نقد سياسي أو اجتماعي. كان واضحاً انه محض عنصري. وهو يذهب إلى حد اعتبار أننا، كشعوب عالم ثالث نستحق أن نقتل ونباد لأننا في نظره “همج”. لكن الهمجية وصلت الى العراق، تاريخياً، بسبب تزاحم الحروب وسيطرة الاستبداد، وانهيار المنظومة الآدمية بسبب كل ما تعرضت له من عنف نفسي وجسدي متواصل.  

الحرب العالمية الثانية لم يمض عليها قرن بعد. وها هي أوروبا، بسبب الجنون الروسي، تعود إلى لغة الحروب والبربرية. ولا أحمّل الأوروبيين ولا الأميركيين مسؤولية هذه اللغة التي تخرج من بعض العنصريين هنا وهناك. لكني أقول إن الحروب تخرج الوحوش النائمة في قمقمها، وتطلقها. واذا لم تخرج أصوات عاقلة وإنسانية قد يتحول، حتى اولئك الذين يحاربون الوحش إلى وحوش. 

توقف الزمن عند الغرب، عند العام 2003، وبقيت صور العراق بالنسبة إليهم ترتبط بصورة الطاغية وبصور الصواريخ، والطائرات الحربية والتشدد والقتل والدمار. لا حياة، لا سينما، لا انترنت، كما كتب أحد الصحافيين الغربيين مقارناً بين الأوكرانيين والعراقيين والأفغان. هذا السيد يعتقد اننا لا نشاهد “نيتفلكس” وليست لدينا حسابات على انستغرام. 

مرة ضعت في مدينة ليون الفرنسية وطلبت من شخص غريب إيصالي، وهو طالب صيني، سألني: “وانت من اين؟”. “من العراق”، أجبت، لكن الشاب لم يعرف ما هو العراق. صرخت بصوت عال: الا تعرف العراق؟ حتى قلت له:  “Mesopotamia”، أي بلاد الرافدين. فسألني باستغراب:  do you mean isis?. أي “هل تقصدين بلاد داعش؟”. 

لكم ان تتخيلوا وجهي كيف اصبح وقتها. داعش يا ابن الاوادم؟ اخبرته اني ارتدي كل شيء “صنع في الصين” من رأسي حتى أخمص قدمي، وهو لا يعرف العراق الا بداعش؟ اخبرني انه لم يكن يعرف شيئاً، إلا بعد ان تداولت قنواتهم الإخبارية خبر تطوع بعض الصينيين في صفوف داعش. 

وهذا ما يعرفه فقط عن بلادي، انها مصنع للإرهاب. منذ تلك الحادثة، أصبح شو صديقي الصيني، وصرت أرسل له دائماً صوراً عن حضارة العراق وجماله وطيبة أهله. 

إقرأوا أيضاً: