fbpx

لماذا نقبل علاجات منى زكي البديلة ونرفض منتجات قمر؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لماذا استهجن الجميع ما قدمته قمر من منتجات مغشوشة، ولم يفعلوا بالمثل مع زكي إلا قليلاً؟ هل إذا أطلقت قمر اسماً رناناً على منتجاتها مثل منتجات الهوميوباثي، وباعته في عيادة في مناطق راقية مثل منطقة الشيخ زايد أو التجمع، كان سيتم القبض عليها؟

انتشرت منذ فترة فيديوات على تطبيق “تيك توك” لفتاة تدعى قمر، تعمل في بيع منتجات تجميلية رخيصة الثمن، في وكالة “البلح”، في مصر، وهي منطقة معروفة ببيع المنتجات والملابس المستعملة زهيدة السعر، لكن قمر كانت تدعي أن مستحضرات التجميل أصلية. 

 بعد فترة أُعلن القبض على قمر بذريعة عدم حصولها على التراخيص اللازمة والشكوك بسلامة منتجاتها.

لكن على مقلب آخر، أطلت علينا الممثلة منى زكي سفيرة النيات الحسنة لدى اليونيسيف، وهي منظمة الأمم المتحدة للطفولة، تتحدث مع الفنانة علا رشدي في إحدى حلقات برنامج “وجهة مظر”  والتي حملت عنوان “الطب البديل”، في أنها باتت ترفض إعطاء الأدوية لأطفالها، عند ارتفاع درجة حرارتهم، وأنها أصبحت تعالجهم بالهوميوباثي، وقد باتوا يحبونه ويتناولون تلك المنتجات  مثل “البون بون” وأضافت أنها لم تعد تعطيهم اللقاحات، أسوة برافضي التطعيم في مصر والعالم، حتى تحافظ على مناعتهم الطبيعية. 

رددت الأسطورة الشهيرة التي أُثبت خطأها مراراً، وهي أن اللقاحات قد تتسبب بالتوحد. وهذه الأسطورة بدأت عام 1998 بورقة بحثية في مجلة The lancet تدعي وجود علاقة بين لقاحات الحصبة، والنكاف، والحصبة الألماني، وظهور التوحد، وقد أُثبت خطأ الورقة البحثية لاحقاً. 

لكن في الحلقة أثنت المقدمة على كلام منى زكي لجهة الترابط بين اللقاحات والإصابة بالتوحد وقالت إنها باتت هي الأخرى لا تطعم أبناءها.

مرت تأكيدات الممثلة والمقدمة مرور الكرام، برغم خطورته. فمنى زكي وجه عام ولها موقعها كما أنها في منصب سفيرة نيات حسنة تهتم بالأطفال والطفولة. 

انهالت التعليقات على الفيديو تسأل كيف نحصل على منتجات الهوميوباثي؟ 

السؤال الذي لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير به هو لماذا استهجن الجميع ما قدمته قمر من منتجات مغشوشة، ولم يفعلوا بالمثل مع زكي إلا قليلاً؟ هل يرجع الأمر لأسباب طبقية؟ هل إذا أطلقت قمر اسماً رناناً على منتجاتها مثل منتجات الهوميوباثي، وباعته في عيادة في مناطق راقية مثل منطقة الشيخ زايد أو التجمع، كان سيتم القبض عليها؟ 

بالتأكيد لا أقصد الدعوة أو التحريض لالقاء القبض على زكي أسوة بقمر، فأنا أمقت اختراع السجن بحد ذاته، وأعتقد أنه من أسوأ ما أنتجته البشرية. لكن دعنا نعود للهوميوباثي؛ ما هذا الشيء الذي تعالج به الفنانة أبناءها؟ الهوميوباثي هو العلاج بالمثل، ابتكره طبيب ألماني يدعى صامويل هانيمان في أواخر القرن الثامن عشر، ويقوم على معالجة الشيء بمثله، أو تناول المريض مادة تسبب أعراض المرض ذاته إذا أعطيت للشخص السليم. وفي مصر، توجد عيادات الهوميوباثي في أماكن راقية وكذلك في دول الخليج، وتباع منتجات الهوميوباثي في مصر عبر الانترنت بدون تصريح.

وقد ذكر الكاتب، والطبيب الإنكليزي بن جولديكر الهوميوباثي أو المعالجة المثلية في كتاب “العلم الزائف“، كأحد العلاجات الزائفة، أو غير العلمية، ويقول  “إن أثر العلاج الوهمي أكثر تعقيداً وتشويقاً مما يظن معظم الناس، بل يتخطى مجرد تناول قرص سكري؛ ففكرة أثر العلاج الوهمي تتمحور حول الخبرة الثقافية الكاملة لإحدى الوسائل العلاجية، والتوقعات المسبقة”، فلا يستطيع مستخدمو الهوميوباثي إثبات أن تحسن حالتهم يرجع إلى كفاءة هذه المنتجات لأن هناك شيء اسمه علاج وهمي.

في الحقيقة لست في موقع علمي يجعلني أقدم مقاربتي لكن لا أخفي أنني أتحيز للطب الغربي، أو الطب المبني على بيّنة (evidence based medicine) وأرفض العلاجات البديلة من فراغ، فالطب الحديث هو ما جعل متوسط عمر البشر يزداد من 30 إلى 79 سنة. كما أن متوسط الأعمار المتوقع للسكان في الدول الغنية تجاوز الثمانين، وعام 2019 وصل متوسط عمر السكان في إسبانيا، وسويسرا، وأستراليا، إلى 83 سنة، ووصلت اليابان إلى 85 سنة وعالجت الأدوية واللقاحات، والمضادات الحيوية ملايين المرضى، وأتفهم تماماً لجوء المرضى إلى العلاجات البديلة، مثل العلاج بالطاقة، أو الهوميوباثي، يأساً من بعض الأمراض التي يعجز الطب عن إيجاد علاج قاطع لها. 

يطمح الناس بعلاج نهائي للسرطان، لكن لا يوجد مثل هذا الشيء، لا يوجد علاج ساحر، كما أن السرطان متعدد الأنواع والمستويات والنتائج ومهما كانت تجربة علاج السرطان مريرة، إلا أن العلاجات البديلة ببساطة غير فعالة، وهي في أفضل الأحوال بلاسيبو (دواء لا يحتوي على مادة فعالة). إضافة إلى الأساطير المنتشرة حول تخبئة شركات الأدوية لعلاج السرطان، حتى تستنزف الناس مادياً، وحملات رفض التطعيم، وكل الأساطير المنتشرة عنها.

ما الذي يجعل قرص الدواء أفضل من العلاج الطبيعي؟

يحب البعض بخاصة من الطبقة الاجتماعية العليا فكرة العلاجات الطبيعية، ويجدون أنها بديل جيد للأدوية، فعندما أصيب ستيف جوبز عام 2003 بسرطان البنكرياس،  أجّل الجراحة الموصى بها لمدة 9 أشهر، قام خلالها باتباع نظام للعلاج البديل، ونظام غذائي خاص، لكن جوبز أصيب بسرطان آخر في البنكرياس، وعلى رغم أنه عاش بعد تشخيصه بالسرطان 8 سنوات، إلا أن كاتب سيرته الذاتية ذكر أنه ندم على اتباعه طرق العلاج البديلة، وتأخيره الجراحة.

لكن قبل تناول هذه الأدوية الطبيعية يجب أن نعرف ما هي؟ وما تركيبتها؟ ومن صرح بها، وهل توجد رقابة عليها؟ كما أنه لا ضرورة ليكون كل ما هو طبيعي جيداً أو نافعاً.

ولماذا لا نتعرف إلى كيفية عمل الدواء الذي يهرب الناس منه بدعوى وجود مواد كيميائية، وآثار جانبية ضارة؟ يشتق الدواء من مصدر طبيعي، أو اصطناعي، أو حيوي، وهذا الدواء يمر بمرحلة من التجارب، على الحيوانات، والبشر، حتى يصبح أهلاً للطرح في الأسواق، هناك رحلة طويلة يمر بها الدواء، ينفق فيها ملايين الدولارات، في سنوات عدة، لكن أدوية الهوميوباثي التي تُطرح على ساحات الإنترنت، ليست لها آثار جانبية، لأنها ليست مجربة من الأساس. فلم تصرح منظمة الغذاء، والدواء بأي منها، ولم تجرب فعاليتها ولا مدى أمانها.


على الجانب الآخر، هناك ممارسات طبية سيئة، تجعل الناس تحجم عن اللجوء المنظومة كلها، يقول بن جولديكر في كتابه “العلم الزائف”؛ “تحدث أشياء مريعة في الطب، عندما تجري الأمور على ما يرام مثلما تجري على غير ذلك. ويتفق الجميع على أننا يجب أن نعمل على التقليل من الأخطاء، ويتفق الجميع على أن الأطباء يكونون في بعض الأحيان في منتهى السوء. ربما يكون الأطباء في منتهى الفظاعة، وربما تكون الأخطاء قاتلة، لكن الفلسفة التي يعتمد عليها الطب القائم على الأدلة ليست كذلك”.

وقد كشفت جائحة “كورونا” عن ثغرات كبيرة في المنظومات الصحية حتى في كبرى دول العالم، أو قلة المخصصات التي توجه للمنظومة الطبية، لكن يجب أن نفرّق بين الطب، والمنظومة الطبية. فالعيب كما يقول “الإيفيه” المصري في النظام، وليس في الطب ذاته.

إذا كانت العلاجات البديلة يائسة، فعلينا أن نعرف أن الطب الآن وصل إلى مرحلة متقدمة، مثل علاج السرطان الموجه؛ فمن طريق أدوية تسمى الأدوية البيولوجية، نستطيع أن تعالج السرطان وأمراضاً أخرى، وعلى خلاف العلاج الكيماوي الذي يدمر الخلايا السليمة، تستهدف هذه الأدوية بروتينات معينة في الخلايا السرطانية، وتسبب أضراراً أقل للجسم. ووصل الطب أيضاً إلى علاج فايروس نقص المناعة المكتسبة؛ فالذين يتناولون الأدوية بانتظام اقتربت كمية الفايروس في أجسادهم، أو الحِمل الفيروسي، إلى صفر تقريباً. بإمكان العلماء الآن أيضاً صنع أنسجة بشرية وأعضاء كاملة من الخلايا الجذعية، وبمساعدة “كريسبر“، وهو أداة ثورية، وسهلة، للتعديل الجيني، واقتربنا جداً من علاج الأمراض المنقولة وراثياً مثل مرض السكري، والسرطان، فتمكن إزالة الجينات، وحذفها، بل يمكن إجراء تعديل جيني للأجنة، لكنّ هناك خلافاً أخلاقياً على تلك العملية. في النهاية منتجات قمر، لا تختلف عن علاجات منى زكي، والعلاجات الوهمية لا تفيد إذا بيعت مغلفة بقطع سوليفان.

إقرأوا أيضاً: