ذكرى استيلاء حزب “البعث” على سوريا:
“علينا بعث الدماء في عروق مصاصي الدماء”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد 11 سنة كابوسية من الحرب الأهلية المسمّاة رسميّاً "الحرب ضد الإرهاب"، تبين أن الكابوس بدأ الآن. ومع استمرار حزب "البعث" في تصدير شعاراته وتوجيهاته، صار الظرف كارثياً وكوميدياً تماماً. 

“صندوقي على جنبي وأنا بويجي

أتمشى في دربي أروح وآجي”…

لم يُعجَب أبي بالأغنية الجديدة فتابع الإنصات ممتعضاً.

في الأعوام التي تلت ” الثورة المجيدة” وهو الانقلاب الذي أدّى إلى استيلاء “حزب البعث السوري” على السلطة إلى الأبد، كان المزاج في الشام حسّاسّاً.

وبينما كنت أصرخ في نهاية الأغنية:

 “بويا… بويا… من كل الألوان

بويا … بويا… يا زهر البستان”.

وأنا أضع كفي على طرف فمي كما علّموني في روضة الأطفال. لم يحتمل أن يكمل الأغنية. وأشار إلي بلطف حتى أتوقف.

أخبرني أبي في ما بعد أنّه زار مديرة المدرسة وأنّبها على مضمون الأغنية، كان متوجساً من أهزوجة جعلته يتخيل أن ابنته الصغيرة تجوب الشوارع منادية لمسح الأحذية.

هذا هو الوصف الذي كان ينطبق على مخاوف الطبقة الوسطى في سوريا من ثورة 8 آذار/ مارس 1963. ويبدو أن هذه المخاوف تحققت تدريجياً منذ ذلك الوقت وقضي تماماً على هذه الطبقة التي كانت محرّك التعليم والتجارة والسياسة ونواة أحلام البلد الفتي الخارج لتوّه من تاريخ استعماري طويل.

حدث ذلك قبل ثلاث سنوات فقط من تأميم المدارس الخاصة في سوريا، القرار الذي اتُخذ بعد حرب حزيران/ يونيو 1967. حيث وضعت كبريات المدارس العريقة تحت تصرّف وزارة التربية وسحب وزير التربية آنذاك سليمان الخش إدارتها من الراهبات والإخوان والبعثات العلمانية بدواع أمنية، وسواء كانت نيته حسنة أم لا فقد تم تقييد مناهجها التعليمية وتقنين نشاطاتها وتحويلها رويداً رويداً إلى نسخة مشوهة من المدارس الحكومية ضمن هياكل معمارية مجوفة من فحواها تنتصب وسط المدينة، مذكرة بمرحلة الانتداب. 

امتدّ حكم الحزب الواحد 60 عاما، قضى خلالها على المؤسسات التعليمية والثقافية والاقتصادية بدواع أمنية. 

كانت كلمة “أمني” العذر الذي لا يُطعن فيه والذي يسمح باختراق أي فعالية. وآمن الناس بأنه لا خلاص لهم إلا بعبادة النظام الأمني. كانت شعائر هذه العبادة متنوعة: قوانين ساذجة، تقييد حريات، منع سفر، خوّات لوسطاء مشبوهين… مارسها الشعب ليتمكن من البقاء في ظروف كانت تتعقد بمرور الزمن.

لكن الإيمان لم يتزعزع، فالأمن بقي مستتباً، والحمد لله، حتى عندما استمرت الحرب الأهلية في الجوار اللبناني 17 عاماً. وحتى بوجود إسرائيل وراء الحدود واشتعال حرب الخليج الأولى والثانية. 

ولكّن الأمن تبخّر فجأة عند أول تحدٍّ. الأمن لم يقِ البلاد الانقسام. لم يحمِ الناس من التشرّد. لم يوقف الدمار وقص الأعناق. لم يتمكن الأمن من الدفاع عن المدافعين عنه.

أصبح الأمن بلا فعالية مع أن تكلفته مازالت باهظة الثمن.

بعد 11 سنة كابوسية من الحرب الأهلية المسمّاة رسميّاً “الحرب ضد الإرهاب”، تبين أن الكابوس بدأ الآن. ومع استمرار حزب “البعث” في تصدير شعاراته وتوجيهاته، صار الظرف كارثياً وكوميدياً تماماً. 

ما زالت الحكومات المتعاقبة تعيد عزف اللحن القديم بعينه. ولم نعد ندري ماذا علينا أن نفعل أكثر مما فعلناه لنقتنع بأن الاستمرار بهذا المنهج والذي أدى فعلياً إلى الانهيار، يجب أن يتوقف مرة وإلى الأبد. وما زال هذا الحزب يتحكّم بمقاليد السلطتين التنفيذية والتشريعية مخالفاً أبسط المبادئ الدستورية.

نحن في ذكرى انتصار الثورة “المجيدة” الستين ما زلنا نرفع آيات التهنئة والشكر للحزب الذي قضى علينا تماماً،  وذلك بقوة القمع المسلّطة فوق رؤوسنا. وصرنا مطالبين اليوم ببعث الدماء في عروق مصاصي الدماء قبل أن نذوي ونموت واحداً تلو الآخر.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الصورة لا تجيب على أكثر من أنه لم يسرق الذهب. علينا أن نقدر له حفظه أمانة ثروتنا الذهبية التي لا تتجاوز قيمتها الخمسة مليارات دولار، أما المئة والعشرين ملياراً التي أطاحتها هندساته المالية، فهي خارج الكادر، ومن المستحيل أن تشملها الصورة، ثم إنها أوراق وأرقام، وليست ذهباً لامعاً
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني