fbpx

جريمة القاع: “الإبادة” المستمرة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مرة جديدة، يقف رجال الدين والسياسيون والوجهاء سدّاً منيعاً ضد حماية الأطفال من مغتصب متسلسل. تكاتفوا جميعاً للتستر على مجرم ينضم إلى قافلة من المجرمين المتلطين بعباءات اللصوص.

مجدداً تُقدّم أجساد الأطفال ذبيحة مستباحة ينهشها مجرم متسلسل مع سابق الإصرار والترصّد، مستقويا بمنظومة شيطانية لا قعر لحقارتها. يقولون عنها الدولة العميقة والأصح إنّها كل شيء ما عدا الدولة. هي ساحة إبادة ممنهجة يديرها مجموعة من مجرمي حرب مدعومين من لصوص ومرتزقة يمسكون بمفاصل حياتنا وينهشون أجسادنا. نحن نعيش على أنقاض حيواتنا، نراها تتفتت إلى درجة غاب عنا أن ندرك أننا حتى لسنا على قيد الحياة. 

ها هو مجرم إضافي يتلذذ بانتهاك أجساد الأطفال. هم بالنسبة إليه معبر الشهوانية المقرفة التي تغذيها  مفاهيم ذكورية متسلطة ومتلطّية خلف “العيب”، و”بلاها الفضيحة”، و”نمشي الحيط الحيط ويا ربي نوصل على البيت”، و”معليش رجال واستحلى”. 

أخذ المجرم وقته وهو يتصيد ضحاياه الواحد تلو الآخر تخديراً ثم اغتصاباً.  هكذا وبكل بساطة استثمر مقهاه لتلّقف الأطفال واستدراجهم نحو عذاب ينخر عظامهم. ولم يكتف بفعل الاغتصاب الذي لا وصف يفيه قباحته، بل استكمل ذلك بتصوير الأطفال عراة إلا من جريمته.

سنوات وهذا القبيح، و”على عينك يا تاجر”، يقتل بريق العيون وكثيرون في قريته شهود، صامتون، متسترون. “فالزلمي طيب وأدمي ومعروف بالقاع”، و”شو رح يقولوا عنا الناس بعدين. بكرا بتنسى وبيمشي الحال!”

هكذا عضّ الأطفال، ومعهم أهاليهم، على جرح لن يشفى من دون محاسبة قانونية عادلة تنصف الأطفال.

المغتصب ليس وحده المجرم هنا، بل يشاركه في الجريمة كل من غض النظر، أو مارس ضغطا، أو وجد تبريراً. مرة جديدة، يقف رجال الدين والسياسيون والوجهاء سدّاً منيعاً ضد حماية الاطفال من مغتصب متسلسل. تكاتفوا جميعا للتستر على مجرم ينضم إلى قافلة من المجرمين المتلطين بعباءات اللصوص. 

فات هؤلاء أنه في حال لم تتخذ الجهات الرسمية والقضائية إجراءات بسجن المعتدي، ليس لمعاقبته وحسب، بل لحماية باقي الأطفال منه، يصير فضح هوية المجرم ونشر صوره واجب أخلاقي لحماية الأطفال علماً أن احالة المجرم وشركائه المتسترين عنه الى القضاء هي أقل المرتجى.

هي قضية جديدة تضاف إلىى سلسلة طويلة من الانتهاكات وللأسف، كالعادة، نهبّ كلنا في البداية لنصرة الضحايا ومن ثم نمضي إلى فضيحة أخرى. وفي الوقت المستقطع ينخر الألم أجسام الأطفال “على السكت” وفي الظل.

أما بعد، فلم أستطع أن أقارب هذه الفاجعة من منطلق مهني بحت عبر عرض الوقائع، والحلول المترافقة، وسبل الوقاية. فهذا كلام كررناه ونكرره في كل مرة نقف أمام حائط أصمّ. فها هو منصور لبكي، المحكوم بخمسة عشر سنة حبس في فرنسا بعد إدانته المدنية بجرائم تحرش واغتصاب أطفال كانوا في عهدته، يمضي أيامه في لبنان محمياً بعباءة الطائفة وقيم اجتماعية تبدي مصلحة العباءة على حساب أجساد الأطفال. لأن “الأب لبكي آدمي وعامل خير كتير، ما بيعلمها. وإذا غلط معليش فهو ياما عامل خير بحياتو”.

لائحة الانتهاكات طويلة وجريمة القاع هي دليل إضافي على أن نظاما فاسداً مبنياً على مبدأ المحاصصات، حتى في قضايا الاغتصاب وقتل النساء، لا رجاء منه. هل نسينا قضايا التحرش والاغتصابات في المؤسسات الرعائية، والمدارس، والباصات وكيف انتفضت كل طائفة لحماية مغتصبيها؟

إذا كانت الدولة فاشلة، لا بد أيضا من الإقرار بأن الصوت الذكوري لازال مسيطرا، بقوة عضلاته الفارغة، على ردود أفعالنا وأحكامنا. فترانا نعلي الصوت ومن ثم نصمت مع الصامتين لا بل نرى بعض المزايدين يتنطحون مطالبين بانتقام إجرامي فقط عندما يكون المغتصب من الطرف الآخر وليس من “ملتنا”.

مصيبتنا الكبرى هي في استجابة بعض الجمعيات الأهلية التي وكأنها، عند كل جريمة، أمام التجربة الأولى: تلكؤ، ومماطلة، ومن ثم استجابة لا ترتقي لفداحة الحدث. نحن أمام جريمة موصوفة تتطلب أكثر من بيانات الإدانة والتحركات الاستعراضية. أين بروتوكولات التعامل مع الأزمات وسياسة التدخل الممنهجة. بالمختصر أين هي ملايين الدولارات التي تصرف على برامج الحماية؟ 

جريمة القاع أعادتني بالذاكرة إلى جريمة مماثلة في دوحة عرمون في شهر تموز/يوليو من عام 2018. حينها تم القبض على عامل “دليفري” حيث اعترف باغتصابه 22 طفلاً بمن فيهم أولاد خالته. حينها ارتفع الصوت عاليا لشجب الإجرام وإحالته الفورية على التحقيق. 

هل المغتصب مذنب فقط في حال كان فقيراً ومهمشاً لا غطاء له؟

بالعودة إلى دولتنا “العميقة” الفاشلة، في الأسابيع الماضية تناولت وسائل الإعلام تقريرا خلص إلى استخدام الاغتصاب والعنف المنهجي ضد النساء والفتيات اللبنانيات والفلسطينيات من قبل الميليشيات خلال الحرب في لبنان ابتداء من عام 1975.

وأظهرت الشهادات التي جمعتها منظمة العمل القانوني العالمي لحقوق الإنسان (LAW)، تفاصيل التجارب المروعة للعنف الذي مورس ضد النساء، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، والصعق بالكهرباء، والتعري القسري المستخدم لاضطهاد النساء والفتيات اللاتي لا تتجاوز أعمار بعضهن التاسعة. وأضاف التقرير أن “هؤلاء النساء والفتيات (وأفراد الأسرة الذين شهدوا هذه الجرائم) ضحايا بشكل مزدوج – أولاً العنف الجنسي الذي تعرضن له ثم الفشل التام والمطلق في محاسبة الأفراد على هذه الانتهاكات الجسيمة أو حتى الاعتراف بما حدث”. 

وهي في الحقيقة أكثر من جريمة مزدوجة، فلقد غاب عن التقرير أن يشير إلى أن عدداً كبيرا من الأطفال المولودين نتيجة حمل مفروض بالقوة على أجساد النساء لاسيما القاصرات، انتهي بهم الأمر ضحايا للاتجار بالأطفال لأغراض التبني الدولي. والتجار هم عينهم مجرمو الحرب الذين شملهم قانون العفو الصادر في لبنان عام 1991 والذي منحهم حصانة عن الجرائم التي ارتكبت ضد المدنيين خلال الحرب. وهذا العفو شكل جريمة إضافية أسست لثقافة الإفلات من العقاب وغياب المساءلة.

 إذا هم أنفسهم، مجرمو الحرب، مستمرون بعنفهم الممنهج ضد أجسادنا وأجساد أطفالنا بعد أن تكرس العفو بقانون. فكيف لعدالة أن تتأتى عن مجرمي الحروب ولصوصها؟

الحرب مستمرة وممنهجة ولا عزاء لنا إلا بمحاسبة مجرمي الحرب الممسكين بزمام حياتنا. 

إقرأوا أيضاً: