“حمام النسوان” زمن لم ينته يا جدتي! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في تلميحات النساء الجنسية ثورة على تقاليد باهتة لا تتعدى الكلمات. هناك تهكّم خفي على العادات، مع عدم الاستعداد الفعلي لتجاوزها.

كانت جدتي تروي لنا قصة زيارة “حمام النسوان” مرة في الأسبوع. وكانت التفاصيل الصغيرة لهذه القصة تسحرني. فمن “البقجة” المطرزة بالخيوط المذهبة التي تحزم بها الثياب النظيفة إلى أدوات الحمام المختلفة “ليف وأكياس للتفريك وأمشاط ومناشف للرأس وللجسد وثياب داخلية للحشمة”. ومن أجواء البخار الساخن إلى ثرثرات النساء إلى تلصص الأمهات على أجساد الفتيات بقصد الخطبة إلى ترنيمات قديمة تعطي خلفية موسيقية لهذه الروايات.

يبدو أن زمان حمام السوق يا جدتي لم ينتهِ بعد.

في طريقي إلى النادي الرياضي قطعتُ ساحة المطاعم التي هرمت وتساقط معظم ديكورها خلال سنوات الحرب والقحط الذي تلاها. كان هناك حركة خجولة للتجديد باستخدام إكساء رخيص في بعض الأركان، وسيدة تشطف أرض أحد المقاهي. لم يصمد من الزمن القديم سوى صوت فيروز في الصباح. سمعتها تكتب اسم حبيبها على الحور العتيق في بداية المشوار ثم “سكّرت على حالها الباب ولاقت حبيبها بينها وبين حالها”، وقبل أن أصل إلى النادي الرياضي كانت تطلب من الدنيا أن “تشتّي تيزيد موسمنا ويغلا”. 

في النادي فوجئت بأصوات مرحة من صالة السباحة وعرفت أن هناك صفّاً للرياضة المائية قررت فوراً أن أشترك فيه. تتبادل 20 سيدة الأحاديث معاً في الماء وتملأ أصواتهن الفراغ القليل المتبقي. دخلت في المياه الدافئة وفي مزاج المجموعة وبدأت أبتسم مرغمة للتلميحات الجريئة التي ترميها إحدى السيدات قبل وصول المدرّبة بينما تضحك النسوة بصوت عالٍ رتيب.

اعتدت أن أسمع مثل هذه التعليقات في الأعراس النسائية التي كانت تصحبني إليها أمي حين كنت صغيرة. وكنت أحاول أن أستوعب ما يقال وأدّعي أنني فهمت واندمجت في جو الكبار . وبالهرج والمرج ذاتهما السائدين في هذا الدرس، أذكر غناء النساء بصوت جماعي وأذكر الرقص في جو يسمح بالتحرّر من رصانة البيوت لفترة وجيزة. فلماذا يعيد هذا الجيل الممارسات القديمة ذاتها؟ ألم يتغير أي شيء داخل البيوت وخارجها؟ ألم يتحرّك الزمان إلى الأمام قليلاً أيتها العاصمة العجوز؟

لماذا تتحول اجتماعات نساء كثيرات فوراً إلى حوار جريء مفتوح؟ 

ما العامل المحرك للكبت الجنسي الذي ينطلق فور انعقاد اجتماع نسائي؟

في تلميحات النساء الجنسية ثورة على تقاليد باهتة لا تتعدى الكلمات. هناك تهكّم خفي على العادات، مع عدم الاستعداد الفعلي لتجاوزها.

“أووووها… وحطينا الأساور بإيدكي… أووووها…وبالليل ح تف ت حي رجليكي. ولولولولولولوليش”.

وتضحك النساء على واقعة إلهاء العروس بالذهب قبل واقعة ممارستها الجنسية الأولى. وهي ملاحظة فيها قدر من الذكاء والسخرية صار يسمح برأيي بالتفكير بإلغائها من عاداتنا الاجتماعية. 

ثم تبدأ إحداهن بتقليد صيحات باعة الخضار المتجولين.

“أصابيع البوبو يا خيار ” وتنطلق التلميحات والغمزات من عدة أفواه وتتبعها الضحكات الموافقة.

” لا تشلّحو بيشلح لحالو هالدرّاقن”

“بيضا بيضا”

“باردة وعالندى هالصبارة باردة”

يشتدّ الضحك وما زلت حتى الآن بانتظار اكتشاف لغز هذا السرور. 

عند الصباح حكمة جديدة من العاصمة القديمة: ما زالت النساء سجينات حتى هذه اللحظة. سجينات داخل قفص أعراف وأوهام يجب أن يقصيها الواقع المرير. لكن إصرار بعض النساء على التمسك بها فاق الحدود. 

ينتهي درس الرياضة المائية. وتستمر إنجازات البيوت والطبخ والأبناء ترويها النساء لبعضهن بانتظار الدور لدخول غرف الحمام.  ويستمر جو المرح.

 لقد كنت اليوم في حمام السوق. الرحمة لجداتنا.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

لبانة غزلان – كاتبة سورية
أن تعيش بهوية جندرية مختلفة أو خاصة فهذا أمر مربك ومعقد في المنطقة العربية، والأمر يزداد صعوبة وخطورة في دولة خليجية صغيرة مثل الكويت.
Play Video
يزخر المشهد الخليجي بالكثير من الأحداث الاحتفالية فنياً وثقافياً في سياق ما يعرف بسياسة الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي، لكن الحفاوة التي تطغى لا تخفي مساحات مظلمة عديدة خصوصا تلك المتعلقة بالقضايا الحقوقية والسياسية.

41:35

Play Video
عن سالي وزينب وأخريات، تعرّضن للخيانة والتخلي من قبل شركائهنّ، إثر إصابتهنّ بالسرطان… والحجة جاهزة دائماً، تلبية الحاجات الجسدية!

3:20

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني