عندما خدعنا النظام السوريّ وقال إنه سيفرج عن المعتقلين

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

تعلّم السوريون طريقة للتعايش مع اعتقال تعسفي أو مفاجئ، لذلك يسعى كلّ من اعتقله النظام إلى معرفة الفرع الذي أوقف فيه، من خلال محاولة استراق النظر أو سؤال السجناء.

لا تزال آلاف العائلات السورية تنتظر خبراً عن أبنائها المعتقلين والمغيبين قسراً، لم يكن العفو الأخير الذي أصدره رئيس النظام السوري بشار الأسد سوى سكين جديدة في أجساد السوريين، إذ كشف النقاب عن مأساة قابعة في كلّ مكان من حولهم، إنها مآسي عائلات معتقلين يفوق عددهم 130 ألفاً.

النظام السوري لا يساعد شعبه

قالت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” يوم الأحد 16 أيار/ مايو إن النظام السوري أفرج عن 476 شخصاً، وما زال لديه حوالى 132 ألف معتقل ومغيب قسراً، واعتبر التقرير أن العفو شكلي ولا يختلف عن قرارات العفو السابقة، فمعظم من أفرج عنهم هم مدنيون ألصقت بهم تهم الإرهاب بعد اعتقالهم بشكل تعسفي. كما أن هناك ما لا يقل عن 98 شخصاً كانوا قد أجروا تسويات لأوضاعهم الأمنية قبيل اعتقالهم ومُنحوا تعهداً بموجب التسوية بعدم التعرض لهم من قبل الأفرع الأمنية، إلى 18 شخصاً اعتقلوا بعد عودتهم إلى سوريا من اللاجئين والمقيمين خارجها بينهم سيدتان، وما لا يقل عن 12 شخصاً من اللاجئين الفلسطينيين بينهم 3 سيدات. هذه الأرقام تشير إلى الانتقائية في تطبيق العفو، عبر الإفراج عن مدنيين بعيداً جداً من زنازين  معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين والمعارضين. بعد سنوات من المجازر والاعتقالات والأكاذيب يصعب على السوريين تصديق أن النظام قد يقوم بأي خطوة إيجابية نحو الناس، لمجرد رغبته في مساعدتهم، كل ما يقوم به نظام الأسد هو إما لرسم مستقبل أفضل له أو لإبعاد الشبهات منه. وإن كان النظام قد سعى من خلال عفوه الأخير إلى تغييب صدى مجزرة التضامن المهولة فيبدو أنه نجح إلى حد كبير، فالبحث عن الناجين الأحياء قد يستمر أكثر من موتٍ لا عودة منه، أدرك النظام هذه المفارقة البسيطة، فعمل على اللعب على الأمل الذي مات لدى آلاف العائلات وبإحيائه أبعد نفسه إلى حد كبير من المجزرة، وتحايل على الألم بصنع ألم آخر وبإلهاء الناس بكثرة الأوجاع.

من جهة أخرى، قال التقرير إن العفو لا يشمل الغالبية العظمى من المعتقلين الذين لم توجه لهم تهم، ولم تتم إحالتهم لأي محاكم، وقد مضى على اعتقال كثر منهم سنوات. أما عن المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم فلا معايير واضحة لاختيارهم بحسب التقرير، كل هذا يزيد من تعقيد الوضع السوري في ظل عفوٍ كان يفترض أن يخرج الآلاف من السجون إلا أن العكس حدث والنظام يُخرِجُ المعتقلين ببطء، بهدف التعتيم على قضايا أخرى.

يحرص النظام على إخفاء اسم المكان الذي يسوق الأشخاص إليه، قال لي معتقلون سابقون: “لو عرفتِ مكان احتجازك فتأكدي أن نصف قضيتك حُلت”. 

التعايش مع الاعتقال التعسفي

وفي حين يصرّ النظام على نسب كل الأحداث خلال العقد الفائت إلى إرهابيين وعملاء مدعومين من الخارج، يقبع في سجونه آلاف المعتقلين الذين أجبروا على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها حتى، إذ أكد التقرير أن النظام السوري هو الجهة التي أجبرت المعتقلين على الاعتراف بأفعال لم يرتكبوها، شهادات من خرجوا من المعتقلات على مر السنين مرعبة، عذاب لا نهائي، إهانات وتهديدات باغتصاب الأمهات والأخوات، ثم يحاكمهم النظام بناءً على اعترافات أجبرهم على قولها، وبعد هذا كله يصدر عفواً عن جرائم اختارها هو لهم! 

من جهة أخرى، ذكر التقرير أن هناك ما لا يقل عن 86792 شخصاً لا يزالون قيد الاختفاء القسري لدى قوات النظام السوري منذ آذار/ مارس 2011 حتى آب/ أغسطس 2021. ووفقاً للتقرير أظهرت المقارنة أن حصيلة المفرج عنهم تشكل قرابة 0.10  في المئة من حصيلة المختفين قسرياً، وهي نسبة متدنية للغاية، لكنها إثبات في الوقت ذاته على أن النظام ما زال يحتفظ بآلاف المغيبين قسراً، وأن هؤلاء المغيبين موجودون بالفعل في سجونه، عكس الأكاذيب التي روج لها. لكن الأزمة هي في استمرار إطلاق سراح المعتقلين بهذه الوتيرة البطيئة جداً، إذ يعني ذلك عشرات السنوات من الانتظار حتى يفرج عن المعتقلين جميعاً، في حين لا يمكن وصف معاناة ذوي المختفين قسراً، الذين يعيشون منذ سنوات ما بين التعلق بأمل ظهور أحبائهم أو الاستسلام لفكرة فقدانهم.

تعلّم السوريون طريقة للتعايش مع اعتقال تعسفي أو مفاجئ، لذلك يسعى كلّ من اعتقله النظام إلى معرفة الفرع الذي أوقف فيه، من خلال محاولة استراق النظر أو سؤال السجناء، إذ يحرص النظام على إخفاء اسم المكان الذي يسوق الأشخاص إليه، قال لي معتقلون سابقون: “لو عرفتِ مكان احتجازك فتأكدي أن نصف قضيتك حُلت”. 

 يعتمد السجناء على إخبار عائلات بعضهم عن أماكن اعتقال أبنائهم فيما لو خرجوا أحياء ولكن إن لم يكن السجناء يعرفون مكان اعتقالهم فلا فائدة من الخروج أو الاتصال برقم هاتف حفظه المعتقل بصعوبة، يجب أن يقول اسم الفرع الأمني ليأتي بعدها دور العلاقات والأموال في إنقاذ المعتقل، تدفع العائلات آلاف الدولارات فقط لمعرفة مكان أبنائها لا أكثر، دون أن تُمنح فرصة لسماع صوتهم حتى.

الأمل، هو ما يعيش عليه آلاف السوريين اليوم حرفياً، أمل بخروج ابنٍ معتقل، أو نجاةِ آخرٍ من مجزرة، أو ظهور مفقود من مكان ما، لكن تبقى كلها آمال مرهونة بمزاج نظام الأسد ومصلحته وحاجته إلى القفز عن مجزرة أخرى إلى الأمام.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني