fbpx

عن اضطراب الطعام الاجتنابي ورحلتي مع الوجبات المخيفة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مرّة دخلت إلى منزل عمتي، وبعد قليل دعتني إلى تناول طبق شوربة كانت على وشك تناوله. تذوقته ووجدته شهياً للغاية، لكنني حين عرفت أنها شوربة حمام، هرولت دورة المياة لأحاول تقيؤ ما ابتلعته.

كنت عند خالتي مع عائلتي وأثناء زيارتنا قُدم لنا طعام، وهو أطباق خضروات مختلفة، بامية وبطاطس وأرز. لم تُقدم أي لحوم، لذلك توقعت أنها مطبوخة من شوربة اللحم- التي أحبها- كما تجري العادة. بدأت بتناول الطعام اللذيذ لقمة وراء الأخرى، وفجأة وجدتهم يضعون طبقاً فيه دجاج وسط الطعام، وقفت مفزوعة وخيم الصمت حولي، وللحظات جلست أفكر في الكارثة، وأخبرتهم بأنني شبعت، وأنني أرغب في استكمال البطاطا التي كنت آكلها منذ قليل، طبعاً لم أكن أرغب في البطاطا لهذه الدرجة، ولكنني شعرت بالغثيان والرغبة في التقيؤ لمجرد أنني فهمت أن هذا الطعام مطهو بشوربة دجاج، وأردت أن أنسى أثرها بتناول شيء آخر، وأخذت أتناول البطاطا فعلاً لأنسى ما حدث. لاحظت أختي الموقف وفهمت أن ما حدث بسبب نزول الدجاج على المائدة، وعندما أخبرتهم حلفوا لي بأغلظ الأيمان، أن الطعام مطهو بشوربة لحم وأن الدجاج هذا مطهو اليوم. هدأت تقلصات بطني واستطعت أن أكمل طعامي معهم، بعدما نَحوا طبق الدجاج  جانباً، واستغرب الجميع سلوكي، ولا أخفيك سراً أنني حتى بعدما جلست لأتناول الطعام مرة ثانية خفت من فكرة أن يكون الدجاج قد لمس الطعام في أي لحظة وأعترف بأنني تغلبت على وساوسي هذه المرة، ولكن هذا لا يحدث دائماً. 

عرفت منذ وقت ليس ببعيد أن ما أنا فيه هو أحد اضطرابات الطعام، التي تستدعي تدخلاً طبياً إن تفاقمت، بعدما كتبت عما أعاني في تغريدة لأعبر عن مشكلتي. ردت علي مُتابعة وأخبرتني بأن ذلك ليس طبيعياً وعلي الذهاب إلى طبيب اضطرابات الطعام. بدأت البحث في الموضوع.  تُعرف مايو كلينك اضطراب الطعام الاجتنابي/ الانتقائي على أنه “يتميز بعدم تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية اليومية؛ بسبب فقدان الاهتمام بالأكل، حيث تتحاشى المواد الغذائية ذات الخصائص الحِسِّية المعينة مثل اللون، أو الملمس، أو الرائحة، أو الطعم، أو الشعور بالقلق إزاء عواقب تناول الطعام، مثل الخوف من الاختناق. ولا يتم تجنب تناول الطعام بسبب الخوف من زيادة الوزن، كما يمكن أن يؤدي هذا الاضطراب إلى خسارةٍ كبيرةٍ في الوزن، أو عدم اكتساب الوزن في مرحلة الطفولة، فضلاً عن نقص التغذية الذي يمكن أن يسبب مشكلات صحية”.

قد لا تكون الصورة واضحة حتى الآن، وقد يعتقد من يقرأ شكواي أن مشكلتي هي عدم أكل بعض الأطعمة لأنني لا أحبها مثلاً، ولكن لا، الأمر تجاوز ذلك بكثير، مشكلتي هي الابتعاد من تناول أطعمة معينة، ليس بسبب مذاقها السيئ، إذ يحدث أحياناً أن أتذوق طعاماً ويعجبني، لكنني حين أعرف مكوناته تؤلمني معدتي. الأمر يتجاوز الانتقائية في الطعام، أي عدم رغبتي في تناول طعام لأنني لا أحبه، مثل أن تحب اللحوم المشوية ولا تحبها مسلوقة. 

عندما تطهو أمي الحمام، أتجنب البقاء في المنزل قدر الإمكان، حتى لا أشم رائحته وهو يُسلق وأتجنب دخول المطبخ حتى لا ألمس الأدوات التي تم استخدامها. وعندما يتناول أفراد عائلتي هذا الطعام، أكتفي أنا بطبق “نودلز” وأنا منزوية وبعيدة، لأتجنب رائحة الطعام ورؤية أفراد عائلتي وهم يتناولونه.

في شهر رمضان كان هذا المنظر يتكرر أيضاً، حتى من يرانا من بعيد يعتقد أنني منبوذة أو أعاقب. حاولت أمي مرات عدة أن تشجعني على الأكل معهم، تارة بالإجبار وتارة بالتهديد وأحياناً بالترغيب، فتقول “أديكي  100 جنيه وتاكلي الحمامة بتاعتك!”، وأتعب أنا من كثرة الإلحاح الذي لا أجد له مخرجاً.

لا أحب تناول أي نوع من اللحوم سوى اللحم الأحمر، لحم العجول (الجاموس) والطيور لا أقربها أبداً، باستثناء الدجاج الذي نجا من نصف هذه الأزمة تقريباً، فأقبل تناوله شرط ألا يكون مسلوقاً وشرط أن أتناوله في اليوم الأول من طهوه فقط. إذا تناولت طعاماً مطبوخ بشوربة الدجاج أو الطيور أشعر وكأن معدتي تلوثت ويجتاحني إحساس بعدم الارتياح والقلق لفترة طويلة.

ذات مرة عدت من الخارج بعد يوم شاق، وبدأت بتناول الغداء مع أسرتي (كفتة لحم)، وقد أعجبني الطعام. نمت بعدها، وحين استيقظت أن لحم الكفتة التي تناولتها كانت من لحم الجمل. ظلت معدتي تؤلمني 5 أيام متواصلة، لم تفارقني خلالها الغصة والتقلصات…

مرّة دخلت إلى منزل عمتي، وبعد قليل دعتني إلى تناول طبق شوربة كانت على وشك تناوله. تذوقته ووجدته شهياً للغاية، لكنني حين عرفت أنها شوربة حمام، هرولت دورة المياة لأحاول تقيؤ ما ابتلعته من “قرف”، وجلست صامتة حتى نهاية الزيارة.

لسنوات طويلة لم أعرف ما بي ولماذا أنا هكذا، ولماذا أضطرب عند تناول أكلات معينة، حتى الألبان لا أتقبلها، فقط الأطعمة النباتية والمعجنات واللحوم الحمر، لحمة العِجل حصراً، والدجاج بظروفه التي ذكرتها، ومع عدم حبي للحلويات أيضاً، أجد أن خياراتي في الطعام محدودة للغاية، وأخشى دائماً من تجربة أطعمة شبيهة بتلك التي لا آكلها، فمثلاً سمعت كثيرين يشيدون بلحم الديك الرومي وجمال مذاقه، ولكنني أخشى أن أجربه أو أقترب منه، إلى أصناف كثيرة أخرى، حتى الأسماك أكتفي بنوع أو اثنين منها، والباقي أفضل ألا أجربه من الأساس.

في المنزل كانوا يصفون أفعالي بالدلع، ويتعجبون ويحاولون إجباري على الأكل معهم. وظلت أمي تُفاجَأ في كل مرة بأنني لا أقرب هذه الأكلة أو تلك، إلى أن تقبلت ذلك على مضض. فكرت في أن أتجه للنباتية لاعتقادي أن الطعام النباتي أقل تأزيماً لي ولاعتبار أنه غير حيواني ما يمكن أن ينقذني، لكن ذلك لم ينجح، إذ إن الأطعمة النباتية كانت أيضاً تشعرني بالتقزز.

آثار سلبية

يوضح أحد المراكز العلاجية الأميركية أن لاضطراب الطعام الاجتنابي آثاراً سلبية على المريض، منها فقدان الوزن أو النحافة الشديدة، أو نقص التغذية (مثل فقر الدم أو نقص الحديد) وسوء التغذية الذي يمكن أن يتسم بالإرهاق والضعف وهشاشة العظام والأظافر وجفاف الشعر وتساقطه وصعوبة التركيز وانخفاض كثافة العظام، إضافة إلى فشل النمو لدى المراهقين أو توقف النمو… بمرور الوقت وعلى مدار وقت طويل من حياتي كانت صحتي غير جيدة، تارة أملاح زائدة وشعري الغزير يتساقط دوماً، وأصاب بالإنفلونزا نحو 7 مرات في الشتاء مثلاً وحتى في الصيف تؤلمني عظامي من المروحة، لم أعرف السبب تحديداً لكل هذا، فقط تعب عام وإحساس بالإجهاد عند القيام بأي عمل يتطلب طاقة بدنية، إضافة إلى “أنيميا” حادة ونقص في الكالسيوم ونقص فيتامين “د”… كما حشوت ضروسي كلها، بسبب نقص الكالسيوم، وعندما ذهبت إلى طبيب العظام منذ عامين أخبرني أني بصحتي هذه لا يمكنني الزواج أو الإنجاب، وأنه علي الاهتمام بصحتي أكثر من ذلك. وإلى الآن وبعدما تناولت جرعة من الأدوية والفيتامينات على فترات، ما زلت أعاني من مناعتي الضعيفة وأقاوم حتى أصبح بصحة أفضل، ولكنه لا يحدث، وكل ذلك بسبب طعامي المضطرب.

وراثة؟

لا يوجد سبب واحد واضح وصريح لاضطراب الطعام الاجتنابي حتى الآن، ولكن تشير أحد المصادر الطبية إلى بعض الأسباب، منها: 

عوامل وراثية؛ إذ تنتقل السمات المزاجية التي تؤهب الأفراد للإصابة باضطراب الطعام الاجتنابي من جيل إلى آخر. أو  قد تكون عوامل وراثية جزيئية مثل حالات الصحة العقلية، التي يمكن أن تكون الوراثة سبباً لبعض سلوكيات اضطرابات الأكل. حيث يُولد كل إنسان بشيفرة جينية، والتي قد تظهر أنماطاً في ظروف صحية معينة. 

التأثير البيئي الذي يمكن أن يأتي من إعداد الوجبات، ومراقبة سلوكيات أفراد الأسرة مع الطعام والتعرض للوجبات الغذائية.

وربما بسبب العوامل الاجتماعية والثقافية، فبإمكان الضغوط الثقافية لتناول الطعام النظيف والصحي إضافة إلى الاهتمام المتزايد بتجهيز الأغذية وتحديد المصادر والتعبئة والتأثير البيئي أن تؤثر في معتقدات الطعام وتناوله. وربما بسبب المعتقدات الغذائية التي يمكن أن تشمل المعتقدات الأخلاقية حول تناول اللحوم ومنتجات الألبان،  أو كيفية تحضير هذه المواد الغذائية. وقد يتطور من تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والنفسية والاجتماعية والثقافية. 

بدأت مشكلتي مع اضطراب الطعام الاجتنابي منذ وقت مبكر في حياتي، لم أعرف تحديداً ماذا حدث حتى وقت ليس ببعيد، بعدما نبشت في ذاكرتي قليلاً لأبحث عن موقف أو حادث أبعدني عن تناول أطعمة معينة. عام 2006 ضربت مصر موجة وباء إنفلونزا الطيور التي أصابت الجميع بالذعر. في تلك الفترة كنت أزور أقاربي، وجميعهم كانوا يُربون طيوراً في منازلهم، ما حدث أن هؤلاء كانوا يذبحون الطيور التي لديهم. أتذكر وعاء واسعاً حيث أكثر من 30 طائراً مذبوحاً، وقد تكرر ذلك في أكثر من منزل. الأمر ليس دجاجة أو اثنتين، بل مجموعة من البط والحمام والدجاج مجتمعة بقاذوراتها، بجانب ماء مغلي لسلخ ريش الطيور، ومع وجود طفرة في الدجاج حينها، وتبادله هدايا بين الأقارب، أصبت بحالة شديدة من التقرف، التي لا أنساها إلى الآن، لم يكن الأمر مجرد صورة في الذاكرة ومضت، بل كان كافياً ليمنعني من تناول الطيور حتى الآن.

أتذكر في تلك الفترة من عمري، حين كنت في الصف الابتدائي الثالث (8 سنوات)، سمعت في وقت ما عن عذاب القبر، وفي المساء ومع الظلام كنت أخاف بشدة من تخيلاتي التي تمنعني من النوم، لذلك، كنت أستدعي في ذاكرتي هذه الصورة المقرفة، مُفضلة التقرف على الخوف، حتى طبعت هذه الصورة بمشاعرها في ذاكرتي بشكل لن أنساه أبداً.

كانت لأبي مواقف من بعض الأطعمة كالبيض مثلاً، الذي لم يكن يتناوله إلا بشروط معينة. لا أعرف إن كنت ورثت ذلك عنه أم لا، ولكن ما أنا متأكدة منه، هو أن حالتي أصعب منه بمراحل.

تُشير الجمعية الخيرية البريطانية لعلاج اضطراب الطعام الاجتنابي أن علاج هذا الاضطراب يختلف من شخص إلى آخر. فقد تتطلب بعض الحالات تدخلاً سلوكياً معرفياً فقط مثل التعامل مع القلق وكيفية توجيهه، وأحياناً تتطلب علاجاً طبياً بالأدوية ويمكن أن يتم العلاج  بالطريقتين معاً بحسب احتياجات كل فرد.

بالنسبة إلي، لم أعرف التفاصيل  العلاجية إلا من فترة قريبة، ولكن هل فعلاً سأتعالج؟ شخصياً لا أرى أن الأمر بتلك البساطة، فأنا أعيش في إحدى المحافظات الفقيرة في مصر، حيث يصعب تأمين سبل ذلك، كما أنني أعاني من اضطرابات حادة من القلق. لكنني الآن، وضعت الأمر في قائمة أولوياتي… وإلى أن أستطيع تحقيق ذلك، يمكنني أن أتعايش قليلاً مع الوضع، بعدما تفهم بعض أقاربي ذوقي في الأكل وباتوا يطبخون بناء على تفضيلاتي، بعدما كنت أُحلّفهم بألا يكذبوا علي بشأن مصدر لحوم الأطعمة التي يطبخونها.   

إقرأوا أيضاً: