fbpx

لبنان: سينتيا زرازير التي اقتحمت محفل الذكور الأعظم

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

سينتيا زرازير لن تكون استثناءً. لديها الكثير مما ستتعلمه وتتعرف إليه وهي تخوض للمرة الأولى مياه المستنقع النيابي.

ليست مبررة موجة السخرية التي رافقت فيديو النائبة الجديدة سينتيا زرازير تشكر فيه، على طريقتها، لبنانيين مغتربين أرسلوا إليها صوراً ورسائل نصية داعمة. 

والنكتة التي راجت بأنها شكرت الـ400 شخص ونيف الذين انتخبوها فرداً فرداً، ليست مبتكرة بدورها، ولا أن سينتيا نائبة “التيك توك”.  

زرازير ليست أول وآخر لبنانية تخلط العربية بلغات ثانية. ثم، من قال إن تعبير السياسي عن نفسه يجب أن يكون حكماً على طريقة نائب مثل إبراهيم الموسوي مثلاً. هذا نائب عن “حزب الله” لم يترك حتى اللحظة أي أثر في الذاكرة العامة، لا سلباً ولا إيجاباً. وقد يستبدله “حزب الله” لاحقاً عملاً بمبدأ المداورة فيكون كمن لم يمر يوماً، لا من هناك ولا من هنا.

 ليس بعيداً من هذا المثل، هناك مثل آخر، وهو علي عسيران. دعونا نحاول الآن أن نتذكر صوته على الأقل. لا شيء. حتى إذا ما حاولنا تذكر شكله، ستطالعنا مخيلتنا بصورة الممثل الراحل بيار جماجيان، الذي يشبهه النائب كثيراً، وهذا كل مجد عسيران. هذا نائب آخر لا نحفظ له شكلاً ولا مضموناً ولا صوتاً، ومع ذلك فهو موجود منذ غابر الزمان في المجلس النيابي، يقولون له صوّت فيصوّت. يقولون له إحضر فيحضر، يقولون له تغيب فيتغيب. لا يريد من الحياة السياسية إلا السترة، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. 

كم نائباً على هذه الحال في هذا المحفل الأول للذكور العاديين، متوسطي الذكاء، المائلين بالفطرة إلى السماجة وثقل الدم، المنفوخ فيهم حتى بات أكثرهم ضحالة أكبرهم حجماً، التابعين بمعظمهم لمن يقرر عنهم باسمهم، وهذه هي سمة الحزبية اللبنانية على كل حال، اللاعبين الصغار بشدة، والذين كل مهاراتهم تتلخص في أن يبرعوا بالاحتيال وحفظ الشتائم حين يحتاجونها في صراع الديكة المتواصل بينهم.

ليس أنهم اجترحوا معجزة ولو صغيرة لإنقاذ البلد قبل أن تصل سينتيا بالتيك توك إليهم. ليس أننا أمام مشرّعين من زمن الإغريق وقد دخلت على صومعتهم العالية شابة طائشة تخلط الإنكليزية باللبنانية وتخوض معركتها الانتخابية كما لو أنها مشاركة في “ستار أكاديمي”.

فلنتفق، أولاً، أن هؤلاء المفكرين، أعمدة التشريع في الهيكل، ليسوا أفضل من سينتيا. كل خاض حملته على طريقته، هم بالصراخ والتهويل والأصوات المنكرة، وهي بأداء ممسرح، فيه الكثير من الطاقة الإيجابية والتفاؤل بالقدرات الدفينة في النفس، والطاقة الآتية من الشجرة. هم نزلوا إلى الانتخابات كما في كل مرة، نزولهم إلى ساحة وغى، شاهرين سيوفهم يمتطون كل ما في تاريخ طوائفهم وحاضرها من هزائم وانتصارات ليقولوا لناسهم إن الحرب الآن حرب بقاء الطائفة، وليس استعادة كرامتهم وأمانهم الاجتماعي الاقتصادي الذين فشلوا في تأمينه لهم. هي في المقابل، بدت مدربة اليوغا، تعلمنا تقنيات التنفس لنصل إلى السلام الداخلي. أين الخطأ في ما فعلت؟ بالمقارنة، سينتيا زرازير أفضل بما لا يقاس من سليم عون وفؤاد مخزومي ومن على قياسهما. أصدق منهما. ولحسن الحظ، فمن المستحيل أن يصير سليم مثل سينيتا، لكن العكس ليس مطلوباً.  

من الأفضل لسينتيا ألا تتحول إلى سليم عون. ألا تجبر نفسها على ارتداء شخصية أخرى، لتجنب الأحكام المسبقة والتنمر والسخرية. من الأفضل ألا تقع في خطأ المحاولة من الأساس، محاولة إرضاء محفل الذكور. لن يرضوا. هؤلاء زبدة المجتمعات اللبنانية المحافظة التقليدية، نتاجها وما يطوف على سطحها. هم بالتالي نخبة الرجال المحافظين الذين يرون السياسة نادياً خاصاً بالذكور، له أسسه وتقاليده المثبتة في أعراف لا يمكن تخطيها، أعراف طائفية وزبائنية وذكورية وتمييزية وعنصرية وانتهازية ووصولية. نادٍ محكم الإغلاق على رجاله، بإمكان امرأة اختراقه لكن برضاهم، ووفق قواعدهم، وبناء على شروطهم ولغتهم وصفاتهم ومفاهيمهم التي إن جارتهم بها المرأة تحولت، كما في المشهد الأخير من “مزرعة الحيوان”، إلى واحد منهم.

إقرأوا أيضاً:

لم تنج امرأة عملت في الشأن العام، حتى اللحظة، من أحكام طاولت شكلها، حياتها الشخصية، لباسها، مشيتها، فكرها، لغتها، تصرفاتها، تسريحة شعرها. لم تنج امرأة من سيل نعوت لا ينضب من لسان العرب لأنها قالت رأياً في السياسة أو في حقوقها. سينتيا زرازير لن تكون استثناءً. لديها الكثير مما ستتعلمه وتتعرف إليه وهي تخوض للمرة الأولى مياه المستنقع النيابي، جلّ دروسها الجديدة ستكون في صلابة الذكورية اللبنانية وتحجرها وفظاظتها وتجذرها في السواد الأعظم من السياسيين اللبنانيين. وهي حرب حقيقية ستبدأ من الابتسام اللطيف لما تقوله، استخفافاً به وبصاحبته، ولا تنتهي عند رميها بكل النعوت الجاهزة، لحظة أي مواجهة. هي معركتها في كل حال التي ستكتشف فيها معنى أن تكون المرأة سياسية.

ملاحظة لا بد منها: ليس سبب هذه السطور الدفاع عن سينتيا زرازير ولا نقدها كسياسية، ولا توصيفها بأي شكل من الأشكال. لكن النائبة تبقى مسؤولة عن التغريدة التي كتبتها سابقاً وتمنت فيها أن يباد الشعب السوري برمته. اعتذارها ليس كافياً بالطبع، لكن التغريدة ليست أسوأ من عنصرية جبران باسيل ضد السوريين والفلسطينيين معاً، ليست أسوأ من البلديات التي تصدر تعاميم تسجن بموجبها “الأشقاء السوريين” في منازلهم وتمنع تجوالهم كلما ارتأت ذلك.

 وتغريدتها حتماً لن تكون أسوأ من مشاركة الحزب اللبناني الأكبر والأقوى في الحرب السورية إلى جانب النظام الذي خاض حرب إبادة ضد السوريين، هذه المشاركة التي لم يعتذر عنها الحزب، ولن يعتذر أبداً.   

إقرأوا أيضاً: