fbpx

البيئة والزراعة في المدن الكردية السورية: مغانم للبيع!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أرخت الحرب السورية أثقالها على الحسكة وجوارها والأهالي الذين بعدما دفعوا دماءهم ثمناً للصراع، ها هم يضطرون إلى بيع أراضيهم وتركها، من أجل البقاء على قيد الحياة، ما يعني تغيير وجه المنطقة وتشويه روحها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تبدو العلاقة بين المزارعين والأراضي الزراعية في الشريط الحدودي من ديرك إلى الحسكة في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، محفوفة بالمزيد من الريبة، فنتيجة ظروف الحرب ونقص الدعم، اضطر كثيرون إلى بيع أراضيهم أو التخلي عنها، لمصلحة التوسع العمراني وتقلص المساحات المزروعة. وإلى الخوف على مسألة تأمين القمح والأمن الغذائي للمنطقة، فإن هذا الواقع يطرح مشكلة بيئية حقيقية تداهم المناطق الكردية؛ فالإعمار على حساب الزراعة، تسبب بأضرار بيئية بالغة، فأضر بالهواء وأفقد المنطقة طابعها الجمالي. 

تتطور المشكلة وتتحول إلى هجمة شرسة لبيع الأراضي الزراعية بعد توزيعها إلى مقاسم متفاوتة الأحجام تبدأ من دونم واحد إلى ثلاثة دونمات في أكثر الأحيان، لتباع بأسعار تبدأ بـ6000 دولار للدونم الواحد، وترتفع  بحسب الحجم والقرب من الشارع الرئيسي، وتوفر بعض الخدمات مثل الكهرباء والماء وغيرها. وهي كفيلة بالتسبب بفقدان مادة القمح ثم الخبز خلال الأعوام المقبلة، ما يعني المزيد من الإجهاد الاقتصادي، لا سيما في ظل غياب الخطط الاقتصادية. 

10 سنوات من عمر المأساة السورية، أدت إلى دمار القطاع الزراعي، لا سيما في ظل تحويل عدد من الأراضي الزراعية إلى عقارات ومزارع وفلل.

البحث عن القمح

أحدثت الحرب السورية أسوأ أنواع التغيرات في الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تلعب دوراً مهماً في بناء الإنسان السوي القوي. لكن قضية تغيير وظيفة الأرض الزراعية وربطها بالأضرار التي تصيب البيئة، تُشكل خطراً مضاعفاً على الأمن الوطني؛ لما لها من تماس مباشر مع الامن الغذائي والمجاعات التي يمكن أن تحدث جراء تغول هذه القضية الكارثية، فحجم المقاومة يتجه للزوال، وتتوسع هوة التفاوت الطبقي المخيف بين فئات تتمسك بأرضها الزراعية ورفد الاقتصاد الوطني بأهم منتج غذائي- القمح، القطن- وفئات ابتغت الربح السريع دون إنتاج اقتصادي مفيد، وتحويل الزراعة إلى عقار، وسيمهد ذلك لتحويل المنطقة إلى صحراء وفقدان أبرز عامل للاستقرار أي القمح والشعير إلى المزروعات الأخرى.

وعلى مدى عقود خلت، شكلت محافظة الحسكة عصب الإنتاج الزراعي لسوريا، وكان ناتج المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن، يشكل جزءاً من الناتج القومي والميزانية العامة، وعماد دخل الفرد القومي لنسبة كبيرة من السكان. لكن 10 سنوات من عمر المأساة السورية، أدت إلى دمار القطاع الزراعي، لا سيما في ظل تحويل عدد من الأراضي الزراعية إلى عقارات ومزارع وفلل. كما أن غياب التخطيط الاقتصادي الفعال للزراعة، ترك أثره على كامل مفاصل الإدارة الذاتية وعلى حياة الناس والمجتمع وسبل الحياة، لا سيما بالنسبة إلى الفقراء الذين ازدادوا فقراً، مع فقدان فرص العمل أيام المواسم، إلى الضرر الذي يصيب الثروة الحيوانية جراء نقص مساحات المراعي والأراضي التي تعتمد عليها قطعان الماشية.

الأسباب المركبة للمشكلة

إضافة إلى الجفاف وانحباس الأمطار وضعف المواسم بشكل متفاوت خلال العقد الأخير، فإن تكلفة الزراعة تتضخم بشكل مستمر، في ظل الكميات المحدودة من مادة المازوت التي تؤمنها الإدارة الذاتية وتفاوت سعرها، إلى انقطاع الكهرباء بشكل مستمر وفقدان الدعم والتمويل الحكومي (الإدارة الذاتية- الحكومة السورية)، وعدم التعويض عن الخسائر المتتالية التي يتكبدها أصحاب المشاريع الزراعية البعلية. 

في ورقة وقع عليها ما يزيد عن 200 فلاح، حددت تكلفة زراعة دونم واحد بـ600 ألف ليرة سورية للأراضي المروية، أيّ قرابة 150 دولاراً، وأقل منها للأراضي البعلية. وحددت الإدارة الذاتية تسعيرة 2200 ليرة لشراء كلغ من القمح، و1600 ليرة لشراء كلغ الشعير.

إقرأوا أيضاً:

تغول ثقافة الاستهلاك

مقابل زيادة المساحات الزراعية المباعة أو المعروضة للبيع، والتي وصلت إلى آلاف الدونمات، وهي مرشحة للزيادة؛ بخاصة بعد انتهاء المواسم الزراعية البعلية أو موتها لهذا العام منذ بداية نيسان؛ بسبب انحباس الأمطار وحجم الخسائر المالية، شهدت المنطقة نمواً سريعاً غير مخطط في عالم العقارات والبناء، لكن دون أيّ مشاريع إنتاجية تذكر. وتقلص حجم المسطحات الخضر عمَّق الخطر المحدق بالأمن الغذائي والبيئي مع ضعف الإنتاج الزراعي.

ويصدف أن يقدم بعض ملاكي الأراضي الزراعية من المكون العربي لبيع أراضيهم، لكن ذلك يطرح مشكلة مجتمعية وسياسية تتجاوز قضية تحويل مساحات مخصصة للمزروعات البعلية إلى أبنية إسمنتية، إذ إن الأراضي الزراعية لملاكين عرب لا يسمح ببيعها لمواطن كردي بقرار من الحكومة السورية، كما أن الأراضي الزراعية التي تم منحها للمغموريين – شريحة تتضمن الذين غمرت مياه الفرات قراهم في الرقة وتم تعويضهم من أملاك الكرد وأراضيهم منذ 1974- للانتفاع منها، هي الأخرى لا يجوز بيعها لا للعرب ولا للكرد. فيتم البيع للشاري الكردي عبر تسجيلها على اسم مواطن عربي آخر بضمانات عشائرية أو عقد غير نظامي (ورقة برانية)، ما قد يمهد لخلافات لاحقة.

أرخت الحرب السورية أثقالها على الحسكة وجوارها والأهالي الذين بعدما دفعوا دماءهم ثمناً للصراع، ها هم يضطرون إلى بيع أراضيهم وتركها، من أجل البقاء على قيد الحياة، ما يعني تغيير وجه المنطقة وتشويه روحها.

إقرأوا أيضاً: