مائدة وداع دسمة في دمشق

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

أتخيل أنني الباقية الوحيدة في دمشق، فأرتعب وأطلّ على المحلات تحت شباك غرفتي لأسمع ضجيج الناس وبائعي الخضار، أقول لنفسي، لا تخافي هؤلاء أيضاً هنا.

اعتدت على جدولة مواعيد الأسبوع كنوع من الإيحاء لنفسي بأنني قادرة على السيطرة على حياتي في بلد تعمّ فيه الفوضى. جدولي مزدحم هذا الأسبوع بلقاءات الوداع، أكتب في مفكرتي، يوم السبت مخصص لوداع ابن خالتي، ويوم الثلاثاء لوداع صديقتي. في دمشق نحترف طقوس الوداع فالرحيل المباغت أو المخطط له هو أمر اعتدنا عليه وأصبح جزءاً من يومياتنا.

ألّا تحظى بفرصة لتقول وداعاً

تلقيت في بداية الحرب صدمات رحيلٍ مفاجئة ومباغتة أثرت سلباً في حياتي وفي قراراتي ويومياتي، واستغرق مني الوعي بالآثار السلبية للرحيل المفاجئ سنوات طويلة لأرى ما خلّف من جروح عميقة وندوب كثيرة.

ألّا تحظى بفرصة لتقول وداعاً لمن أحببت في حياتك، إنها صدمةٌ لا تستطيع الشفاء منها بسهولة، يحتفظ بها عقلك اللاواعي كملف غير معالج وغير مفهوم. اليوم باتت للوداع طقوس خاصة بالنسبة إلي، إذ رسمت له تفاصيل صحية وسليمة أكثر، ازدادت خبرة الوداع بعد الحرب، حتى في الوداعات نصبح أكثر خبرة وحنكة. 

من يكرمني بفرصة وداعه ويهديني ساعات قليلة قبل رحيله يستحق مني امتناناً كبيراً، فهو يسمح لي باستيعاب غيابه بعض الشيء.

وصفة خاصة لوداع صحيّ وآمن

لأتمكن من استيعاب هذا الكم من الرحيل صنعتُ وصفتي الخاصة، أهدي الراحل هدية خاصة بذكرياتنا وأيامنا وما نحب، أحرصُ على التقاط الصور والتعبير عن مشاعري بوضوح، لا أريد الشعور بالندم لأنني لم أقل ما يجب قوله في اللحظة الأخيرة، ولا أريد الاحتفاظ بكيس المشاعر الممتلئ حد السقوط والانهيار.

وضمن وصفتي الخاصة لتقبل الوداع يأتي البكاء… نعم البكاء بوضوحٍ ودون محاولة كبت، أتعامل مع مشاعري بحب وأترك لها فرصةً للخروج بأي شكل يناسبها. أحياناً أحتاج احتضان أحد ما بشدة كما لم أفعل من قبل، وأحياناً أحتاج أن أقول له كلمات مشجعة عندما أشعر بخوفه من المجهول، وفي بعض الأحيان أعرض عليه المساعدة في تجهيزات السفر الروتينية من حزم الحقائب وشراء الملابس وغير ذلك من تحضيرات. 

لوداع ابن خالتي منذ أسابيع، أعددنا مائدة عشاء تليق به، سارعت نساء العائلة لإظهار الحب بالطبخ والبكاء، حضرت العمات “اليالنجي” والتبولة، أما خالتي فأعدت الكبة المقلية التي يفضلها وأعدت أمي أطباق الحلويات التي يحبها.

اجتمع كلّ من يحبونه في منزله قبل رحيله بيوم واحد، وهكذا حظينا بفرصة لنستذكر كم أنه شخص رائع وكيف ترك مروره في حياتنا أثراً كبيراً، نحظى بفرصة لنحضنه ونطبع قبلات على وجنتيه. ببساطة نحظى بفرصة أن نخبره بحبنا لعله يحمل زاد حب وتشجيع في غربة أيامه الآتية.

نوبات هلع وأصوات مخيفة في رأسي 

نطيب جروحهم وتتملح ندوبنا لتتفتح ذكريات الفقد من جديد، فنستذكر كل من مشى على قلوبنا وأغلق الباب بشدة.

موائد السوريين فقيرة بالطعام والعدل، مرتفعة الأسعار، زهيدة الألوان والفرح إلّا مائدة الوداع، تكون غنية، كثيفة، مركبة، معقدة، موجعة ومباغتة وفي أوقات كثيرة إجبارية وقسرية.

في وداع صديقتي في الأسبوع ذاته قررنا الاجتماع في مقهى دمشقي قديم يضم الكثير من ذكرياتنا وأسرارنا، شربنا قهوتنا للمرة الأخيرة وثرثرنا وضحكنا كثيراً وتكلمنا عن الاتحاد الأوروبي وعن روعة الحياة في السويد بعيداً من أوجاع دمشق.

أتخيل أنني الباقية الوحيدة في دمشق، فأرتعب وأطلّ على المحلات تحت شباك غرفتي لأسمع ضجيج الناس وبائعي الخضار، أقول لنفسي، لا تخافي هؤلاء أيضاً هنا. 

جميعهم رحلوا والباقون سيرحلون أيضاً، أحاول بناء بيت آمن في رأسي، أجمع فيه كل أحبائي وأصدقائي وأقاربي المشتتين في كل القارات والبلاد لنشرب قهوتنا ونسمع فيروز تدندن ونغني، أرى نفسي هناك أخبز الحلويات، أتخيل رائحة المكان وأصوات ضحكاتنا وابتسم.

“لقاء بدل الوداع يا رب” لكنني أسمع أصوات جميع من هاجروا في رأسي يقولون بصوت مرتفع ومخيف، “وداعاً… وداعاً… وداعاً”.

ظلم ألّا نملك خيارات سوى الرحيل، ظلم ألّا نستطيع توديع من أحببنا، يراودني سؤال مغطى بالذنب: “هل أحببت جميع من رحلوا بما يكفي ليذكروني، ويذكروا تفاصيل وجهي ولون بشرتي؟”.

هل الوداع نهاية لكل شيء؟ 

للذكريات، للأثر الطيب ولروائح من نحب؟ لتفاصيل أجسادهم ووجوههم؟ 

إنها باختصارٍ أبجدية الوداع التي لا نستطيع نحن السوريين إلا إتقانها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني