fbpx

“ورق الشام” ما زال يرسل غيومه في جلسات المدخنين السوريين 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يبدأ المراهقون في سوريا بالتدخين كـ”علامة رجولة”، كانت أعقابُ سجائرِ “أولئك الختايرة” أولَ سجائرنا، سمونا “مَجْعبِين”.

لم أرَ في حياتي طريقة تدخين تشبه طريقة كبار السن في الريف السوري، يلفّون سجائرهم بعناية، ثم يضعونها بين أصابعهم لتنقلها إلى أفواههم، تاركة غيمات من دخان، يرافقها شايٌ شديد الحلاوة، ربما يساهم في تعويض الطاقة التي يحرقها أولئك إبان عمل مضن، يقومون به، تحت شمس حادة. كبار السن الذين مروا معي لا يدخنون، بل ينتقمون مما فاتهم بالسيجارة، يخفون ملامح وجوههم بالدخان، غيمةً بعد غيمة، سيجارة تلو الأخرى. ولا يتذمر شركاء جلستهم من غير المدخنين من كثافة الدخان، كأنه جزء من قدرهم المشترك، وعلامة تضامن في ما بينهم.

 سائق الأجرة السوري أو اللبناني يضيّفك سيجارة كإشارة إلى أنه سيدخن، لا ينتظر رأيك، أو يحسب أن للراكب الحق في إبداء الرأي بدخانه، ويمزجون السيجارة بشتائم للحياة التي تطحنهم طحناً. أما سائقو هولندا فالدخان ممنوع في سياراتهم، تذكرتُ سائقي الأجرة في إسطنبول، وهم يستأذنونك في أخذ سيجارة، ولا ينزعجون إن قلت لهم، لا، جديّة وجوههم وعائق اللغة وطبيعة الشخصية التركية تجعلك أقوى في كلمة: لا.

يبدأ المراهقون في سوريا بالتدخين كـ”علامة رجولة”، كانت أعقابُ سجائرِ “أولئك الختايرة” أولَ سجائرنا، سمونا “مَجْعبِين” نسبة إلى عقب السيجارة في عملية تقليب لغوي، نسرق من تحت وسائد مدخني عائلتنا إبان قيلولة الظهر، أوراقاً من دفتر “ورق الشام”، الذي وعدنا منتجه بأنه “سيعطي ألف ليرة لمن يثبت أن هناك أفضل منه”. نتحسر، كيف يمكننا إثبات ذلك، أو ما هي عناصر الإثبات، ونحن لا نعرف سواه، يسيل لعابنا على أمل الحصول على الألف ليرة سورية الموعودة، لماذا لم يبدل تلك الجائزة، بعدما غدت الألف ليرة 25 سنتاً، وكانت حين طبعت للمرة الأولى  تعادل 250 دولاراً، هل رحل ذلك الرجل أم طبع الآلاف من دفتره وينتظر أبناؤه نفاد النسخ المطبوعة؟

لا يقف الغرائبي في إعلان ورق الشام على الجائزة بل نجده أيضاً في النص الإعلاني، لا أظن أنه في تاريخ تسويق المنتجات من هو أقدم من ذلك الرجل في استعمال النظم الشعري، ثقيل الدم: يا بني الأوطان جمعاً، ورق الشام خذوه، فهو صحي لذيذ، جربوه تعرفوه، ومن الغش خليّ جربوه تعرفوه.

وأتبع صاحب معمل ورق الشام النظم الشعري بعبارة خطابية لا تزال صامدة على أوراقه، هي أقرب إلى عهد أحلام  “الدولة القومية”، فكتبَ: “فليحيا الوطن، إليك أيها العربي الصميم، إليك أيها الحر النبيل، ورق الشام الممتاز على سائر الماركات، وهو صاحب التاج المرصع بالنسبة لنظافته ونقاوته من كل غش بعد جهود خمس سنين توفّقنا لأحسن ورق مخفِّف لأضرار الدخان لنخلصكم من باقي الماركات وسميناه بالشام تيمناً بعروس بلاد العرب، فيجب على من يحب أن يخدم وطنه وصحته أن يستعمل ورق الشام”. بتوقيع صبحي وصلاح شربجي.

 ماذا يفعل صاحبا المعمل مثلاً وقد غدت الشخصية الكردية أكثر وضوحاً والكثير من المدخنين هم كرد؟ وقد وجدتُ هذا الدفتر يباع بكثرة في مدينة ديار بكر بتركيا  التي تقطنها أكثرية كردية؟ 

توجهَ النص المثبت على دفتر ورق الشام لمدخنين، عادة من الطبقة الأكثر فقراً،  ومعظمهم لا يقرأ، لكن النص كان وفياً لزمان الكلمة والخطب الرنانة، ولم يكن زمان الصورة والفيديو قد وصل إلى عالم التسويق. ركب صاحبا معمل ورق الشام، ربما بنصيحة رفيق صامد، موجة الخطاب الحماسي القومجي، ليغدو شراء منتجهما جزءاً من الصمود بوجه المعامل الأخرى التي تنتج ورق السجائر، كأن من يصاب بمرض “الصمود السوري” يحتاج إلى دخان كثيف كي يشفى، أو ربما فقد الأمل بأن يشفى، وليدخن ما يشاء!

الكثير من التفاصيل التي تخص حكاية التدخين في سوريا لها علاقة بـ”الصمود والتصدي”، ولا أدلّ على الصمود السوري من تعيين دكتور بالأدب العربي (فيصل سماق) مديراً لمؤسسة التبغ في سوريا نحو عشرين عاماً، ودكتور الأدب العربي هذا، كان تم تهريبه من ألمانيا نتيجة انكشاف أمره كممول وشريك للثعلب كارلوس في تفجير المركز الثقافي الفرنسي في برلين في 25 آب/ أغسطس 1983، وفور عودته عام 1992، تم تعيينه أستاذاً في قسم اللغة العربية في جامعة دمشق، وقامت الإدارة السياسية في الجيش السوري بطباعة رسالة الدكتوراه التي لا يعلم أحد متى كتبها أو أين أو أي جامعة منحته إياها، وبدأ بيع الرسالة/ الكتاب للطلاب. وهكذا بقي الرجل يدير شؤون التدخين مساء، ويدرِّس روايات حنا مينا صباحاً. ووصلت ثقته بنفسه إلى أن يسافر إلى النمسا لتمثيل سوريا في مؤتمر لمنظمة تابعة للأمم المتحدة منتصف تسعينات القرن الماضي، فينكشف أمره ويُعتَقل في النمسا، ثم يتدخل حافظ الأسد شخصياً لإعادته في سابقة نادرة في تاريخ سوريا.

كما كنتُ طفلاً، لا تزال نظرات الإعجاب ذاتها تبرق من عيني الآن، وأنا أراقب المسنين يلفون سجائرهم، يفتحون علبة “التتن” النحاسية المنقشة، ويخرجون دفتر أوراق السجائر من جيب صغير في لباسهم، ليضعوه على غلاف العلبة، ويضعون كمية ملائمة يوزعونها بعناية على ورقة السجائر، وعبر أصابع خشنة، يلفّون السيجارة، وكي لا تُفتَح ثانية يبلّلون طرفها على ضفاف الشفاه. 

تلفت نظرنا رقّة هذا الورق ونعومته، غير أن مهارة أصابع أولئك المسنين وهي تطوي الأوراق وتملأها بكمية مناسبة من التبغ. نجلس نحن الأطفال عند عتبات الأبواب معجبين بمهارتهم، وغالباً، ما نفشل حين نحاول أن نقلدهم، إذ ترتجف أيادينا خشية العصا التي ستمطر ظهورنا، نتيجة انكشاف ما نقوم به. 

أخبرت شركائي في الجلسة أن كثيرين في هولندا يستعيضون عن هذا “التتن” بمادة مكثفة أخرى، وبدل أن يمضوا نهارهم في اللف والتدخين، تكفيهم سيجارة واحدة مساء، ليشعروا بتلك المتعة، التي تدخل في الدم. وبين مزاح وجد سألني قتيبة، وهو ممن يعملون مع “قسد”، لماذا لم أحضر لهم “غرامات” منه يمكن أن يضعوها في سجائرهم، لتزيد تدخينهم متعة.

لم أرد الإجابة بداية، لكنني تذكرتُ تقريراً صحافياً عن زراعة الحشيش في مناطق “قسد”، فقلتُ له: ألا تنتجونه هنا؟ نظر إلى من حوله ليطمئن إلى أنه لا يبثُ أخباراً توهن نفسية الأمة العربية الكردية، وقال: ليس هنا بل هناك، في أعلى الفرات في مناطقنا ومناطق غيرنا، لكنه لن يكون بنوعية الموجود لديكم في أوروبا: الأفغاني والمكسيكي والهندي والإيراني (بمنشأيه اليمني واللبناني) والهندي…يقولون إنه أطيب! وأضاف كل جهة في سوريا حالياً لديها ممنوعها، اقتصاد الحروب وما بعدها دائماً يعتمد على ممنوعات من الكبتاغون إلى الحشيش والمخدرات عامة، نظريات الاقتصاد ومصادره تصلح للدول المستقرة والمستقلة.

 غطت الغيمة الدخانية فضاء الغرفة مرة جديدة، فطلبتُ منهم فتح الشبابيك. أكاد أختنق، وحدثتهم عن أن هولندا منذ نحو 20 عاماً، منعت التدخين في الأماكن المغلقة، وأن المخالف يدفع المال للبلدية. وبعدما أخذتُ فسحة من الصمت، سردتُ لشركاء الجلسة قصة حادثة عشتها إبان زيارة أحد الجيران السوريين، وعملية إسعاف لمريض، فحين جاء المسعفون وجدوا أن الأوكسجين في البيت أقل من النسبة المطلوبة، فطلبوا سيارة الإطفاء لاعتقادهم أن حريقاً أو تهريب غاز حدث في البيت، ولم يخطر في بالهم مطلقاً أن ربّ البيت يدخن السجائر والأركيلة بوجود أطفال، بعدما وضع كيساً من النايلون على منبه الحريق كي لا يرن. البلدية أخذت الأمر على محمل الجد، وهددته بسحب أطفاله منه.

إقرأوا أيضاً: