الدعاية الروسية: عنزة ولو طارت!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الادعاءات الروسية أتت غاية في الرثاثة والسذاجة والاستخفاف بالعقول، إلى حد إنها تريد تحويل الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى ضحية، وإلى حد نسيان طبيعة النظام الروسي، وخياراته إزاء شعبه، وفي البلدان المحيطة به، وفي سوريا.

رئيس أوكرانيا اليهودي نازي، وبوتين يريد نشر الديمقراطية، والجيش الروسي بمثابة المخلص يريد فقط تحرير الأوكرانيين، ولو بالطائرات والدبابات، يعني “عنزة ولو طارت”. 

هذا باختصار شعار الحرب الإعلامية الروسية، التي تواكب الحرب البوتينية، في أوكرانيا.

من يتابع إعلام روسيا، والناطقين باسمها، وحتى المتعاطفين معها، وضمنهم الذين يتخيّلون أنهم مازالوا في زمن الاتحاد السوفييتي، يظنّ أن أوكرانيا هي التي اجتاحت روسيا، وأن دباباتها وطائراتها وصواريخها تدك المدن الروسية، وأن مئات ألوف المشردين هم روس وليسوا أوكرانيين، وأن الجيش الروسي هو حمامة سلام، وحامل لواء الحرية والديمقراطية.

طبعا ثمة بعض متشاطرين، أو أكثر ذكاء، يريدون أن يضفوا نوعا من الموضوعية على ادعاءاتهم، في دفاعهم عن تلك الحرب، فيذهبون إلى عدم إنكار الوقائع، لكن مع تحميل الطرف الأوكراني مسؤولية الجرائم التي ترتكبها روسيا بحق الأوكرانيين، ما يذكر بإسرائيل وادعاءاتها الصلفة، وضمنه غولدا مائير التي قالت مرة: “لن أسامح الفلسطينيين لأنهم يجبرون جنودنا على قتلهم”!

تدخلت روسيا بوتين في سوريا لوأد طلب الشعب السوري للحرية بدعوى الدفاع عن سيادة سوريا ووحدة أراضيها، لكنها في أوكرانيا نقضت تلك الحجة بخفة ولا مبالاة، بسعيها مصادرة سيادة أوكرانيا، وتجزئة أراضيها

كنا في بداية الأحداث مع كلام روسي عن مجرد مناورات عسكرية روتينية في الأراضي الروسية، ثم في الأراضي البيلاروسية، مع تأكيد أنه لا يوجد أية نوايا حربية، بيد إن الأمر انتقل في مرحلة تالية إلى الحديث عن اشتباكات في إقليم دونباس، بين أقلية روسية والجيش الأوكراني، ليتبع ذلك إعلان قيام جمهوريتين مستقلتين في هذين الإقليمين، اعترفت بهما روسيا بلمح البصر، ثم سرعان ما عقد رئيساهما معاهدة صداقة ودعم مع روسيا، في اجتماع لهما مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بث في الفضائيات. في المحصلة دخلت القوات الروسية الحرب، تحت ذلك الغطاء، دفاعا عن تلك الأقلية، وعن هاتين الجمهوريتين، ما يذكر بحجة “الدفاع عن الأقليات”، التي استخدمها النظام السوري وشريكه الروسي للبطش بالسوريين وتشريدهم.

منذ تلك اللحظة بتنا أمام روايات متناسلة لتبرير الحرب على أوكرانيا، منها منع اللغة الروسية، ثم نية أوكرانيا الانضمام إلى حلف ناتو، مع إن الحديث عن مجرد نية، مع العلم أن ألمانيا وفرنسا أكدتا للرئيس الروسي أن ذلك لن يحصل، وأنه غير مطروح، وأنهما لا توافقان على ذلك. 

في البداية تم تصوير الأمر وكأن روسيا تريد أن تحتاط لضمان عدم دخول أوكرانيا لحلف ناتو، وأنها ستعمد لاستعادة أراضي إقليم دونباس كاملة، لمنح الجمهوريتين الناشئتين مجاليهما الحيوي الإقليمي، لكن الأمر تطور إلى حرب على أوكرانيا كلها، وبات القصف يطاول عديد من المدن ومنها العاصمة كييف.

مع لحظة انكشاف أن هدف بوتين تطويع أوكرانيا كلها، تطور الخطاب الإعلامي الروسي، فإذا بالأمر يتعلق بمحاربة الطغمة النازية في أوكرانيا، التي تسيطر على الحكم، وعلى الشعب الأوكراني، وهو ادعاء لم يهضمه أحد إطلاقا، علما إن الرئيس يهودي، وأن روسيا حاربت السوريين ودكت مدنهم وشردتهم دفاعا عن النظام السائد في سوريا منذ أكثر من نصف قرن، وهي في ذلك ادعت مقاتلة الإرهابيين. 

ثم ظهر ادعاء آخر مفاده أن النظام الأوكراني يقوم بإبادة جماعية، من دون أن يعرف من الذي أبيد، مع السجل الوحشي للجيش الروسي، في عهد بوتين، في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا ذاتها وفي سوريا أيضا!  

في خطابه، الذي برر به الحرب، تحدث بوتين صراحة، في محاضرة عن التاريخ، وعن الجغرافيا والديمغرافيا، والعلاقات الدولية، مؤكدا أنه لا يوجد شيء اسمه أوكرانيا، ولا شعب أوكراني، وأن أوكرانيا هي روسيا، ما يذكر بشعار الحركة الصهيونية: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”!

كان ذلك الخطاب واضحاً، ومباشراً، وهو يدحض، أو يفضح خواء، مجمل الادعاءات التي ظلت تروجها الدعاية الروسية لتبرير الحرب، والتي لا علاقة لها بالمنطق، وتنم عن الاستخفاف بالعقول، واللامبالاة بالأثمان الباهظة التي تلحق بالشعبين الروسي والأوكراني.

مع ذلك ظلت الخطوط الأساسية للدعاية على حالها، حتى لدى الرئيس ذاته، في أن الأمر يتعلق بمحاربة النازيين، الذين يقومون بأعمال إبادة جماعية، لكن أكثر دعاية، لم تكن مهضومة أبدا، تمثلت بتبرير الحرب بإزاحة النظام اللاديمقراطي في أوكرانيا، علما أن الحديث يدور عن رئيس أتى بأغلبية كبيرة، وبرلمان منتخب، وكأن بوتين أبو الديمقراطية، أو كأن النظام الروسي نموذجا يحتذى في التربية على الديمقراطية، أو كأن الديمقراطية يمكن أن تفرض بالدبابات، لكأنه لم يقلب سوريا عاليها واطيها للحفاظ على نظام الفساد والاستبداد في سوريا. 

في خطابه، الذي برر به الحرب، تحدث بوتين صراحة، في محاضرة عن التاريخ، وعن الجغرافيا والديمغرافيا، والعلاقات الدولية، مؤكدا أنه لا يوجد شيء اسمه أوكرانيا، ولا شعب أوكراني، وأن أوكرانيا هي روسيا، ما يذكر بشعار الحركة الصهيونية: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”!

ادعاء آخر، أكثر سماجة، تمثل بتخوف روسيا من نوايا أوكرانيا تملك أسلحة نووية، علما إن أوكرانيا سلمت كل مخزونها من تلك الأسلحة (إبان العهد السوفييتي) إلى روسيا ذاتها في العام 1994، وأن روسيا تمتلك ترسانة نووية هي الأولى أو الثانية في العالم، قبل أو بعد الولايات المتحدة الأمريكية، مع التذكير بأن بوتين لوح بوضعه ترسانته النووية أهبة الاستعداد، ما أثار مخاوف العالم.

في الحديث عن وقف الحرب والذهاب إلى حل سياسي اشترط بوتين أن توافق أوكرانيا على شروطه كاملة، أي أنه فقط يريد استسلام أوكرانيا، لإرضاء غروره، وإشباع روح الغطرسة لديه، والامتلاء بالشعور بالقوة.

الادعاءات الروسية أتت غاية في الرثاثة والسذاجة والاستخفاف بالعقول، (وهذا لا يعني أن الدعايات أو الادعاءات الأخرى أفضل، ولكن ذلك موضوع آخر)، إلى حد إنها تريد تحويل الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى ضحية، وإلى حد نسيان طبيعة النظام الروسي، وخياراته إزاء شعبه، وفي البلدان المحيطة به، وفي سوريا. 

والحقيقة فإن الخوف على روسيا لا يأتي من خارجها، وبالتأكيد ليس من أوكرانيا، ولا من أي تهديد عسكري خارجي، وإنما هو يأتي من داخلها، من طبيعة نظامها، وتفرد رئيسها بالسلطة، فهو يعتبر نفسه أبو روسيا، وهو كفرد المتحكم بمواردها وبجيشها وبخياراتها. 

في التجربة التاريخية ثبت أن الاتحاد السوفييتي انهار من داخله، بسبب العورات التي اكتنفته، إذ هو لم يسقط بحراكات شعبية من داخله، ولا بحصار، أو بحرب، من الخارج. 

تدخلت روسيا بوتين في سوريا لوأد طلب الشعب السوري للحرية بدعوى الدفاع عن سيادة سوريا ووحدة أراضيها، لكنها في أوكرانيا نقضت تلك الحجة بخفة ولا مبالاة، بسعيها مصادرة سيادة أوكرانيا، وتجزئة أراضيها، وهي لم تقم جمهورية واحدة في إقليم دونباس، أي في أراضي أوكرانيا، بل جمهوريتين، وربما تقيم جمهوريات أخرى، فالعصر البوتيني مفتوح على الاحتمالات والمخاطر والادعاءات الغريبة والسمجة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الصورة لا تجيب على أكثر من أنه لم يسرق الذهب. علينا أن نقدر له حفظه أمانة ثروتنا الذهبية التي لا تتجاوز قيمتها الخمسة مليارات دولار، أما المئة والعشرين ملياراً التي أطاحتها هندساته المالية، فهي خارج الكادر، ومن المستحيل أن تشملها الصورة، ثم إنها أوراق وأرقام، وليست ذهباً لامعاً
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني