الجنازة التي تحوّلت إلى تظاهرة…
“مظفر للشعب مو للحرامية”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

تحولت جنازة مظفر النواب إلى فعل احتجاجي كبير كان سيعجبه، لأنه امتداد لمشروعه المعارض ومحاولته استعادة الوطن من بين أيدي لصوص استحكموا به جراء مصادفة غاشمة واحتلال دموي. 


ليس غريباً أبداً أن يثار الجدل بعد موت مظفر النواب، فهو صاحب سيرة شعرية وسياسية طويلة، مملوءة بالمواقف السياسية الاحتجاجية والمعارضة للحكومات العربية، ومثلما تعجب هذه المواقف طبقات واسعة من أبناء الشعوب العربية، فإنها تزعج كثيرين ممن يرفلون تحت أجنحة الحكومات مستمتعين بنعيمها. إضافة إلى المختلفين معه سياسياً، الذين وجدوا في موته فرصة للنيل من صوت شعري احتجاجي لطالما أزعجهم، صوت حاولوا كتمانه بالحبس والتعذيب والنفي، لكنه بقي عصياً حياً تملأ الدنيا قصائده التي تنزل عليهم مثل الرعد. 

كان لقصائده تأثير جبار حاولوا كسره مراراً بالحبس والمطاردة لكنهم عجزوا. في أعقاب انقلاب 1963 الذي أطاح بعبد الكريم قاسم، تعرض الشيوعيون واليساريون لحملات اعتقالات وملاحقة من القوميين العرب الذين وصلوا إلى الحكم، فاضطر النواب الى مغادرة العراق إلى الاتحاد السوفييتي وقتها، مروراً بإيران، لكن قوات “السافاك” الايرانية، اعتقلته وعذبته وأعادته إلى العراق. خلال فترة حبسه واجه المعتقلون الشيوعيون كل وسائل التعذيب، حتى إن السلطات العسكرية كانت تخيرهم ما بين البراءة من الحزب أو بقائهم في الحبس، وكانت تنشر بعض هذه البراءات الملفقة لمعتقلين شيوعيين في الصحف، لتقويض عزيمة بقية المعتقلين وتجعلهم يتبرأون من حزبهم، لكن مظفر وقتها كتب قصيدته الخالدة “البراءة”، باللهجة الشعبية على لسان أم معتقل وأخته تحذرانه من “عار البراءة”. 

قلبت هذه القصيدة موازين السلطة لأنها جاءت مباغتة وأحدثت تأثير كبيراً بين صفوف المعتقلين وجعلتهم متماسكين صامدين أمام التعذيب والترهيب، لذلك اقتيد مظفر إلى غرفة جانبية وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وحكم عليه بعد ذلك بالإعدام حتى تم نقله الى سجن الحلة جنوب بغداد، وهناك حفر هو ورفاقه نفقاً وهربوا من خلاله، وتركوه فتوحاً ليتمكن آخرون من الهرب. 

يذكر النواب أنه في لقائه مع صدام حسين رفض هدية عرضها عليها صدام وهي مسدس، وحين سأله صدام عن سبب الرفض أجابه، “لو خرجت ومعي هذه الهدية معناها انت اشتريتني”. 

تعرض لمحاولة اغتيال في اليونان ونجا منها بأعجوبة، وقال عنها في حوار له “ربطوني بحبال وأعطوني إبراً منومة، ولكن كان لدي إحساس داخلي بأنني سأنجو، ونجوت”. وعن تجربته القاسية في السجن قال النواب في حواره مع سنان انطوان، “بمقدار ما هي غنية فهي مريرة جداً لأنها سلسلة حرمانات. بالرغم من وجود رفاقك وأصدقائك معك، إلا أن الناس يختلفون. هناك عقليات مختلفة وهناك من هو ضيق الأفق ويتخاصم من أجل لحمة. كنا نأكل معاً ويكون هو واع سياسياً لكنه يختلف معك من أجل قطعة لحم. فلا يمكن أن تتحمل هذا الجو”. من غير الطبيعي أن ينظر شخص ما إلى ما تحمله النواب من معاناة طوال مسيرة حياته المملوءة بالسجون والمنافي، ويشكك بصدقيته، فهو قد نذر عمراً كاملاً في سبيل قضية آمن بها وهو صبي وتحمل لأجلها شقاء لا يمكن تحمله، برغم أنه من عائلة غنية حتى إن الشيوعي الكبير ناجي العطية، كما وصفه النواب، قد سأله في إحدى مرات اعتقاله وهو لا يزال شاباً صغيراً، “ما الذي أتى بك إلى الشيوعية وأهلك عندهم خيول تتنافس في الريسز- السباق- وأموالكم ما شاء الله؟”. 

برغم هذه السيرة الناصعة التي يتجلى فيها صدق وإيمان قل نظيرهما، إلا أن كارهي النواب وجدوا في موته مناسبة لتصفية الحسابات، فعمدوا إلى بث الأخبار المشوهة والاشاعات، محاولين أن يحطوا من قيمة رمز حفر اسمه في قلوب أبناء الشعوب العربية. من بين هذه الإشاعات أن مظفر النواب جامل نظام الحكم الحالي في العراق ولم يعارضه وهذا الأمر غير حقيقي بالمرة، فهو منذ عام 2004، استحكم بجسده مرض الشلل الرعاشي وصار طريح الفراش لا يقدر على الحركة بسهولة، لكنه زار العراق برغم مرضه بينما امتنع كثر من القادرين دونما سبب معقول. وحاولوا أيضاً إشاعة أن النواب امتدح حسن نصرالله أمين عام “حزب الله” اللبناني في إحدى قصائده، ونشرت حسابات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي قصيدة تمدح نصرالله ونُسِبت للنواب. لكن الحقيقة أن هذه القصيدة لشاعر لبناني هو محمد مقدسي العاملي، وردت في بحث نشرته مجلة “جامعة أهل البيت” في آذار/ مارس 2012، عنوانه “السيد حسن نصر الله في الشعر العربي المعاصر”. وذكر البحث أن مصدر المقطع الشعري هو كتاب اسمه “قناديل النصر” لمؤلفه محمد قدسي العاملي، والمطبوع في “دار الولاء” في بيروت عام 2006. هذه المحاولات لم تستطع من النيل من سيرة النواب، لأن ما بذله من عمره وصحته في السجون والمنافي ليس بالإمكان محوه بادعاءات كاذبة من أناس يجدون في مظفر وأمثاله تهديداً لمصالحهم ورمزاً مقاوماً لفسادهم، يحاولون كسره. مثلّت جنازة النواب فرصة للساسة العراقيين لغسيل سمعتهم، لذلك لم يفوتوا مناسبة أن يحضروها معتقدين أن حضورهم هذا سيلهي الجماهير عن فشلهم طوال هذه السنوات، التي عجزوا خلالها عن تقديم ابسط الخدمات للمواطن العراقي، ففاجأتهم هذه الجماهير بغضبة شديدة، وتمكنوا من طرد السياسيين الذي حضروا الجنازة بدءاً من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي حتى أصغر نواب البرلمان، مروراً بوزير الثقافة الذي رافق قبل أيام قليلة فقط نوري المالكي في افتتاح معرض بغداد للكتاب. 

إقرأوا أيضاً:

تحولت جنازة مظفر النواب إلى فعل احتجاجي كبير كان سيعجبه، لأنه امتداد لمشروعه المعارض ومحاولته استعادة الوطن من بين أيدي لصوص استحكموا به جراء مصادفة غاشمة واحتلال دموي. 

نجح المشيعون في تنظيف الجنازة من دنس السياسيين، ورفعوا خلال التشييع صور ايقونة ثورة تشرين صفاء السراي التي أصبحت مع صورة مظفر النواب أيقونتَي احتجاج وراية معارضة يرفعها المحتجون في كل تظاهرة أو اعتصام في العراق. طارد المشيعون الشباب أرتال السياسيين بالحجارة وهم يرددون “مظفر للشعب مو للحرامية” في لحظة وطنية شديدة التأثير كان سيكتب عنها مظفر قصيدة تفتخر بهذا الفعل الثوري، الذي أحال جنازته إلى حدث احتجاجي سيتذكره كل عراقي، إنها لحظة عراقية من شأنها أن تجعل كل سياسي يفكر أكثر من مرة قبل حضور أي تجمع وطني، خصوصاً مع استمرار تدهور المشهد السياسي وانسداده. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني