اليمن وحكم الإمامة… ما الطريق إلى السلام؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

يستكثر الحوثي على اليمنيين فتح طريق لمدينة، ويقول ممثله في المحادثات حول المشكلة: “بدلاً من فتح معابر سنفتح مقابر”..

لا يحدث أي سلام بالمجانية التي تتصورها قاعات النقاشات الفندقية، فمفهوم السلام يجد له طريقاً حقيقياً حين تدرك الأطراف حق الناس في الحياة أولاً، وحق الناس في اختيار من يقودهم، أو يمثلهم ثانياً.

هذه المعادلة لا تنطبق على اليمن منذ عام 2014، حين دخل الحوثيون صنعاء من صعدة، حاملين إرثاً من الأفكار القديمة التي لا يمكن بأي حال أن تناسب عصر اليوم.

كانت صنعاء تعيش خلال سنوات طويلة على إيقاعات أعياد وطنية تحتفي بها سماء العاصمة صنعاء كل عام، منها عيد الثورة المجيدة في 26 أيلول/ سبتمبر وهي الثورة التي قامت في الأساس لإنهاء حكم الإمامة التي ينادي بها الحوثيون.

بعد عشرين يوماً من دخول الحوثيين صنعاء حلت ذكرى عيد الغدير، وغرقت الأحياء الشمالية من صنعاء بالرصاص والألعاب النارية، وتجاوب معها المؤمنون بفكر الحوثي وكتموه طويلاً، فأطلقوا النيران من كل حدب، وسقط قتلى وجرحى جراء الرصاص العائد من الجو، فكانت الرسالة واضحة من الأيام الأولى.

يحاول كثير من دعاة السلام تجاهل هذه المشاهد، وما تلاها من طابع استبدادي يحكم العاصمة صنعاء والمناطق المجاورة بالرصاص والسجون، وباللون الأخضر الذي ألغى كل ألوان الطيف السياسي، وجرف وسائل التعبير، وطرد القوى الحزبية والنقابية والأكاديمية وأغلق المكتبات والصحف ونهبت وفجرت بيوت الخصوم، وقام بتصفية حتى الأصدقاء لهم ممن لا يؤمنون إيماناً كلياً بفكرهم.

لم يخجل بعدها من شيء. 

أعلن الحوثي صراحة أن الإمامة هي التي ستحكم اليمن بالقوة أو بغيرها، ونصب نفسه إماماً ومرشداً بدون إعلان، وروج مريدوه أنه الإمام الذي اصطفاه الله، ويتم تسويق الفكرة بلا خجل، وسمّى أخاه حسين الحوثي “قرين القرآن”، وعين شقيقه وزيراً للتربية وقرر هذا إلغاء التدريس حتى الصف الخامس والاكتفاء بالعلوم الدينية المذهبية الخاصة بمذهبهم وفرضه بالقوة، برغم أن معظم سكان المناطق التي يحكمونها بالقوة لا يدينون بذلك الفكر.

كل هذه التفاصيل تغيب اليوم عن نقاشات المنظمات الدولية التي تسوق لفكرة السلام المرتجى بين اليمنيين، في حين تغيب عن تلك الطاولات جماعة الحوثي، وكأن المشكلة الحاصلة هي بين يمنيين من كوكب آخر.

وحين دعا مركز صنعاء للدراسات الحوثيين إلى حضور مؤتمر السلام الذي ترعاه الخارجية السويدية في استكهولم، لكنهم رفضوا بوضوح.

ليس لديهم ما يقولون عن السلام، فالحرب بالنسبة إليهم هي الآلة التي تجعلهم يظلون على قيد الحياة، وتفزعهم فكرة أن يصبحوا مطالبين بدفع رواتب أو بناء مستشفيات ومدارس وتشييد طرق في ظل وضع اعتيادي، فهذه ليست جزءاً من مشاريعهم، ولا تخدم مصالحهم.

حين قررت الدول العظمى إقناع اليمن (الشرعية) والسعودية بالتقدم خطوات سريعة نحو إغلاق الملف اليمني، وجدت الشرعية نفسها في موقف ضغط دولي غير مسبوق، ولأن الدول تضغط على دول كانت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً هي الحلقة الأضعف في هذا الجانب، فاقتنعت بالأمر وقفزت خطوات في الهواء نحو سلام مزعوم مع الحوثي، سمي “هدنة”.

هذه الهدنة التي تواصل شهرها الثالث تحققت فيها مكاسب على الأراضي التي يحكمها الحوثي، وفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، وكانت هذه دائما توضع مقابل تعز، أو بالأصح مطار صنعاء مقابل فتح طرقات تعز، لكن هذه المكرمة الدولية للحوثي لم يقابلها أي تنازل حوثي لفتح الطرقات لأبناء أكبر محافظة مكتظة بالسكان، وتعالى الحوثي حتى على الرد على مقترح المبعوث الأممي الذي مازال منذ قرابة أسبوعين منتظرا للرد عليه.

السلام مؤشرات، والمؤشرات لا تدل على شيء سوى حشد للقوة العسكرية، يتوالى على حدود محافظة تعز، وكأن الهدنة كانت مجرد استراحة لمزيد من التجنيد والحشد، وبالتالي فإن السلام هو بيد من بدأ الحرب، وليس بيد غيره.

أظهرت التنازلات التي تقدمها الحكومة المعترف بها، حجم الرغبة بالوصول إلى سلام يضمن لليمنيين حقهم في الحياة أولاً وأخيراً، ثم تأتي التفاصيل.

لقيت الشرعية نقداً لاذعاً جراء تلك التنازلات، لكن رئيس المجلس الرئاسي الدكتور رشاد العليمي قال في خطابه في ذكرى الوحدة: “لقد علمتنا الأسابيع القليلة الماضية من عمر الهدنة، درساً مهماً في أهمية الانحياز الدائم لشعبنا، والتنازل دون تردد من موقع القدرة والمسؤولية من أجل رفع معاناته بموجب قسمنا وعهدنا الذي قطعناه بالمسؤولية عن جميع اليمنيين”.

 في المقابل، يستكثر الحوثي على اليمنيين فتح طريق لمدينة، ويقول ممثله في المحادثات حول المشكلة: “بدلاً من فتح معابر سنفتح مقابر”…

فأين السلام من وجه الحوثي إذاً؟!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني