fbpx

أن تكون سورياً في “ويك أند” انتخابي في لبنان

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

عشت نحو 15 سنة خائفة ومرتعبة من أن يكتشف أحد أصدقائي حقيقة أنّني سورية، أتقنت اللهجة اللبنانية منذ الصغر لأنال رضا المحيط، لقد قصصت لساني وبردته لأصبح مقبولة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

اليوم الأحد، أجلس أمام نافذتي الصغيرة أراقب وضع الشارع في الانتخابات، أراقب المواكب والأعلام التي تكبر شبّاكي والأناشيد التي تصدح بصوت “رجولي” عميق. لم تكن سهلة مراقبة عملية صنع القرار من وراء زجاج كاتم للصوت وعازل للصورة، لم يكن سهلاً الشعور بأن خارج هذا الزجاج لا هوية أو رأي لك. 

في اللحظة التي تُرمى فيها خلف الهوامش يبدأ الشك بالوجود وأحقيته، وبرغم أنّني الى جانب المواكب كنت أرى انعكاس وجهي في الشباك، إلا أن في لبنان لا يكفي أن ترى نفسك ليراك الجميع، ولا يكفي أن تفكر كي تكون موجوداً. كان شباكي صغيراً لكنه كبير بما يكفي لأرى المشهد السياسي الكامل مغبّراً، إنما شفاف إلى الحد الذي يتيح لي الرؤية بوضوح. 

منذ 20 عاماً تقريباً قرر والداي الرحيل من سوريا، واختارا لبنان بلداً بديلاً لهما ولابنتهما التي كانت في الرابعة تقريباً. لم يكن من الأسباب ما يجبر أهلي على الرحيل من سوريا، لكنهما وكأي إنسان بالغ وحرّ اختارا بقعة جغرافية مغايرة لهويتهما للاستقرار فيها. ولد أبي في بيروت عام 1964، تعلّم في مدارسها ثم رحل مجبراً الى سوريا في اجتياح عام 1982، تاركاً مدرسته وأصدقاءه وبيته وشارع الحمراء الذي ولد وكبر فيه، حتى أكل الشارع القسم الأكبر من قلبه، رحل تاركاً البلد الذي اعتقد أنه وطنه تحت قصف العدو الإسرائيلي ونيران الأحزاب المتقاتلة. لم يستطع والدي البقاء بعيداً من لبنان إلا لسنوات قليلة، ثم عاد كما يعود المغترب إلى بلده وظل يتنقل بين سوريا ولبنان حتى أنجبتني أمي في دمشق عام 1998، حينها قرر والدي أن يعود إلى لبنان إلى الأبد، بهويته السورية وقلبه اللبناني. كبرت أنا في لبنان حيث درست من الروضة إلى الجامعة، تخرجت منذ ثلاث سنوات تقريباً من الجامعة الوطنية الوحيدة في البلاد. كنت دائماً أدفع ضعف القسط الذي يدفعه اللبناني باعتباري “أجنبية”. اضطررنا أهلي وأنا، إلى سحب قروض مالية لأتسجل في جامعة الفقراء، وبعدما تخرجت سدّت وسائل الإعلام والكثير من الأشغال الباب في وجهي لأنني لست لبنانية. جلت المدن بحثاً عن وظيفة تمكنني من إنقاذ نفسي وعائلتي من الاستدانة والقروض والعجز، رُفضت عشرات المرات بسبب هويتي، وواجهت الذل مئة مرة. جلس مديرون كثيرون في وجهي، وبكل برودة قالوا “بما انك سورية المعاش رح يكون أقل”، قدمت سيرتي الذاتية التي تحمل شهادتي الجامعية وخبرتي في العمل الصحافي للعمل جليسة لأطفال الروضة في إحدى المدارس، أعتني بهم في الملعب وأدخلهم إلى الحمامات، ومع هذا رُفضت بسبب هويتي. لم أخجل يوماً من أي عمل، عملت نادلة في المطاعم عندما كنت أدرس في الجامعة لسداد القرض وتأمين إيجار الطريق ومصروفي اليومي ومساعدة أهلي في مصاريف البيت وبعد تخرجي عملت في تنظيف الأحراج والطرق كي أعيل أهلي ونفسي. لم تكن فكرة العمل مهما كان تخيفني، لكن كانت فكرة تقديم سيرتي الذاتية ترعبني لأنني كنت دائما أنتظر رد الفعل السلبية بسبب هويتي، كنت أجلس وأنا أسمع قلبي يرتعب خوفاً من الرفض والعنصرية. لم تكن العنصرية تفصيلاً ثانوياً في حياتي، فقد اكتشفت أنها الجزء الأساس من أزماتي.

إقرأوا أيضاً:

 ليس من السهل أن تكبر في لبنان في فترة خروج الجيش السوري من البلاد، كان هذا يعني أن تخفي جنسيتك عن أصدقائك ومعارفك ومعلماتك خوفاً من النبذ والإقصاء والتنمر. كنت في الصف الأول أو الثاني عندما خرج الجيش السوري من لبنان، وتحملت ذنب ما ارتكبه هؤلاء في السابع من عمري. عندما أنظر إلى الأمور الآن أشعر بأنني ضحية البلدين، لقد رُبط اسمي بالسلطة السورية وجيشها مذ كنت في السابعة، لقد حاسبني العالم على ما فعله السياسيون والجيوش منذ ذلك الوقت وحتى الآن. كانت طفولتي عبارة عن خوف وخجل وشعور بالعار من هويتي، لقد عشت نحو 15 سنة خائفة ومرتعبة من أن يكتشف أحد أصدقائي حقيقة أنّني سورية، أتقنت اللهجة اللبنانية منذ الصغر لأنال رضا المحيط، لقد قصصت لساني وبردته لأصبح مقبولة. 20 سنة في لبنان، اشتغلتُ في 7 محلات ومجالات عدة، تنقلتُ بين ثلاث مناطق و6 بيوت للإيجار، دفعتُ كل ما أنتجته انا وأهلي ضرائبَ للدولة وإيجارات ومقابل خدمات وطعام، لم يفضّل أحد علينا بخدمة أو 5000 ليرة، لم نقرع أبواب القصور ولم نساهم في فساد المؤسسات، لم نتوقف في المخافر ولم نتلقَ أي مخالفة. لست ممن يبجل الإنسان “الخلوق” في ظل هذه الأنظمة لكنني أقول هذا لأصرخ بوجه السلطة وأحزابها ورجالها وقراراتهم العنصرية التي تحظر تجولنا خوفاً منا.

لقد نجحت السلطة بإخراج نفسها بصورة البطل “الحامي” من الوحوش، ونجحت في شيطنة “الآخر” أيّاً كان. خلقت لشعبها حروباً وهمية للتخلي عن الحرية حفاظاً على الأمان. لم يكن البلد الذي أحلم فيه أنا ورفاقي يضع الحرية موقع الخيار، يجب أن تكون الحرية حقاً بدهياً لا يحتمل المساومة، لا يُخير بينها وبين الأمان الذي يعتبر حقاً بدهياً أيضاً. أصدرت بلديات عدة قراراً بحظر التجول على اللاجئين السوريين و”إقفال المخيمات” على اللاجئين الفلسطينيين، أصدرت هذه القرارات فيما كانت تدّعي انها تمارس فعلاً ديموقراطياً خارجه. 

أنهكت الخطابات العاطفية والشعارات الرنانة آذاننا منذ شهور، تغنّى الجميع بالديموقراطية واحترام إرادة الشعب وحريته وتغنوا بالكرامة والإنسانية و”لبنان المثالي” والتقدمية والحضارة والتطور، ولم يبقَ زعيم إلّا وقدم نفسه على أنه “الإنسان الجديد الحضاري” و”سوبر مان” الذي سينقذ البلد من الهلاك، ويرغم هذا لم نسمع اعتراضاً واحداً على هذه القرارات العنصرية. لا أقول هذا باستغراب لأنني على يقين بأن هذه العنصرية هي سياسة ممنهجة تتبعها الأحزاب نفسها كورقة من الأوراق السياسية التي تشد العصب وتحدث شرخاً بين الجماهير، يعرقل إحداث أي تغيير حقيقي، بل كنوع من التذكير ولفت الانتباه الى ازدواجية معايير هؤلاء ونفاقهم. 

لم ينتهِ هذا اليوم وما زلتُ أتابع تارة من وراء شبّاكي وتارة من وراء الشاشات الصغيرة في البيت. أتجوّل في البيت حيث لا حواجز كارهة لهويتي، أصرخ رأيي في صوت عالٍ لأشعر بأن لوجودي في هذه البلاد قيمة، أتصل بأصدقائي لأتأكد من أنهم انتخبوا التغيير بسلام، ثم أجلس وراء هاتفي أحرض على السلطة التي منعتني من حقي في التصويت ضدها، وحقي في التجول ليومين، وحقي في أن أحمل هوية البلاد التي عشتُ وتعلمت وعملت فيها، وحقي في أن أمارس إنسانيتي في العمل بمعاش لائق، وحقي في أن أثور ضدها في الساحات دون معاقبتي أشد العقوبات، وحقي في ألا أُحاسب كمجرمة وأسجن بين الجدران خوفاً مني. لا رأي لي في الدولة التي ستفرض عليّ الضرائب وتشرع قوانين البلد الذي أعيش فيه، لكن إذا أقفلوا كل الصناديق في وجهي وصدّوا الأبواب، لن أبقى خلف الشباك أراقب إلى الأبد، فالشوارع لا تقفل، والساحات لا جدران لها، وإن غداً لناظره قريب.

إقرأوا أيضاً: