fbpx

النظر إلى الشمال من القامشلي: هل يستطيع الحكم الذاتي الكردي الثاني البقاء؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في الوقت الذي هدد فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بغزو جديد لشمال شرق سوريا، يدور نقاش ثري بين الزعماء الأكراد في مدينة القامشلي حول العلاقات المستقبلية مع تركيا. وفي حين لا يوجد حالياً أي خوف مباشر بشأن حدوث غزو تركي وشيك، فإن السؤال الذي لا يزال يُمثل أحد الشواغل الرئيسية هو ما الذي ينبغي القيام به إذا انسحبت القوات الأميركية من سوريا؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في القامشلي، تركيا حاضرة في كل مكان. في الأحياء الشمالية من هذه المدينة، يُمكن رؤية مباني مدينة نصيبين التاريخية، على الجانب الآخر من الحدود، والتي بات يفصلها حديثاً جدار طويل تقوم بحراسته مجموعات من حرس الحدود والمراكز العسكرية. وفي الليل، عند السفر على الطريق السريع، يُمكن رؤية الجانب التركي بوضوح، مضاءً بأضواء الشوارع الساطعة. أما نهر “الجغجغ” الذي يقسم القامشلي فيبدو مثل سائل داكن اللون ذو رائحة كريهة، وقد أوضح المرشد الذي يرافقني أن تركيا قطعت المياه العذبة عن النهر، ولا تطلق سوى المياه البلدية المستعملة فقط. وبالنسبة للمعبر الحدودي الذي يقع في الجزء الشمالي من البلدة، فهو يخضع لسيطرة الجنود السوريين الموالين للرئيس بشار الأسد، ولا يزال مغلقاً من الجانب التركي.

ما فتئ الشاغل الرئيسي في هذه “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” التي يهيمن عليها الأكراد يتمثل في الأمن: تقوم الطائرات التركية المُسيرة بشن غارات بانتظام، بينما تواصل تهديداتها بتوجيه مزيد من العمليات العسكرية ضد المسلحين الأكراد الذين تعتبرهم امتداداً لـ “حزب العمال الكردستاني”، المعروف اختصاراً بـ “بي كا كا” (PKK).

تُعد الإدارة الذاتية واحدة من أكثر المناطق استقراراً وازدهاراً في هذه الأرض المأساوية السورية. فقد وقعت تحت سيطرة الجماعات الكردية المسلحة في أعقاب الانتفاضة السورية، وانسحاب قوات النظام السوري. حدث ذلك في النصف الثاني من عام 2011، حين تطورت الانتفاضة السورية إلى استخدام القوة، وأراد نظام الأسد الانسحاب من المناطق الكردية وتسليم إدارتها إلى الجماعات الكردية المحلية، وفقاً لما قاله أحمد سليمان، زعيم حزب السلام والديموقراطية الكردستاني. بيد أن القوات الكردية في سوريا آنذاك اعتقدت أن الأسد سيسقط في غضون بضعة أشهر ورفضت التفاوض معه. تم ملء هذا الفراغ عندما جاء مقاتلو حزب العمال الكردستاني من الجبال العراقية ونجحوا في السيطرة. وكان من بينهم مظلوم عبدي، القائد العسكري الحالي في شمال شرق سوريا. وأسسوا “وحدات حماية الشعب”، في حين آلت السيطرة السياسية إلى “حزب الاتحاد الديموقراطي”، وهو تشكيل سياسي مستوحى من حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان.

في ذروة معركة كوباني التي وقعت عام 2014، عندما واجهت وحدات حماية الشعب معارك ضارية ضد “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش)، تهيأت الظروف لعقد تحالف عسكري بين المقاتلين الأكراد والجيش الأميركي. عندها تخلت الولايات المتحدة عن دعم “الجيش السوري الحر” وعقدت تحالفاً عسكرياً مع وحدات حماية الشعب. كانت معركة كوباني أول انتصار عسكري ضد داعش، وهي قوة هددت الأمن الإقليمي والدولي. مضى هذا التحالف إلى أبعد من ذلك عندما طلبت الولايات المتحدة من المقاتلين الأكراد أن يصبحوا الجنود الميدانيين في القتال ضد داعش لتحرير الرقة -عاصمة دولة الخلافة- ودير الزور، وحتى آخر معقل لداعش في الباغوز. لم تعد هذه المناطق كردية بل مناطق عربية مأهولة. وقد تشكل تحالف من القوات الكردية-العربية تحت مظلة أميركية، يُعرف باسم “قوات سوريا الديمقراطية”، يُسيطر اليوم على منطقة تبلغ مساحتها 50 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، غالبيتهم من العرب.  وفي حين صاغت القوات الكردية في البداية مصطلح “روجافا” أو “غرب كردستان” لتسمية الكيان السياسي الجديد، فإنها تطلق عليه الآن اسم “شمال وشرق سوريا” الأكثر حيادية. وعلى هذا النحو، تأسس الحكم الذاتي الكردي الثاني في الشرق الأوسط.

تُعد منطقة الجزيرة (أو “الجزيرة”، وهي المنطقة الواقعة بين نهري الفرات ودجلة)، سلة الخبز بالنسبة لسوريا. فضلاً عن أنها تُهيمن على أكثر من 90% من النفط السوري، ونصف احتياطاتها من الغاز. ولعل ذلك هو أحد الأسباب العديدة التي تجعل نظام الأسد لا يقبل الدخول في أي نوع من النقاشات السياسية مع منطقة الحكم الذاتي. ومن الواضح أن المنطقة الشمالية الشرقية تشكل جزءاً من “سوريا المفيدة” التي يريد النظام استعادتها، نظراً إلى أنها مصدراً مهماً لملء خزائن الدولة.

أثناء مرورنا بجوار نقاط التفتيش التابعة للنظام في وسط المدينة، حذرني السائق من التصوير، لأننا نخاطر بتعرّضنا للتوقيف والاستجواب. لا يزال للنظام السوري وجود في القامشلي، حيث يحتفظ ببعض المباني الحكومية هناك المعروفة باسم “المربع الأمني”. وكذلك يخضع مطار القامشلي، الواقع إلى الجنوب الغربي من المدينة، لسيطرة النظام. فضلاً عن أن العلاقة بين القوات الكردية والموالين للنظام ليست دائماً سلسة. ففي أبريل/نيسان 2022، فرضت “قوات سوريا الديمقراطية” حصاراً على قوات النظام واستولت على بعض المباني منها، مقابل حصار النظام لضاحية الشيخ مقصود ذات الأغلبية الكردية في مدينة حلب.

يقول عبد الكريم عُمر، الرئيس المشترك لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” – بمثابة وزير الخارجية: لا توجد مفاوضات مع دمشق، بل هناك اتصالات من خلال وسطاء روس فقط. إذ لا يزال النظام يعتقد أن الأمور لا تزال كما كانت عليه عام 2011، فهم يريدون إعادة فرض هيمنتهم الكاملة مرة أخرى”.

القوات الأجنبية: الروس والأميركيون

ما هو مستقبل “الإدارة الذاتية” الواقعة بين شقي الرحى من قوات النظام في الجنوب وتركيا المعادية في الشمال؟ في الوقت الراهن، تتمتع المنطقة بالحماية الأميركية، حيث لا يزال هناك حوالي 900 جندي أميركي بعد أن أمر الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بسحب القوات. وتنتشر هذه القوات في جميع أنحاء المنطقة في العديد من القواعد وتقوم بدوريات منتظمة في طرقها الرئيسية. ولكن هناك أيضاً قوات روسية متمركزة في المنطقة، مثل القاعدة الصغيرة التي رأيتها في بلدة عامودا. بيد أن القادة الأتراك أعلنوا مراراً خططهم لإنشاء منطقة أمنية بعمق 30 كيلومتراً داخل شمال سوريا، وقد هاجموا واحتلوا بالفعل نطاقاً واسعاً يمتد من مدينة عفرين إلى رأس العين. وفي حالة استمرار الوجود الأميركي، يبدو أن الأنشطة العسكرية التركية سوف تقتصر على غارات جوية بين الحين والآخر ضد المسلحين الأكراد.

لكن ماذا يحدث للإدارة الذاتية عندما يغادر الأمريكيون؟ يقول عبد الكريم عُمر، “لم نقطع علاقاتنا مع روسيا أبداً، على الرغم من تحالفنا العسكري مع الولايات المتحدة”. مشيراً إلى أن “الوجود العسكري الروسي رمزي” ولكنه مهم. لكن مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، ضعف التواجد الروسي في سوريا، وفي كل الأحوال فإن الولايات المتحدة هي التي توفر المظلة الأمنية في شمال شرق البلاد.

هناك بين السياسيين الأكراد من يعتقد أن الهدف النهائي الذي تسعى إليه تركيا هو القضاء على وجود وحدة سياسية كردية منظمة في شمال سوريا. وقد أشار هؤلاء خلال محادثاتهم إلى مصير عفرين، وهي أكبر منطقة مأهولة بالأكراد في الغرب في سوريا، والتي هاجمها الجيش التركي واحتلها في أوائل عام 2018. ووفقاً لهم، فإن 20% فقط من السكان الأكراد الأصليين لا يزالون يعيشون هناك من أصل 97% من الأكراد، واضطر الباقون إلى اللجوء هرباً من أعمال العنف التي تمارسها الجماعات الإسلامية. وقد أعقب ذلك هجوم ثان على رأس العين وتل أبيض. وفي ظل هذه الأوضاع من الصعب أن نتخيل أي شيء غير الصراع الوجودي.

يقول صالح مسلم، الرئيس المشترك السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي لـ”درج” إن “الإقبال التركي مستمر، فهم يريدون الذهاب إلى أبعد من الرقة”. بينما كنا نجلس في مُجمع عطلات قديم، بجوار قاعدة جوية أميركية حالية، حيث قاطع ضجيج المروحيات نقاشنا. كانت وجهة نظره حول العلاقات بين الإدارة الذاتية وتركيا متشائمة. ومع ذلك، زار اسطنبول ثلاث مرات من عام 2013 إلى عام 2015 للتفاوض مع القيادة التركية. وهذه الحقيقة تميز المخاوف الوجودية بدقة وتجعل الاحتمال السياسي ممكناً. في عام 2013، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجيش التركي والمقاتلين الأكراد في حزب العمال الكردستاني، وجرت مناقشات سياسية بين أنقرة وقيادة حزب العمال الكردستاني. وقد انعكس ذلك بشكل إيجابي على الأكراد في سوريا وتركيا. إذاً، ما الخطأ الذي حدث؟

يقول صالح مسلم إن “معركة كوباني كانت بمثابة نقطة التحول”. مضيفاً: “حتى خلال المعركة، أجرينا اتصالات مع تركيا. بيد أن الاتصالات توقفت بعد هزيمة داعش. فقد كان مشروع الأتراك هو أن يحتل تنظيم “الدولة الإسلامية” كوباني، مما يفتح الطريق أمام التدخل التركي لكي يستولوا على نطاق في شمال سوريا، تماماً كما فعلوا في جرابلس”. ومع تجدد الحديث في تركيا حول إرسال مليون ونصف المليون من اللاجئين السوريين إلى شمال سوريا، يقول مسلم إن “تركيا تسعى الآن إلى تنفيذ مشروع “الحزام العربي” في شمال سوريا”، وهو مشروع يرجع إلى حقبة حزب البعث يهدف إلى توطين العرب في المناطق ذات الأغلبية الكردية، كجزء من سياسات “التعريب”.

يدرك ناصر حاج منصور، مدير “المركز السوري للدراسات والحوار”، طبيعة العلاقات الكردية التركية، والطريقة التي تفكر بها القيادة الكردية. يقول خلال حوار أجريناه في مكتبه في القامشلي: “في السنوات الأخيرة بدأت فكرة كردستان الموحدة تضعف، ما جعل القادة الأكراد أكثر واقعية في التعامل مع التغييرات السياسية المحتملة داخل الدولة التي يعيشون فيها”. ويشير إلى أن هناك اليوم حالة متناقضة تشهدها شمال شرق سوريا: فهي تخضع للسيطرة السياسية والعسكرية الكردية، لكن المنطقة اليوم مأهولة بالأغلبية العربية: “لن يتمكن الأكراد من إقامة دولة مستقلة [في سوريا]، لكن دعونا نفكر في كيفية تحقيق الاستقرار بدلاً من الحرب المستمرة”. ثم يسجّل ملاحظة تبعث على الدهشة: “قادة حزب العمال الكردستاني يقولون: إذا حلت تركيا المشكلة الكردية، فستصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط بأسره”. لكن يبقى السؤال: “هل تركيا مستعدة لتقديم أي شيء للأكراد أم لا؟”.

يُعيد هجوم “داعش” على سجن الحسكة، الذي بدأ في 20 يناير/كانون الثاني واستمر لمدة عشرة أيام، إلى الذاكرة مجدداً المخاطر التي تحيق بالصحراء الشرقية لسوريا. فقد كان الثمن الذي تكبدته باهظاً: فقد قُتل خلال الهجوم 154 من مقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية”، معظمهم من حراس السجن، بالإضافة إلى مئات من مهاجمي وسجناء داعش. بيد أن هذا الهجوم عزّز، من الناحية السياسية،  أهمية “قوات سوريا الديمقراطية” التي يقودها الأكراد في نظر القوى الغربية، والولايات المتحدة على رأسها.

في الوقت الراهن، لا يجري أي حوار سياسي بين الإدارة الذاتية وبين القوتين الرئيسيتين المحيطتين بها -دمشق وأنقرة-، فضلا عن أن “القوى العظمى” مثل الولايات المتحدة وروسيا ليستا في حالة تسمح لهما بأي شيء آخر غير التعايش في بلد منقسم ومدمر. وبما أن السياسة لا تزال غير قادرة على حل تلك المشاكل الهائلة، فإن المجال متروك للعمليات العسكرية والهجمات المضادة، باعتبارها البديل الوحيد لملء الوقت الضائع.

إقرأوا أيضاً: