جمهورية الياس الهراوي تلتقي هوكشتاين     

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

آموس هوكشتاين هو آخر من كثف هشاشة جمهوريته الياس الهراوي المفقودة.

كان الرئيس اللبناني الراحل الياس الهراوي أكثر الرؤساء اللبنانيين طرافة، وكتابه “عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة” هو أبرز طرفه السياسية.

      والهراوي على ما تقتضي الأمانة، لم يُدرج كتابه في باب الطرافة بإيحاء ما تقدم، بل أراده وثيقة وشهادة صارمة لسيرة ذاتية تؤرخ لجمهورية ما بعد اتفاق الطائف كقسيم بين الحرب والسلم، والتي كان الراحل أول رئيس لها.

 الطرفة إذاً تقع على عاتق الوقائع التي آلت إليها تلك الجمهورية، وعلى عاتق معظم اللبنانيين الذين وقعوا ابتداءً ضحايا لوقائع أسس لها سلم مفترض على أنقاض الحرب، ثم اكتشفوا أن سلماً كالذي كان هو في أحسن الأحوال حروب بأدوات أخرى طغت فيها الدويلات على دولة الهراوي الموعودة.

     نعم عادت الدويلات إلى الدولة. لكنها منذ عهد الهراوي إلى الآن، أفضت إلى عودة مثقلة بتغلب الأولى على الثانية. وما لم توفره الحروب للدويلات، غنمته الأخيرة من دولة تلاشت هيبتها ونظمها، وهيكلها، أمام هيبة تلك الدويلات ونظمها وهياكلها، فيما الغنيمة الأكبر كانت اكتساب الفعل الميليشياوي لتلك الدويلات  طابعاً شرعياً أفضى إليه ما عدَّه الرئيس الهراوي فضيلة حكمه.

  والنظر في أحوال المواءمة الخاسرة بين الدويلات والدولة ومآلاتها، يقود غالباً إلى حقبتين متفاوتتين، وإن لم يُفقدهما حتمية ظلت راسخة عن تسلط الدويلات. وهاتان  الحقبتان ارتهنتا لتبدل الدويلات ورؤيتها للدولة.

 منذ جمهورية الياس الهراوي حتى جمهورية ميشال عون، تداول على الدولة متداولون أساسيون. الياس الهراوي، نبيه بري، وليد جنبلاط ، رفيق الحريري، ميشال المر، اميل لحود، سعد الحريري، ميشال عون، ميشال سليمان، جبران باسيل، نجيب ميقاتي، ومع هؤلاء لا شك متداولون أقل تأثيراً، لكنهم  شاركوا أيضاً  في تبديد صورة الدولة، ثم، وهذا الأهم، متداولان اثنان من وراء الستار هما حافظ الأسد وحسن نصرالله.

  وهؤلاء فرادى وجماعات صنعوا دولهم في جسد الدولة، فيما حقباتهم تماهت غالباً مع صورهم التي صنعت تأثيرهم. 

والتحقيب هنا يبتعد من المآلات الاقتصادية التي تباينت فيها أحوال المواطنين بين حقبة وأخرى، وفي تدرج يتناسب  توالياً مع حقبات المتداولين، دون إغفال أن السيئ ابتداءً هو بالضرورة مؤسس للأسوأ لاحقاً.

   كان الياس الهراوي الأقل تأثيراً في حقبة تداول فيها على الدولة مع أقوياء كرفيق الحريري ونبيه بري، ووليد جنبلاط، وميشال المر، وهي أسماء تضفي على تلك الحقبة دلالتها. إنها شراكة رجال المال مع رجال الحرب، وشراكة كهذه آلت إلى واقع شديد الالتباس بين الظاهر والباطن. 

  كان معظم اللبنانيين يرصدون عودة الدولة عبر مؤشر عمراني باشره رفيق الحريري، وصارت لمؤسسات الدولة مبانٍ تمنحها عنوانها المغدور خلال الحرب. لكن الشراكة بين المال والسلاح، أفضت  إلى  تواطؤ بينهما،  وإلى استثمار متبادل في  دولة  التبس قيامها بين النهوض من ركام الحرب، وبين إتخامها بمحاربين حملوا طبائعهم إلى داخل مؤسساتها المدنية والعسكرية.

    وجود رفيق الحريري في السلطة أتاح معاينة دولة لم يكن التماس ظاهرها عسيراً. فعدا شواهد العمران، أضفى الحضور اللبناني في المحافل الدولية، وحضور العالم فيه، إلى تشكُّل ظاهري مقنِع للدولة التي ظلت في عمقها أسيرة الوصاية السورية وملحقاتها اللبنانية، حتى إذا اغتيل الحريري وانعدم تأثير تلك الوصاية بانسحابها، اكتشفنا ان الدولة الظاهرة للعيان لم تكن إلا حاجباً لدويلات عميقة نمت في داخلها، أو على ضفافها.

    الحقبة الثانية من تاريخ جمهورية الطائف بدأت بعد اغتيال رفيق الحريري، وتحديداً بعد اتفاق الدوحة، وقد أفضت وقائعها إلى دويلات جديدة كان  أبرز رموزها ميشال عون وحسن نصرالله،  وتلاشت أخرى كدويلة المر، فيما انحسرت سطوة بعض دويلات الحقبة الأولى كالحريرية وقد آل عقدها إلى سعد الحريري. وفي الحقبتين ظلت لنبيه بري دويلته وإن انحسرت أمام الدويلة التي تسيدت المشهد العام، دويلة “حزب الله”.

  والحقبتان إذ تشتركان في تفنيد وهم عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة، لكنهما تفترقان في التفاصيل، وملامح ضديتهما هي في تضاد نمط رموزهما. الحضور والعزلة، المواءمة بين المقاومة والاقتصاد، ثم تلاشي الأخير أمام الأولى التي استحالت غاية لا وسيلة، ثم في تفشي المصلحة الخاصة على العامة، وهذه تكفلت بها دويلة ميشال عون وجبران باسيل.

إقرأوا أيضاً:

 آموس هوكشتاين هو آخر من كثف هشاشة جمهوريته الياس الهراوي المفقودة. ففي دولة يمنح دستورها رئيس الجمهورية حق التفاوض على الاتفاقات والمعاهدات الدولية، كان المفاوض الأميركي في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل مكرهاً على جولات على رئيسي مجلس النواب والحكومة، وقائد الجيش، ومدير عام الأمن العام، ووزير الطاقة، ونائب رئيس مجلس النواب، وحتى النواب “التغييريين”، مع ما في ذلك من دلالات على دولة برؤوس كثيرة، هي في المحصلة تعبير وازن عن دويلات تحكمها مصالحها التي تتعدى العام إلى الخاص.

   طرفة ثانية يرويها جميل السيد وبطلها أيضاً الرئيس الياس الهراوي . يقول السيد إنه بعد انتخاب الهراوي رئيساً للجمهورية في بارك أوتيل- شتورا، تم تكليفه مسؤولية الأمن الشخصي للرئيس، وعند مرافقته الأخير إلى مقره الموقت في ثكنة أبلح، انفجرت عجلة “الجيب” العسكري الذي يقلهما، فأخذ الهراوي “الحدث” بطرافته المعهودة، “شو هالعهد اللي مبلش بدولاب مثقوب”، قال الرئيس.

  والحال، وفي تنسيب بداية جمهورية الطائف على احوالها الراهنة، تصير طرفة الهراوي الثانية الأكثر تعبيراً عن الدولة المثقوبة التي تسربت إليها الدويلات بما هو تكثيف لفقدها الذي باشرناه مع مسلَّمة الهراوي في طرفته الأولى.

  إنه لبنان، الدولة المفقودة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني