موت النقد الموسيقي… أَم موت سُلطته؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم تواجه الفنون، كالرواية والشعر والمسرح والرسم والنحت والتصوير والسينما، إشكالية حقيقية مع اللغة المكتوبة كوسيط للتعبير النقدي، كما واجهته كتابة النقد في الفن الموسيقي.

لست من مُحبي النعي والتفَجُّع، ومع ذلك أراني أبدأ بالموت عنواناً لمقالي، سائلاً إذا ما كان النقد الموسيقي المكتوب قد مات. والسؤال هنا يملك مبرراته، أولاً؛ من زوال قناعة، كانت عندي في الماضي راسخة، حول ضرورة هذا النقد بوصفه صِلة الوصل في مثلث العملية الإبداعية (الفنان – الناقد – المُتَلقّي). وثانياً؛ من حدوث مُتغيِّرات كثيرة تُرسّخ الشكَّ في احتمالات هذا الموت.

صحيح أن حاضر اللغة العربية قد ثبَّت مُصطلح “النقد” مقابل المصطلح اللاتيني «Criticism» إلا أنّ هناك تبايناً غير بسيط في معنى كِلا المصطلحين. فالمصطلح اللاتيني  critique والآتي من اصل يوناني kritikosk ومعناه المعرفة في تحديد القيمة الجمالية وإصدار الحكم عليها. في حين انّ مُصطلح “النقد” نقلاw عن ابن منظور في “لسان العرب” هو تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها. بالرغم من وجوه الاختلاف المُضْمرة، فوَجْه الشبه الوحيد في المعْنَيَيْنِ هو المفتاح، بوَصفه حُكْماً أو تمييزاً بين ثنائيات متعاكسة: صحيح / خطأ، جميل / قبيح، حقيقي / مُزيّف. وهو حُكم وتمييز تُمسك بناصِيتهما سُلطة محددة قد تكون اجتماعية- ثقافية أو أيديولوجية – سياسية أم الاثنين معاً.

بدايات النقد الموسيقي

مفهوم النقد الذي بدأ مع الفلسفة اليونانية القديمة بمذاهبها مُتباينة النظرة إلى موضوع الجمال وكيفية تقييمه ربطاً بمنظومة القيم الأخلاقية، تبلور في القرن السادس عشر مع ايمانويل كانط، مُتخذاً معنى فلسفياً متميْزاً، وانتقل في عصر النهضة إلى معظم الآداب والفنون التي أسست لمناهجها النقدية الخاصة.

فالفن الموسيقي، وهو أكثر الأنواع  حداثة في السنّ مقارنة مع الفنون الأخرى، يحاول دائماً اللحاق بالتغييرات الكبيرة الحاصلة على صعيد الفنون الأخرى، ما جعله آخِر من ينخرط في اكتساب سمات عصر فنيّ تحدد شكله واسلوبه وقِيَمه الجمالية. هذا التأخر الدائم أدى الى عدم تشكّل نظريات نقدية خاصة بالفن الموسيقي، إنما كانت حاجته إلى الاستعارة من المناهج النقدية في الرسم والمسرح مفاهيم ومصطلحات ليشكل لغته النقدية الخاصة به، والتي ظلت تشكو من الغموض والضبابية لأسباب تتعلق بطبيعة ظاهرة الصوت.       

           

أنواع النقد الموسيقي

النقد الموسيقي نوعان: الأول بما هو كشف للعمل الفني والحكم على مواطن الجمال فيه، وهو النقد الاكاديمي أو المدرسي الذي يكتبه مُتخصصون في العلوم الموسيقية ويكون بالعادة مُوَجّهاً إلى فئة دارسي هذا الاختصاص والمُهتمّين في أبحاثه. ويستند الناقد الأكاديمي في دراسة موضوعه بشكل حيوي إلى العلوم الموسيقية إضافة إلى تاريخ الفن ونظريات علم الجمال، ومُعتمداً على واحدة من مناهج النقد التقليدية ومنها المنهج التاريخي، المنهج الاجتماعي، والمنهج النفسي-الانثروبولوجي. وقد يكون منهجاً حداثياً مثل المنهج البنيوي أو التفكيكي أو السيميولوجي.

أما النوع الثاني فهو النقد الموسيقي الذي يُكتب في الصحافة music journalism ويُنشر لعامة القراء في مختلف وسائل الإعلام، ويهدف الى تحسين العلاقة  بين العمل الفني وجمهور المُستمعين.

لا شكوك تساورني حول صحة النقد الأكاديمي/ المدرسي الذي تطورت مناهجه ولغته، جنباً الى جنب مع تطور العلوم الموسيقية (نظريات ميوزكولوجية ومدارس تأليفية وأساليب أدائية). إنما الشكُّ وعدم اليقين يُطرحان حول صحة النقد الموسيقي الصحافي. كما يُطرح سؤال حول مشروعية استمراره في ظل متغيرات جذرية حصلت وتحصل في كل نواحي الحياة منذ الألفية الثالثة.

بقي النقد الموسيقي عموماً يُمارَس كجزء تابع لتاريخ الفن، إلى أن استقلَّ كلياً عنه في منتصف القرن الثامن عشر، وبعدما أصبحت دراسة علم الجمال esthetic فرعاً فلسفياً مستقلاً بذاته. أمّا تطور مدارس التأليف الموسيقي وتياراته، وانبثاق ظاهرة العازف المنفرد، وانتشار واسع النطاق للصحف والمجلات المطبوعة، كل هذا أدى وقتذاك الى ان ينخرط الموسيقيون في الكتابة النقدية الصحفيّة.

والهدف منه كان، إما لمحاولة شرح برامج الحفلات الموسيقية وتحسين فهمها وانتشارها بين جمهور المستمعين، أو لكتابة تقرير عن ظهور عازف ماهر (virtuoso)، وإمّا لمحاولة التصدي أو التبشير بأفكار وأساليب موسيقية تزعم الجِدّة والتغيير.

النقد الموسيقي لم يمُت بل اضمحل وخسر الكثير من وزنه وثأثيره. وهو اذْ يعيش ازمة صياغة لُغته وتبلور أهدافه في وسائلِ تواصلٍ منزوعة السُلطة ومُتاحة للجميع، إلّا ان الوقت قد يطول به ليستعيد عافيته.

مقالة النقد الصحفي

من أوائل المقالات النقدية وأشهرها على الاطلاق في تاريخ الموسيقى كان مقال كتبه جان ادولف شيْبي (1708- 1776) وهو مؤلف موسيقي ألماني من أصل دنماركي، وناقد مشهور، عاصر المؤلف الموسيقي جان سيباستيان باخ.

وشهرة هذا المقال تأتي من كون الناقد المُحافظ شيْبي لم يرحب بالموسيقي المجدد باخ، وانتقده بعنف واصفاً تركيباته الموسيقية بأنها معقدة ومصطنعة وبعيدة من معايير الجمال والجودة. لقد كان وما زال لهذا المقال الموسيقي صدى كبيراً في دراسات نقاد الموسيقى لاحقاً. تناول هؤلاء ظاهرة سلطة الناقد في منطلقاتها الذاتية وابعادها السيكولوجية، وطرحوا علامات استفهام حول موضوعية الأحكام الصادرة في كتابات الناقد الموسيقى في الصحف.      

عام 1840 كانت تاريخاً مفصلياً لانطلاقة حقيقية للمقال الصحافي في النقد الموسيقي مع المؤلف الموسيقي الألماني روبرت شومان، الذي أسس أول مجلّة دورية تهتم بالفن الموسيقى حصراً وكتب فيها بشكل دوري، مبشراً بأسس المدرسة الرومنطيقية الجديدة والثائرة حينذاك على مدرسة التأليف الكلاسيكية.  في الوقت ذاته تقريباً شرع المؤلف الفرنسي هكتور برليوز أيضاً بكتابة مقالات نقدية في الموسيقى نشرها في صحف باريسية، في حين كانت قد صدرت في لندن مجلة “الأوقات الموسيقية” وكان أحد كتابها جيمس وليم ديفسون الذي يُعد من ألمع كتاب المقالة النقدية الموسيقية في زمانه. هذه الشخصيات الموسيقية بجانب غيرها أسست لمقالة النقد الموسيقي الصحافي شكلاً ومضموناً بطابعها الرصين الذي يُعطي الأولوية للتحليل التقني لعناصر العمل الموسيقي من أجل تبيان قيمتها الجمالية وإصدار الأحكام بشأنها.

لم تلْقَ هذه الكتابات الرواج الجماهيري المطلوب بل اقتصر قراؤها على هواة هذا النوع. ولكنها وضعت الأسس والمعايير لمقال النقد الموسيقي في الصحف والمُختلف شكلاً وأسلوباً ولغة عن النقد الأكاديمي. ولاحقاً جُمع الكثير منها في كتب لتُشكّل مُسوَدَّة غنيّة للتاريخ الموسيقي.

إقرأوا أيضاً:

إشكالية اللغة في المقال الموسيقي الصحافي

لم تواجه الفنون، كالرواية والشعر والمسرح والرسم  والنحت والتصوير والسينما، إشكالية حقيقية مع اللغة المكتوبة كوسيط للتعبير النقدي، كما واجهته كتابة النقد في الفن الموسيقي. فمعظم تلك الفنون نتلمَّس جمالياتها عبر العين المُشاهِدة حيث البصر يلعب دوراً محورياً في الادراك والتحليل بجانب حواس اُخرى. في الرواية مثلاً، العين تقرأ اوصافاً محددة للشخصيات وتتخيل الأحداث بالمكان والزمان الموصوفين بدقة الكلام المكتوب. وفي المسرح ايضاً يحدث هذا، مُضيفاً لتجسيد الشخصيات على المسرح من حدة الحالة الدرامية، ما يُمكّن اللغة الوصفية من لعب دور الوسيط النزيه والموضوعي في كتابة النص النقدي.

أمّا الفن الموسيقى بكوْنه فناً شديد الخصوصية لناحية استعماله الصوت كظاهرة فيزيائية ورياضية من أجل التعبير الفني، فيتوَجْه حصراً الى الاُذُن غير المُدركة إلا لُغة التخاطب الاجتماعي وأصوات الطبيعة.

وهنا تحديداً تنشأ إشكالية تحويل التعبيرات الصوتية غير المرئية والمُتضمنة افكاراً وحالات إنسانية معقدة، إلى لغة نقدية مكتوبة. فالمُعْضلة تتمحور في كيفية أن نكتب توصيفاً لغوياً لصوت أو لمجموعة أصوات موسيقية ونخُصّها بحالة إنسانية محددة؟ فهل يكون هذا الوصف صحيحاً وموضوعياً أم يكون غامضاً وذاتياً؟ وكيف يستقيم حُكم القيمة الجمالية في غموض المعنى ودوافع الذات الخاصة للناقد؟

لقد واجه كُتّاب النقد الموسيقي وعلى تنوع مدارسهم وتياراتهم هذه المُعْضِلة المؤرقة في كتاباتهم. من ناحية النقاد الأكاديميين، فقد استطاعوا في نهايات القرن التاسع عشر أن يأسسوا لمعايير نقدية مُستمَدّة من تطور النظرية الموسيقية في تحليل الشكل والأسلوب الموسيقيين وكل العناصر المُكّونة للنسيج الموسيقي، مُستندين بشكل مُكّثف في نقدهم المكتوب إلى أمثلة استدلالية من صميم المُدوّنة الموسيقية music score. وهو الأمر الذي كان ولم يزل غير مرغوب استعماله في النقد الموسيقي المكتوب في الصحف والمجلات، نظراً لعدم قدرة جمهور القراء على فهمه والإحاطة بمقاصده، ما جعل الاهتمام بمقال النقد الموسيقي في الصحف ينحسر لفترة طويلة من الزمن.

عَلَّ في إعلان الموت هذا استفادة عظيمة للمُتلقّي المستمع الذي ضاق ذرعاً بالوصاية على ذوقه الفني، ولم يعد يريد توجيهات من احد في ما هو جميل وجدير بالسماع وما هو لا.

ازدهار المقال الموسيقي

 في منتصف القرن العشرين ومع بدء ظاهرة انتشار أنماط جديدة في الموسيقى الشعبية مثل البوب والروك، والاهتمام المتزايد لارتياد الحفلات الموسيقية، عاد المقال الموسيقي الصحافي ليستعيد نشاطه بشكل غير مسبوق. وقد مهدت لهذه العودة عوامل أهمها تطور آلات البث الصوتية الإذاعية والتلفزيونية والتسجيل والاستماع. ما دفع الإنتاج الموسيقي وللمرة الأولى، إلى أن يصير سلعة إنتاجية تتبناه الشركات التجارية في توظيف لرؤوس أموالها  عبر استثمار المواهب الفنية. فنشأت وظيفة الإنتاج الموسيقي كمؤسسة وسيطة وربحية لاجتذاب النجوم وإقامة المهرجانات الضخمة. فأُعيد إدخال النقد الموسيقي الصحافي من باب هذه الشركات الإنتاجية كوسيلة للترويج والمنافسة. وخصصت كبريات الصحف الأميركية والأوروبية قسماً خاصاً كبيراً ومُبَوَّباً لكُتّاب المقال النقدي الصحافي. 

وقد اتسم هذا النوع من الكتابات النقدية بمعظمه باستفاضات وصفية وانطباعات ذاتية لا هدف لها سوى الدعاية للفنان والترويج للمُنتَج الفني لتحفيز الجمهور على حضور الحفلة الموسيقية أو شراء الالبوم الموسيقي. وكل هذا أتى ليكرّس الناقد الموسيقي الصحفي كسلطة فنية مرتبطة بطبيعة الحال بسلطة اعلى منه وهي سلطة الإنتاج أو سلطة صاحب الوسيلة الإعلامية.

 قِلّة من كُتّاب هذا النوع من النقد الموسيقي في الغرب شكّلت حالة مُستقلة فاستطاعت أن تكون مرجعية فنية معنوية لجمهور صغير من المستمعين، إنّما من دون القدرة على التأثير في  معايير التسويق واتجاهات ذائقة الجمهور العريض.

اعتراف ومقايضة

 الجدير ملاحظته هنا هو نشوء علاقة غير مستقرة بين الموسيقي، مؤلفاً كان ام مؤدّياً، وبين الناقد الصُحفي. علاقة مُلتبسة يسودها التوتر المكبوت من الطرفين، والمُنطوي على انعدام الاعتراف أحدهما بالآخر. ويتأتى هذا التوتر من السُلطة الممنوحة للناقد الصحفي (وهو على الأغلب ليس موسيقياً) لإصدار أحكامه المُبرمة على عمل تأليفي او اداءٍ موسيقي يؤمِن صاحبه (وهو المُحتاج للدعاية والتسويق) أن عمله الفني كامل، بحيث لا تشوبه أيّ شائبة شكلاً ومضمونا.

 اختلال التوازن بين الناقد الصحافي والفنان الموسيقي يُدخلهما عادة في علاقة عُصابية ذي طبيعة نفعيّة، تكون نتيجتها إمّا تهميشاً واقصاءً كلٌ للآخر، أو نفاقاً متبادلاً ومشروطاً بموجبه يعترف فيها الناقد “بموهبة” الموسيقي فيمدح عمله الفني ويبجله مكرساً فضائله في الفن، على أن يعترف الموسيقي في الوقت نفسه بسُلطة كاتب المقال الصحفي مُطلقاً عليه لقب “الناقد” المثقف ذو الرؤية وصاحب الاُذن المرهفة.     

تغيّرات وتحولات 

اليوم ومع تقدم الثورة الرقمية وعصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة كالنار في الهشيم، نكاد لا نلحظ وجود الكثير من وسائل وأدوات ذاك الزمن المنطوي خلفنا. فتطور التكنولوجيا الرقمية ألغى الكثير من المهن أو على الأقل عدّل في أشكال ممارستها وخفّض أعداد العاملين فيها إلى حدود غير مسبوقة. والصحافة من تلك المِهن التي أنهت عهدها الورقي وتحولت إلى الرقمنة. ونتيجة لذلك فقد استغنت أهم الصحف العالمية عن أقسامها الفنية المُخصصة للنقد الموسيقي وأبقت على القليل من كُتّابها للعمل بشكل جزئي.

التغييرات شملت شركات الإنتاج الفنية وطرائق تسويق انتاجاتها الموسيقية. فلم يعد هناك أي منفعة ربحية لتمويل اصدار الأسطوانات والالبومات الموسيقية وحتى إن الكثير من الحفلات الموسيقية فقدت جمهورها ومُموِّليها، نتيجة البث المباشر الرقمي وقنوات مثل “يوتيوب”. الجمهور تغيّر أيضاً بانصرافه الكلّي الى شبكة الإنترنت كمصدر غني وسريع لاستخراج المعلومات والمعارف على انواعها. والاهم من هذا كله انغماس الجميع في وسائل التواصل الاجتماعي الرقمي التي قُدِّمت على انها افتراضية، ولكن التجربة مع الوقت تُصيِّرها تواصلاً شبه حقيقي يسوده مناخات من الانفتاح والديموقراطية وإن بدت أحياناً  في بعض وجوهها على شيء من السطحية والفوضوية.

الثورة الرقمية وعبر وسائلها المتنوعة أتاحت للجميع، نساء رجالاً ومراهقين كلٌ بحسب معرفته وقدرته، الإدلاء بآرائهم السياسية والاجتماعية والفنية على السواء. وسمح تعبير “الإيموجي” ودليل الإعجاب (اللايك) بتحشيد الرأي العام وتأطيره بمجموعات كثيرة متنوعة الأهواء والأذواق والأمزجة. 

كما أصبح المرء المشارك في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي يملك الحق في أن يكون ما يشاء: مُصوّراً فوتوغرافياً، طباخاً، مُغنّياً، شاعراً، كاتباً، صحافياً، مبشراً دينياً وحتى ناقداً موسيقياً. 

في خِضم هذه المتغيرات العميقة خسر الناقد الصحافي الفني والموسيقي على وجه التحديد سلطته على الرأي العام وتأثيره في الذائقة. فاتجه بعضهم الى كتابة آرائهم النقدية في مُدوّنات رقمية. وبعضهم الآخر عمد الى انتاج الفيديو القصير لتحليل الموسيقى وبثُّه في فضاء الانترنت. وآخرون شرعوا بالكتابة نقداً في الظواهر الموسيقية بدل الكتابة عن الفنانين وأعمالهم. ولكن فئة منهم ظلت متمسكة بكتابة النقد الموسيقي الصحافي بالأسلوب الوصفي والانطباعي الذاتي، رافعة لواء “التبشير والتَوْعية” بهدف رفع مستوى الذائقة الموسيقية لدى الجماهير. فكانت هذه الفئة بحق كمن ما زال يعيش تحت الأرض غير عابئ بما حصل فوقها.

اعلان موت وتحرر

النقد الموسيقي لم يمُت بل اضمحل وخسر الكثير من وزنه وثأثيره. وهو اذْ يعيش ازمة صياغة لُغته وتبلور أهدافه في وسائلِ تواصلٍ منزوعة السُلطة ومُتاحة للجميع، إلّا ان الوقت قد يطول به ليستعيد عافيته. أمّا الذي مات، برأيّ، فهو سلطة الناقد الصحفي ولغته الوصْفية المُنتهية الصلاحية والمليئة بكلمات المديح  او الذم التي لا تُنتج إلّا فراغ المعنى وانتشاء الذات.

عَلَّ في إعلان الموت هذا استفادة عظيمة للمُتلقّي المستمع الذي ضاق ذرعاً بالوصاية على ذوقه الفني، ولم يعد يريد توجيهات من احد في ما هو جميل وجدير بالسماع وما هو لا. أما الاستفادة الاعظم فستؤول حتماً الى المؤلِّف والمؤدي في اعلان تحررهما من سُلطة الناقد، وشروعهما الكتابة بأنفسهم عن أعمالهم الموسيقية وتقديمها للجمهور شرحاً وترويجاً كما فعل كثيرون من اقرانهم  قبل مئة وثمانين عاماً…فهل يتحررون؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني