بعد شهادة فاطمة فؤاد عن الاعتداء الجنسي عليها: صدمة وارتباك بانتظار تحقيقات “معازف”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp
"درج"

لا نتوقع مساحات تخلو من الإساءة، لكن نحتاج إلى مساحات تعترف باحتمالات وقوع الخطأ وتعلن صراحة أنها ستتعامل بوضوح معه.

“لا مجال أو حاجة أو رغبة لديّ في تبرير تأجيلي المواجهة إلى اللحظة، فإنّني على قناعة أنّ للناجية الثائرة، صاحبة الحق، أن تعلن ساعة الصفر متى شاءت، كيفما شاءت…” 

وكانت ساعة الصفر بالنسبة الى فاطمة فؤاد الآن لتعلن عما تعرضت له، فهي خرجت عن صمتها بعد نحو عامين من الواقعة وكشفت عن تعرضها للتخدير وللاعتداء الجنسي في إحدى الحفلات في بيروت.

فاطمة و17 تشرين

فاطمة ناشطة سياسياً وشاركت بحماسة في الحراك الشبابي والاحتجاجيّ في انتفاضة 17 تشرين وهي تعمل في المجال الموسيقي الثقافي. 

عرفت بحماستها لقضايا المهمّشين ودافعت قبل أشهر عن طالبات في إحدى مدارس طرابلس تعرضن للتحرش من قبل أستاذهن، فصورّتهن ونقلت حكاياتهن. سبق لفاطمة وعائلتها أن تعرضوا لمحنة قاسية حين قتل شقيقها فواز السمان عام 2020 برصاص الجيش اللبناني خلال تظاهرات احتجاجية  في طرابلس.

فتاة شابة ناشطة وحاضرة في مجالات النقاش السياسي والحقوقي، من هذه الخلفية أتت شهادتها عن اعتداء جنسي تعرضت له لتكون صفعة قاسية تعيد النقاش باتجاه القضايا الشائكة والمساحات الملتبسة في محيطنا.

نشرت فاطمة نصّاً مطولاً على صفحتها في “فايسبوك” روت فيه كيف وضعها عملها في تلك الليلة، أي ليلة رأس السنة 2019/ 2020 على تماس مع (ب.س) وتحدثت بإسهاب كيف استُدرجت لتناول مخدر وأجبرت على ممارسة الجنس وكيف جرى لاحقاً الاستخفاف بها. 

بحسب شهادة فاطمة فؤاد فإن واقعة الاعتداء عليها لم تلق دعماً وموقفاً واضحاً من بعض المؤسسات الثقافية التي حصلت الحادثة في مساحاتها، وقد أوردت فاطمة تفاصيل الاعتداء عليها ضمن منشورها بشكل مسهب. وبعد انتشار شهادتها عمدت منصة انستاغرام الى محو شهادتها لأنها “تخرق المعايير” لجهة العبارات القاسية والصريحة التي تتضمنها لكن الشهادة بقيت متداولة على نطاق واسع.

فاطمة وجّهت اتهاماً مباشراً إلى مؤسسة “معازف” لعدم  وقف التعاون مع بشار سليمان بعد واقعة الاعتداء. و”معازف” مجلة موسيقية ثقافية برزت في السنوات العشر الأخيرة بوصفها إحدى المساحات الفنية القليلة الحرة المعنية بالموسيقى والغناء بشكل معمق جذب إليها الكثير من الاهتمام والمتابعة. 

“معازف” نشرت بياناً وأعادت تعديله وفيه اعتراف بما وصفته “فشلنا” في مجابهة التحرش والاعتداء الجنسي في الحادثة المذكورة وأعلنت عن إجراء تحقيق في الأمر: “فشلنا باتخاذ تدابير فورية ونعتذر بشدة لفاطمة عن ذلك… نضع انفسنا امام المحاسبة للأذى الذي وقع في حفلنا ولان غالبية الفريق الحالي علمت بما وقع تلك الليلة لاول مرة بعد كتابة فاطمة عن احداثها سنبدأ تحقيقا مستقلا في دور معازف ومدير معازف معن أبو طالب في الأحداث التي وقعت تلك الليلة مع نشر بيان في كل مرحلة من التحقيق وإتاحة المعلومات عن مجرياته…. من مسؤوليتنا ضمان أن واقعة كهذه لن تتكرر أبداً..”

“برزخ” هي مساحة ثقافية في بيروت، حيث وقع الاعتداء، تعرضت ايضاً لانتقادات كون الاعتداء حصل في أروقتها، ونشرت بيانا تؤكد فيه دعمها لفاطمة فؤاد: “نجدد استعدادنا لاتخاذ كل الإجراءات التي تطالب بها فاطمة، ونعلن في هذا الصدد قطع علاقتنا مع «معازف» طالما لم تحاسب الضالعين في هذه الجريمة والمتسترين على مرتكبيها. وسنقوم من جانبنا بمراجعة شاملة بهدف تشديد معايير الأمان كشرط أساسي من شروط التعاون مع أي جهة في تنظيم أي نشاط يقام في برزخ”.

تزامنت شهادة فاطمة مع تحضيرات مؤسسة الصندوق العربي للثقافة والفنون -آفاق، لحفل “ميدان” الشهر المقبل احتفالاً بعيدها الخامس عشر، وأعلنت “آفاق” تضامنها كلياً مع فاطمة فؤاد وتعليق عملها مع “معازف”: “في ظلّ الاتّهامات الحالية لإدارة مؤسسة معازف، وإيماناً منّا بالمسؤولية التي تحتّم على أي مؤسسة/جهة/فضاء التعامل مع أي اعتداء بحماية الناجيات منه أولاً ومحاسبة المعتدين/ات ثانياً، نعلن فضّ الشراكة مع معازف فوراً وإنهاء أي دور لها في تنظيم الحفل وإقامته”.

الفضاء “البديل”

الصادم في شهادة فاطمة عدا عن تفاصيل نقلتها عن التخدير والاعتداء هو حصولها من قبل أشخاص في فضاء يفترض أنه يحمل حساسية أكبر تجاه التفريق والفصل بين الحريات الشخصية والفردية وبين الاعتداء والانتهاك الجنسي والجسدي.

ربما علينا أن نعترف بأننا ما زلنا في بدايات النقاش في قضايا التحرش والاغتصاب خصوصاً تلك التي تحصل في فضاءات يفترض أنها آمنة. فمع السعي الذي لا ينبغي ان يتعطل لجهة توسيع مساحات تلاقي ثقافي سياسي واجتماعي حر آمن، لا مفر من مواجهة حقائق مُرّة لجهة تحديد أين هي حدود الحرية والتحرر الفردي ومتى ينقلب ذلك ويصبح انتهاكاً، والأهم هو كيف نتعامل مع هذا الانتهاك ونحاسب من ارتكبه. 

تحتاج المؤسسات الثقافية الناشئة لأن تتعلم من تجربة كالتي حصلت مع فاطمة فؤاد لإعادة النظر بكل السياسات التي ترعى قضايا حساسة تحديداً تلك المعنية بالجندر. 

لا نتوقع مساحات تخلو من الإساءة، لكن نحتاج إلى مساحات تعترف باحتمالات  وقوع الخطأ وتعلن صراحة أنها ستتعامل بوضوح معه. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني