بعد فصل سائقة “أوبر” لاصطحابها طفلها…
من يحمي الأمهات المصريات؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

السيدة اضطرت للعمل مع الشركة لتؤمن حاجات طفلها، بعد انفصالها عن والده وامتناعه عن نفقة طفلهما، وفصلها جاء على تقييم عميلة انزعجت من وجود الطفل خلال الرحلة!

تنتفض مي سعدي، كاتبة محتوى، على صوت المنبه وتخفض صوته سريعاً كي لا يوقظ طفلها، تحاول أن تنجز مهماتها المنزلية، وبأنفاس لاهثة تبدأ العمل على حاسوبها، فيما تجري مكالمة هاتفية مع أفراد أسرتها تطلب منهم استضافة صغيرها بعدما رفضت شركتها اصطحابه معها إلى مقر العمل، على الجانب الآخر تستقبل يوستينا ثروت حاملة طفلها، داخل مقر شركتها الأمهات الثلاث العاملات هناك برفقة أطفالهن.

مي هي كاتبة محتوى وتعمل في التسويق الرقمي، وقد أصبحت مديرة في الشركة التي تعمل فيها منذ سنوات بدوام كامل براتب يعد متوسطاً، كان يوفر لها جزءاً من احتياجاتها الشخصية واحتياجات الأسرة، حتى حملت بطفلها الأول وتدهورت حالتها الصحية، ما دفعها للعمل من المنزل، لكنها ظلت ملتزمة بعدد ساعات عملها كاملة. وبعدما وضعت طفلها أصبح عملها مصدر إرهاق إضافي، إذ ليس لديها أقارب لتتركه معهم ولا تستطيع تركه في حضانة في شهوره الأولى. 

أما يوستينا فهي أم ومؤسسة مبادرة Mother comfort zone، وهي مبادرة لتوفير مساحة آمنة وداعمة للأمهات، دفعها دورها كأم مغتربة في العاصمة وبعيدة من عائلتها وعاملة أن تفكر هي وزوجها شريك عملها في توفير بيئة عمل تحتضن الأمهات وأطفالهم.

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حادث فصل سيدة تدعى عزة من عملها وهي كانت سائقة “أوبر”، بسبب اصطحابها طفلها في رحلتها مع الزبائن، وفي تصريحات سابقة لها قالت إنها اضطرت للعمل مع الشركة لتؤمن حاجات طفلها، بعد انفصالها عن والده وامتناعه عن نفقة طفلهما، وأن فصلها جاء على تقييم عميلة انزعجت من وجود الطفل خلال الرحلة، لتفتح عزة النقاش مجدداً حول صراع النساء بين دور الأمومة والعمل ومتطلباته.

“الأمر يبدأ من جهل الشركات بقضايا النوع الاجتماعي وضرورة توفير بيئة عمل تتناسب مع الأدوار الاجتماعية للنساء” هكذا بدأت نيفين عبيد الباحثة في قضايا النوع الاجتماعي حديثها مع “درج”، وعلى رغم الأهداف التي تحرزها النساء كل يوم في مناصب القيادة ومراكز اتخاذ القرار، لكن ما زال التمثيل بنسب ضئيلة مقابل التمثيل الذكوري الذي لا يتفهم ضرورة تهيئة بيئة عمل تتسع للجميع. وتقول عبيد، “من الضروري النظر إلى موازين القوى وتحديد عدد النساء في المناصب القيادية، ما يجعل الإدارة على الأرضية ذاتها مع العاملات والوعي باحتياجاتهن، فذلك يساعد على تهيئة العمل يما يحقق مكاسب لكلا الطرفين”.

بحجة تعطيل سير العمل رفضت الشركة حيث تعمل سعدي أن تصطحب طفلها معها في ساعات العمل وهو لم يتجاوز سنته الأولى بعد، تقول “وددت أن اصطحب طفلي بخاصة أنه في شهوره الأولى ولا يزال يحتاجني بجانبه لكن المسؤولين قابلوا ذلك بالرفض القاطع، لكنهم تركوا لي فرصة العمل من المنزل، وكان ذلك مقبولاً في ظل جائحة كورونا، ولا أعتقد أن ذلك كان ممكناً إلا بعدما أجبرنا الوباء على أن نختبر العمل من بُعد”. 

غرفة للأطفال

خصصت ثروت غرفة صغيرة مشمسة داخل شركتها الخاصة بشؤون البرمجة، وجهّزتها لاستقبال طفلها وأطفال الأمهات من فريقها وتقول “من ضمن فريق يضم 15 فرداً، هناك 3 أمهات لديهن أطفال، ولأنني أم عاملة أتفهم المشاعر التي تمر بها الأم لناحية رغبتها وحاجتها للعمل وشعورها بالذنب تجاه طفلها بجانب اللوم والاتهامات مِمَن حولها، لذلك اتخذنا القرار بتطويع المكان ليناسب احتياجاتهن”.

وحدهن الأمهات يعرفن هذه المعاناة، لذلك فكرت ثروت في البحث عن حلول “قد يظهر الوضع مُعطِلاً لسير العمل، لكن في الحقيقة لم نفقد كوارد مهمة في فريقنا ولم تعد الأم مضطرة للغياب عن العمل لرعاية الطفل، وأصبحنا نتعامل مع ذلك من خلال وضع مواعيد محددة لتسليم أي تكليف، ما ينظم نوعاً ما خطة العمل”.

تضيف عبيد، “الكل رابح في حال توفير سُبل مساعدة للأم في رعاية طفلها، لأن الضغط النفسي على الأم سيقل بالتابعية، بحيث تستغنى عن البحث عن مكان آمن للطفل وتوصيله بما يهدر جزءاً كبيراً من وقتها ويرهقها مادياً وبدنياً، ولا تضطر للتغيب عن العمل أو طلب مزيد من الاجازات، ولم تعد بحاجة إلى خسارة مصدر دخلها عند الحصول على إجازة طويلة لرعاية الطفل، وبالنسبة إلى صاحب العمل فسيلاحظ أن إنتاجية الأم ستتحسن ما دامت مطمئنة لأن طفلها بخير”. 

ذكر المركز القومي للمرأة في تقرير سابق أن ارتفاع نسبة البطالة بين النساء مؤشر خطير، بخاصة مع تفضيل القطاع الخاص تشغيل الذكور بسبب خوفه من تأثير دور المرأة المكرس اجتماعياً لجهة توليها الواجبات المنزلية ورعاية الأطفال، في أدائها في العمل. هذا الواقع ساهم في ارتفاع نسب الفقر وتدهور حالات الأسر وإضعاف استقلال المرأة اقتصاديا وبالتالي دفعها للقبول بالاجحاف الاجتماعي ضدها.

بحسب “مركز التعبئة والإحصاء المصري”، هناك 3.3 مليون أسرة تعولها النساء بما يعادل 30 في المئة من الأسر تقريباً والأعداد تستمر في الزيادة، منهم 7.1 في المئة من المطلقات اللائي يتحملن نفقة أسرهن بالكامل.

مع تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع الأسعار، أصبح عمل المرأة ضرورة لتأمين حاجات الأسرة، وتضييق الوضع على الأمهات يعد مساهمة في إفقار الأسر، فإلى جانب الصراع المجتمعي لإثبات مكانتها وصراعها في سوق العمل من التحرش إلى التمييز في الأجور، فإن الأمهات العاملات يتحمّلن مسؤولية كبيرة في رعاية أطفالهن وإعالتهم.

حدد قانون العمل المصري وضع المرأة داخل منظومة العمل لا سيما الأمهات من خلال مواد تقر حقوقهن، فكفل حق الحصول على إجازة وجوبية لرعاية طفل مدفوعة بالكامل لمدة لا تزيد عن أربعة أشهر ولا تقل عن 45 يوماً، إلى حق الحصول على فترتي راحة لإرضاع الصغير أو تخفيض ساعة واحدة من ساعات العمل بما يسمى “استراحة رضاعة” لمدة 24 شهراً ولا يترتب على ذلك  تخفيض في الأجر، وتسري هذه الحقوق على جميع القطاعات. 

يوضح المحامي الحقوقي المتخصص في القضايا العمالية والفصل التعسفي لـ”درج”، أن المادة 73 من قانون الطفل ونظمه قرار وزارة القوى العاملة رقم 121، تُلزم صاحب العمل الذي يضم فريقه 100 امرأة أن يوفر لهن حضانة لأطفالهن أو تعقد الأم اتفاقاً مع دار حضانة ويتكفل بمصروفاتها، ومن لديه أقل من 100 امرأة فعليه أن يعهد لدار حضانة ويتكفل بمصروفاتها، وهذا يضمن حق الأمهات في رعاية أطفالهن”.

خدمة رقمية وحسب

تروج شركات النقل بخاصة “أوبر” نفسها على أنها خدمة رقمية تساعد المواطنين في الحصول على الخدمة وحسب، وتستغل ذلك معظم شركات التطبيقات الرقمية، وهذا ما لقيت به عزة هجوماً واسعاً لتخلي الشركة يدها عن حادث الفصل والتنصل من حقوق العاملات بها، لكن عام 2017 قضت محكمة العدل الأوروبية بأن “أوبر” هي شركة نقل وليست مجرد خدمة رقمية، وهذا الحكم تقاس به بقية الشركات المماثلة.

يقول سعد، “أصبحت الشركات تحاول الإفلات من واجبتها القانونية، وفي حالة أوبر فإن الشركة ملزمة بكفالة كل حقوق العاملين والعاملات، وينطبق عليها القانون سالف الذكر وعليها إعطاء الأمهات العاملات لديها كل حقوقهن، وما حدث مع كابتن عزة يعتبر فصلاً تعسفياً من العمل، بخاصة أنه حصل دون علمها وتستطيع الكابتن رفع دعوى ضد الشركة للمطالبة بحقها بالعمل والتعويض”.

زيادة العبء يجبرهن على التنازل عن راحتهن والتضحية كثيراً للقيام بالمهمات المطلوبة، تروي سعدي، “أشعر بالإرهاق الدائم الذي بدأ ينعكس على حالتي الصحية فأنا محرومة من النوم، استغل وقت نوم طفلي للعمل أو إنجاز واجباتي المنزلية قبل أن يستيقظ”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني