fbpx

“نخشى من سيناريو جوليو ريجيني”: عام على اختفاء الباحث الفرنسي إيان بوردون في القاهرة!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
"درج"

اعتقد الشاب العاشق للتاريخ والأماكن الثقافية أن رحلة القاهرة ستكون مثالية لتتويج مغامراته. لم يدرك أن للقاهرة صورة أخرى قاتمة وخطيرة، صورة من الازدحام وارتفاع معدلات الجريمة والقمع الأمني.

بعد عام كامل من التجول في العديد من البلدان الأوروبية، ظن الباحث الفرنسي إيان بوردون البالغ من العمر 27 سنة، أن مغامرته لن تكتمل سوى بالانتقال إلى مصر. في مساء يوم 24 تموز/ يوليو من العام الماضي، انطلق مصطحباً معه حقيبة ظهر، فيها بعض الملابس وخيمة التنقل، عبر رحلة من تركيا، إلى شرم الشيخ، المنتجع السياحي الفاخر المطل على البحر الأحمر، والذي تحيطه الجبال من الناحية الأخرى، فرصة لن تعوض لشاب يعشق المغامرة.

الباحث الفرنسي إيان بوردون

 انطلق الشاب سريعاً لصعود جبل موسى القريب، الذي يمتد حتى ارتفاع 2300 متر. بعد رحلة لبضعة أيام قليلة، يغير الشاب وجهته نحو العاصمة المصرية، القاهرة، باحثا عن المزيد من المغامرة، وفوق ذلك، استكشاف تاريخ المدينة العريقة. وفي طريقه إليها، يتعرف إيان إلى شرطي مصري شاب، على طريق السويس في إحدى نقاط التوقف، الذي يصطحبه معه في سيارته، إلى القاهرة. وعلى مقربة من ميدان التحرير، تنقطع أخبار الشاب الفرنسي، دون أن يعلم أحد ماذا حدث بعدها.

منذ عام تقريباً، أصبح مصير الشاب الفرنسي، إيان بوردون مجهولاً بالفعل. تجاهد أسرته في العثور على ابنها المفقود وتطلق دعوات الاستغاثة للسلطات المصرية والفرنسية وأي شخص رآه، يساعد في معرفة مصيره. 

اعتقد الشاب العاشق للتاريخ والأماكن الثقافية أن رحلة القاهرة ستكون مثالية لتتويج مغامراته. لم يدرك أن للقاهرة صورة أخرى قاتمة وخطيرة، صورة من الازدحام وارتفاع معدلات الجريمة والقمع الأمني.

في البداية، كان الشاب يبدو مستمتعاً برحلته إلى العاصمة المصرية، نظراً إلى اهتمامه بالتاريخ، إذ كان يتابع دراساته العليا في هذا المجال. بدت ملامح هذه المتعة واضحة في الرسالة الأخيرة التي بعثها لوالدته، إيزابيل لوكلير بتاريخ 28 تموز/ يوليو، “كل شيء رائع ومثير للاهتمام هنا”.

تشرح الأم لـ”درج”، “لقد كان سعيداً بالمجيء إلى القاهرة، أخذ يعدد بذهول، الأماكن الجميلة والرائعة التي زارها أو ينوي زيارتها في العاصمة المصرية”، مضيفة، “أخبرني بأنه سيزور الحي القبطي في القاهرة والمتحف المصري وبعض الأماكن الأثرية”.

كما أطلع إيان والدته على بعض المعلومات الأخرى، وعن لقائه بالشاب الشرطي، الذي أوصله إلى فندق، ثم أمضى السهرة في الليلة التالية من وصوله إلى القاهرة مع هذا الشرطي وأصدقائه، دون أن يعطي مزيداً من التفاصيل عن هوية هؤلاء الأشخاص.

لم يمر سوى أقل من أسبوع، وتحديداً في 3 آب/ أغسطس، تواصل إيان مع شقيقته ويندي، وأخبرها بأنه سيطلعها على التفاصيل الكاملة لرحلته في القاهرة قريبا، قبل أن يختفي، وتنقطع جميع أخباره.

خلال الشهر الأول من اختفائه، لم تفكر الأسرة أن مكروهاً قد وقع له، فالشاب لا يحب أن يستخدم هاتفه الذكي كثيراً، كان يتجول بدون أي “خط هاتفي”، ويكره تنبيهات التطبيقات. توضح شقيقته، “قلنا أنه لا يرد على رسائلنا في البداية لأنه مستمتع ويمضي وقتاً جميلاً، وأن هناك الكثير من الأماكن التي يزورها في القاهرة، إيان لا يحب استخدام الانترنت كثيراً، ويحب الاستمتاع بكل لحظة”.

بدأ القلق ينتاب الأسرة في شهر سبتمبر، مع مجيء عيد ميلاد والدته، إذ أنه كان دائما من أوائل الأشخاص الذين يقدمون لها التهنئة، لكن هذا العام، لم يرسل شيء للأم ولم يرد على رسائلها. توضح الأم “انتظرت أن يرسل لي بريد ألكتروني لتهنئتي، لكن لم أتلق شيئا، كان هذا غريبا، لأنه يحب أن يكون حاضرا أو مشاركا في المناسبات”.

تحول القلق إلى مخاوف حقيقية بحلول نوفمبر، مع مجيء عيد ميلاد شقيقته ويندي، التي لم تستقبل منه أي شيء. تبين إيزابيل “هذا لا يعني أنه مشغول لهذه الدرجة، أدركنا أن هناك مشكلة، وأعلنا أنه مختف”.

في تشرين الثاني/ نوفمبر، تقدمت الأسرة إلى السلطات الفرنسية للمساعدة في البحث عن إيان. طلبت الخارجية الفرنسية من سفارتها في القاهرة التواصل مع جهاز الأمن الوطني بالقاهرة، من أجل إطلاق تحقيق بشأن اختفائه. “أرسلنا كل المعلومات التي لدينا عن زيارته لمصر، إلى السفارة والتي نقلتها إلى جهاز الأمن الوطني بالقاهرة”، تشرح والدته.

لم يعط جهاز الأمن المصري أي رد إلى السفارة الفرنسية إلا بحلول شهر كانون الثاني/ يناير، حينما طلب منها تقديم بلاغ رسمي لدى مديرية الجيزة، حول اختفاء الشاب، نظراً إلى أن السفارة تقع في نطاق مديرية الجيزة.

الخوف من مصير مجهول

يثير اختفاء إيان بوردون في القاهرة الكثير من الحيرة لدى أسرته: كيف بسائح ودود مبتسم دائماً، يحب الحديث مع الناس، متفائل، وفضول بالتاريخ، ووقع في حب القاهرة من أول لحظة، أن ينتهي به المطاف إلى مصير مجهول؟

تقول والدته، “لدينا مخاوف كبيرة على حياته، لدينا مخاوف من أن يكون معتقل لأي سبب، وأننا لا نستطيع مساعدته، هذا يخيفنا”.

في كانون الثاني/ يناير، جاءت معلومات من وزارة الداخلية الفرنسية، لتزيد من مخاوف الأسرة وتوحي بوقوع مكروه له. تكشف المعلومات أن 4 عمليات سحب متتالية أجريت من ماكينة مالية على مقربة من ميدان التحرير، في 5 دقائق فقط، يوم 7 آب/ أغسطس- أي بعد 3 أيام من آخر تواصل له معهم- أفرغت حسابه تماماً من الـ200 يورو التي كانت بحوزته.

دفع هذا الخوف الأسرة للبحث لمعرفة الوضع في مصر، لم تكن تعلم أن البلد أن القمع نهج سياسي هنا، وأن حالات الاختفاء القسري تتكرر، “لم نكن نعرف من قبل الطبيعة السياسية في مصر. قرأنا عن وجود قمع سياسي لكن إيان ليس لديه أي نشاط سياسي، هو شخص محب للتاريخ فقط”.

حادث تعذيب الباحث الإيطالي جوليو ريجيني وقتله في مصر في بداية عام 2016، يثير الرعب في قلب أسرة هذا السائح الفرنسي الشاب، من تكرار السيناريو ذاته. “قرأنا عما حدث لجوليو ريجيني، هذا المثال يخيفنا، ونخشى أن يكون قد تكرر مجدداً مع ابننا”، تقول والدته، بصوت يختلط بالبكاء.

والأحد، أعلنت النيابة العامة المصرية مقتل شخص أجنبي داخل مسكنه في مدينة نصر، شرق القاهرة، على يد سيدة و4 أشخاص ظانين أنه لديه مبلغ من المال، غير أن النيابة لم تكشف جنسية هذا الشخص ولا تاريخ الحادث.

أكثر ما يفزع الأسرة، هو الصمت التام من جانب السلطات المصرية ولا سيما الأمن الوطني تجاه الطلبات المتكررة منها ومن فرنسا للكشف عن مصير إيان. تمر الأيام بطيئة للغاية على أسرة إيان، لكن المحققين في اختفائه لا يأخذون في الاعتبار مسألة الوقت ومعاناة الأسرة. كان على عائلة إيان الانتظار حتى شهر آذار/ مارس، حتى ترد السلطات في القاهرة بتأكيد أن إيان كان موجوداً على الأراضي المصرية. تقول شقيقته، “ثمانية شهور ليقولوا لنا إنه كان بالفعل داخل مصر!”.

في أيار الماضي، قررت إيزابيل وزوجها وويندي، المجيء إلى القاهرة لمتالعة التحقيقات التي تجريها السلطات المصرية، والبحث عن إيان. توجهت الأسرة إلى مكتب النائب العام الذي استقبلهم، ولكنها فوجئت بأن هذا الأخير لا يملك  أي تفاصيل عن القضية. تشرح ويندي، “أخرجوا لنا ملف القضية، لقد كان فارغاً، وليس لديهم حتى صورة لإيان، ولم يكن هناك تفريغ لكاميرا ماكينة السحب المالي القريبة من ميدان التحرير، أو أي معلومات عن الشاب الشرطي الذي التقى به”، قبل أن تضيف، “لم نجد الرسائل التي وجهناها من فرنسا إلى الأمن الوطني المصري في الملف”.

تأملت أسرة إيان بإجراء لقاء مع الأمن الوطني الذي وفق على رؤيتهم، قبل أن يقرر تأجيل الموعد ليوم آخر، لم يتم تحديده، فانتهت الزيارة دون عقد هذا اللقاء. أمام هذه اللامبالاة من السلطات المصرية، بدأت الأسرة عملية البحث عن الشاب. انطلق الثلاثة وفي أيديهم صورة لإيان، في شوارع القاهرة، يدخلون أي مبنى كتب عليه كلمة فندق، عسى أن يجدوا هذا المكان الذي أوى إيان في نهاية تموز/ يوليو 2021، لكن دون جدوى. تقول الأم: “جئنا إلى القاهرة، محملين بكثير من الآمال، لكن عدنا دون أي تقدم يذكر”.

برغم مرور أكثر من شهرين على زيارة العائلة القاهرة وما يقرب من عام على اختفاء إيان بوردون، لا تزال العائلة تعيش غموضاً وقلقاً على مصيره. تشرح شقيقته ويندي بمرارة، “صمت السلطات المصرية المستمر حتى الآن يطرح الكثير من الأسئلة، لا نعرف لماذا لا يردون علينا… لماذا لم بباشروا التحقيق حتى الآن؟ هذا يجعلنا نتخيل كل السيناريوات المخيفة، لا يختفي شخص كل هذه المدة دون مبرر!”.

أمام هذا الصمت، لجأت أسرة إيان إلى وسائل الإعلام لتسليط الضوء على القضية، على أمل أن تدلي السلطات المصرية بمعلومات جديدة أو يساعد شخص ما في الكشف عن مصير الشاب. تقول الأم، “نحاول أن نفعل كل شيء كي نجده، إنه مجرد سائح أحب القاهرة وتاريخها”.

إقرأوا أيضاً: