fbpx

شبكة لـ”الاتجار” بالممرضين والممرضات تصدّرُ الفساد اللبناني إلى بلجيكا!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تعب الممرضين والممرضات من الحاصلين على الجنسية البلجيكية، والنقص الحاصل في القطاع الصحي البلجيكي كانا السبب الرئيسي في تأمين فرص هجرة للعاملين في القطاع الصحي إلى بلجيكا، والإغراء الأهمّ، إلى الحياة الجديدة، فرصة الحصول، على فيزا لدولة في الإتحاد الأوروبي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد شهرين من وصولنا إلى بروكسيل، زوجي وأنا، في هجرتنا من لبنان هرباً من الجريمة المستمرة المرتكبة في حق اللبنانيين ومستقبلهم، وتفجير المدينة وتشظية أحلامنا، التقينا على درج المبنى في العاصمة البلجيكية بجارنا البلجيكي، وتبادلنا حديثاً سريعاً معه، أستعيده اليوم لما له من دلالات في القصة الصحافية التي أتابعها. يومها في معرض الدردشة والتعارف، أخبرنا جارنا أنه يعمل ممرضاً، وأردف: “سأستقيل قريباً وأفتح محلاً للألعاب، فالعمل لعامين في القسم المخصص لمرضى كورونا أتعبني”. 

لم أتخيل حينذاك أن يكون هذا الحديث مرتبطاً، بشكل أو بآخر، بما سيكشف عنه لاحقاً من فضيحة استغلال ممرضين وممرضات من لبنان، من قبل شركة (عصابة؟) لبنانية. كل ما فكّرت فيه يومها كان جارنا في لبنان، محمد، وهو ممرض كان يحاول منذ أكثر من عام أن يحصل على معادلة لشهادته التي حصل عليها من الجامعة اللبنانية ليتمكن من البحث عن عمل في بلجيكا على غرار مئات الممرضات والممرضين اللبنانيين الذين كانت مهنتهم مفتاح خلاصهم من الجحيم اللبناني.

تعب الممرضين والممرضات من الحاصلين على الجنسية البلجيكية، والنقص الحاصل في القطاع الصحي البلجيكي كانا السبب الرئيسي في تأمين فرص هجرة للعاملين في القطاع الصحي إلى بلجيكا، والإغراء الأهمّ، إلى الحياة الجديدة، فرصة الحصول، على فيزا لدولة في الإتحاد الأوروبي.

فالمستشفيات البلجيكية تعاني من نقص في عدد الممرضين والممرضات حتى قبل انتشار وباء “كورونا”، وكانت تستعين بالممرضين والممرضات الأجانب الآتين من البرتغال أو رومانيا، وأتت الجائحة لتزيد الحاجة إلى طواقم طبية في بلجيكا.

اتصلت بمحمد في لبنان لأسأله عمّا حدث معه في رحلة بحثه عن فرصة هجرة إلى بلجيكا. قال: “تواصلت مع شخص في شركة INN  International  Nursing Network – “شبكة التمريض الدولية”، قبل نحو عام بعدما ربطني بها أحد الممرضين وهو صديق لي تمكن من ايجاد عمل في أحد مستشفيات بروكسيل عبر الشركة، يومها قال لي الشخص المذكور إن تكاليف معادلة الشهادة الخاصة بي هي ألفي يورو من دون أن يضمن لي أن أحصل على المعادلة، (بالمناسبة تكلفة معادلة الشهادة في بروكسيل لا تتخطى 200 يورو) وفي حال تم رفض معادلتي سأخسر هذا المبلغ. إضافة إلى أنه طلب مني التوقيع على عقد بيننا يمنعني من مغادرة المستشفى الذي يؤمن لي العمل فيها قبل عام مع بند جزائي 15000 يورو في حال إخلالي بالعقد، ويجبرني العقد الموقع بيننا على القبول بأول مستشفى يؤمن لي عقد عمل مع بند جزائي 5000 يورو في حال رفضي”.

من حسن حظ محمد، أنه خلال الفترة التي انتظرها للتفكير في شروط العقد وظروفه، شاع خبر توقف السلطات في بروكسيل عن معادلات شهادات التمريض الصادرة من الجامعة اللبنانية. بعدها استطاع محمد أن يطلع على تحقيق استقصائي أعدته قناة RTBF البلجيكية تحت عنوان “العبودية الحديثة… مافيا الاتجار بالمعاطف البيض”، عن مكاتب استقدام الممرضين من لبنان وعمليات التزوير والنصب التي تقوم بها هذه المكاتب، وعلى رأسها شركة INN  التي تعامل معها محمد. وهي شركة يديرها اللبناني طوني ديب، ويتولى الملف البلجيكي فيها لبناني آخر يدعى داني مزهر. 

التحقيق يكشف أنه ومن ضمن 32 ملف شهادة قدمته الشركة للحصول على معادلات عام 2021، هناك 11 ملفاً كان مزوراً.

ويشير التحقيق إلى أن عدد الممرضين اللبنانيين في بلجيكا ارتفع في العامين الأخيرين نظراً لإتقانهم اللغة الفرنسية وبسبب الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان، فمكتب الشركة المذكورة استقدم 200 ممرض وممرضة لبنانيين إلى بلجيكا خلال العامين الفائتين، وأخذ منهم مبالغ تفوق بأضعاف الرسوم التي تتقاضاها الدوائر الحكومية البلجيكية في عملية تحايل موصوفة.

تشير جنى (اسم مستعار) وهي ممرضة قدمت أوراقها إلى بلجيكا قبل عام عبر شركة INN المتورطة في فضيحة نصب بحق ممرضين وممرضات لبنانيين، إلى أن الشركة كانت سبباً في توقيف معادلات شهادات الجامعة اللبنانية في بروكسيل: “في الجامعة اللبنانية يعد الأطروحة 4 طلاب وتحمل أسماءهم جميعاً، إلا أن مكتب INN قام بتزوير الورقة الأولى في عدد من الأطروحات لتحمل اسم شخص واحد من المشاركين في إعدادها فقط، ولم يتنبه إلى الأمر ليقدم بعدها الاطروحة عينها بأسماء مختلفة للأشخاص المشاركين فيها، كل واحد على حدة، وهو ما كشفه مكتب المعادلات هنا في بروكسيل واعتبره تزويراً وأوقف جميع المعادلات الخاصة بالجامعة اللبنانية في إقليمي بروكسيل ووالوني”.

“على الطريقة اللبنانية” نفسها، حاولت الشركة المذكورة الالتفاف على قرار مكتب المعادلات واللجوء إلى معادلة شهادات خريجي الجامعة اللبنانية في إقليم الفلامندي، فتمت معادلة عدد قليل من الشهادات قبل أن تنتبه السلطات البلجيكية للأمر وتوقف جميع المعادلات من INN.

كما يكشف التحقيق الذي أعدته القناة البلجيكية إلى أن مكتب INN غير مرخص له للعمل في بروكسيل يعرّض المستشفيات التي تتعاون معه الى المساءلة القانونية وعقوبات مالية تتراوح بين 100 يورو و5000 يورو إضافة إلى السجن. 

ويتطرق التقرير إلى مسألة حساسة تتعلق بمنع الشركة الممرضات الآتيات عبرها من الحمل والإنجاب قبل مرور عام على عملهن في المستشفيات البلجيكية، وهو شرط ميزوجيني (كاره للنساء) يخالف القوانين البلجيكية. ونقل التقرير شهادة ممرضة اضطرت إلى الإجهاض رغماً عنها.

تواصل “درج” مع شركة INN لاستبيان نقاط عدة حول الاتهامات التي طاولتها، ليصلنا من الشركة بيان الرد الركيك على تقرير RTBF حصراً، نافياً ما ورد من اتهامات في التقرير، مشيراً إلى أن الشق المتعلق بشرط منع حمل الممرضات الآتيات إلى بلجيكا قبل عام هو “من موجبات الممرض تجاه المستشفى” وفقاً للبيان، الذي ينفي أن تكون الشركة قد أجبرت احدى الممرضات على الاجهاض متهّماً القناة البلجيكية بالتلفيق. 

لكن ما تقوله الشركة في بيانها عن موجبات تطلبها المستشفيات في عقودها، ينفيه عقد عمل خاص بـممرضة لبنانية تعمل في أحد مستشفيات بلجيكا، اطّلع عليه موقع “درج”. لا يذكر العقد أي تفصيل عن حمل الممرضة بل يشدد على أن العامل الأجنبي يتمتع بحقوق العامل البلجيكي نفسها كاملة في المؤسسات البلجيكية. وهو ما يعني أن هذا البند المنافي للقوانين والأخلاق والمنطوي على تمييز في حق النساء، هو من اختراع الشركة المتورّطة في عمليات نصب على اللبنانيين المضطرين إلى الهجرة، عبر استغلال المأساة اللبنانية والانهيار الاقتصادي وغرق لبنان في الفساد، لتصدير الفساد إلى أوروبا. 

يذكر أنه، وبعملية بحث عن الشركة على محرك البحث “غوغل”، يتضح أنها، لا تعمل على استقطاب الممرضين الراغبين بالسفر من لبنان الى بلجيكا فقط، بل لها فرع آخر خاص بالممرضين والممرضات الراغبين بالسفر والعمل في الولايات المتحدة الأميركية. وبذلك يصبح الفساد اللبناني عابراً للقارات!

إقرأوا أيضاً: