fbpx

توكاييف رافضاً حرب بوتين على أوكرانيا… كازاخستان تتمرد على حليفها الروسي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الانتقام الروسي لم يتأخر طويلاً وأظهر أن بوتين فقد صبره من توكاييف الذي جرح كرامته وطعن هيبته، وجاء رده صاعقاً بقراره وقف شحن النفط الكازاخي عبر خط قزوين إلى الأسواق العالمية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يراجع تحالفاته جراء الموقف المفاجئ لرئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف أمام حشد من رؤساء الدول والمسؤولين الكبار الذين حضروا منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي. 

توكاييف أعلن صراحة رفضه الاعتراف باستقلال اقليمي لوغانسك ودونيتسك عن أوكرانيا.

لم يدر بخلد الديكتاتور الروسي ربما أن توكاييف الذي ترتبط بلاده مع روسيا بتحالف مؤطر باتفاقيات ثنائية واقليمية ستبلغ به الجرأة أن يتمرد علناً ملقياً بسياسيين دوليين وصحافيين ومحللين في غياهب التكهنات والتفسيرات عما يقف وراء هذا التحدي، لا سيما بعد إعلانه أن بلاده لن تعترف بما وصفه بـ”جمهوريات مزعومة في لوغانسك ودونيتسك”، مستدركاً الإشارة إلى أن عدم الاعتراف هذا يسري على تايوان، وكوسوفو واوسيتيا وأبخازيا، وهما الاقليمان الجورجيان اللذان أعلنا وبدعم من بوتين الانفصال بعد الهجوم الروسي على هذه الدولة التي اختارت التحالف مع الغرب عام 2008.

بوتين اكتفى بالصمت ولم ينطق بأي كلمة وتجاهل انتقادات توكاييف الذي عاد الى مكانه جنب الزعيم الروسي الذي جلس كالصنم يراقب بغيض مكتوم، الذهول الذي طبع على وجوه الزعماء الحاضرين في المنتدى.

يطرح موقف رئيس كازاخستان الرافض للحرب الروسية على أوكرانيا، واحتلالها ومصادرتها الأراضي الاوكرانية المزيد من الغموض بشأن مستقبل العلاقات بين روسيا وكازاخستان، وإذا ما كانت ستهدد عضوية منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تتكون من ست جمهوريات سوفياتية سابقة بقيادة روسيا. هذه المنظمة لعبت دوراً محورياً في تشكيل تحالف تريده روسيا أن يكون منظومة مشابهة في تكوينها للحلف الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وفقاً للخبير في الشؤون الأوروبية- الآسيوية ديفيد تيورتري، فإن هذه المنظمة تعد “نوعاً من الثقل الموازن في مواجهة الحلف الأطلسي”، موضحاً أنها “تعتمد على القدرة العسكرية الروسية لإظهار القوة”.

قوة في مواجهة الغرب

تأسست “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1992، وهي اتفاقية دفاع متبادل أخذت شكلها الحالي عام 2002، وحصلت على صفة مراقب في الأمم المتحدة عام 2004، إذ تضم طاجيكستان وقيرغيزستان وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان بالإضافة إلى روسيا.

تستند المعاهدة على مبدأ الدفاع الجماعي مثل حلف الناتو، ما يعني أن تعرّض أي دولة من الدول الأعضاء إلى اي هجوم يُعد هجوماً على جميع أعضاء الحلف، كما وتجري تلك الدول مناورات عسكرية مشتركة، وتسهل بيع الأسلحة في ما بينها. لكن برغم ما تنص عليه المعاهدة، يعتبر تدخل القوات الروسية في كازاخستان مطلع العام هو الأول من نوعه في تاريخ المنظمة الممتد 30 عاماً، وبرغم تعرض بعض الدول إلى ظروف أكبر من الاضطرابات الحالية في كازاخستان، لم تستجب المنظمة وتنشر قواتها، وفق “فورين بوليسي”.

بالتأكيد إن تمرد توكاييف ورفضه الحرب على أوكرانيا التي هي برأيه انتهاك صارخ للمواثيق الدولية وسيادة الدول، ليس مصادفة ولم يأت من العدم، على رغم أنه كان مفاجئاً للكثير من المحللين والمراقبين، وصاعقاً للكرملين لا سيما أن العلاقات مع روسيا تخيم عليها سحب كثيفة من الغيوم لم يبددها التدخل الروسي العسكري لإنقاذ نظام توكاييف الذي واجه موجة ساحقة من الاحتجاجات الشعبية على تدهور وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد في أوائل العام الجاري.

العنجهية والرعونة الروسية

توكاييف كان لمح في أحد تصريحاته، ولكن من دون الكشف عن أي تفاصيل إلى أزمة جدية في علاقات الحليفين بقوله “أنا، وعلى رغم من أنه ربما لن يكون مناسباً تماماً، أود أن أعبر عن بعض الشكاوى حول تصريحات عدد من النواب الروس، وتصريحات خاطئة تماماً حول كازاخستان، والبيانات غير الدقيقة، كما يمكنني القول إن ذلك ينسحب أيضاً على عدد من الصحافيين وحتى الشخصيات الثقافية”، واصفاً ما يتناوله عدد من النواب والصحافيين الروس من تصريحات بأنها “غير واضحة”، مكتفياً بالإشارة إلى “أنهم يبالغون بتعليقاتهم الغريبة على قرارات قيادة كازاخستان، أو الأحداث التي تجري في بلادنا”. 

هذه المواقف اكتفى الرئيس فلاديمير بوتين بالتعليق عليها بقوله، “روسيا وكازاخستان قادرتان على إيجاد حل لأي مشكلات”. 

يشير المحلل في الشؤون الروسية سامي عمارة الى وجود مشكلات بين قيادتي الدولتين سبق أن تداولتها  أجهزة الإعلام ومنها الرسمية، من بينها خبر “رفض” قاسم توكاييف قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منحه وسام “ألكسندر نيفسكي”، أحد أعلى أوسمة الدولة الروسية، على هامش أعمال منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي. 

وكان المحلل السياسي الكازاخستاني يربول يديلوف من أوائل الذين أذاعوا ذلك الخبر عبر قناته على Telegram، وهو ما أكده روسلان زيلديباي، السكرتير الصحافي لتوكاييف، رداً على طلب من وكالة Tengrinews. وبحسب يديلوف، فإن توكاييف “شكر المعنيين على التكريم”، لكنه “قرر عدم قبول أي جوائز، محلية وأجنبية، طوال فترة توليه منصبه الرسمي كرئيس للدولة”. وأضاف إديلوف”توكاييف لم يقبل أيضاً قبل ذلك منحه أعلى وسام الدولة في قيرغيزستان، “وسام ماناس من الدرجة الأولى”.

أسباب عدم اعتراف كازاخستان باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، رددتها بكثير من الصراحة  بعض المواقع الإعلامية الصحافية والإلكترونية الكازاخستانية، ومنها “ألتين أوردا” (القبيلة الذهبية) وهو الاسم التاريخي القديم لكازاخستان وشركائها من أخلاف إمبراطورية المغول والأسرة الطورانية.

روسيا الرسمية حاولت في أكثر من مناسبة توضيح موقفها الهادف كما أشارت إلى “لمّ شمل ما بقي من جمهوريات سوفياتية سابقة في إطار التعاون المتكافئ القائم على المنفعة المتبادلة”، إلا أن معطيات الواقع الداخلي ومتغيرات السياسة الدولية وتغليب المصالح الوطنية، تظهر أن كازاخستان وغيرها من جمهوريات الفضاء السوفياتي السابق لا تخفي رغبتها الجامحة في هدم الأسوار والتحرر من شباك الماضي الذي يريد بوتين إعادتها إليه بالقوة. 

اعتبر مراقبون كثر في موسكو أن ما يحصل من تحولات في كازاخستان وغيرها من بعض بلدان آسيا الوسطى، ينذر بضرورة تغيير السياسات الروسية وفي مقدمتها السياسات الإعلامية، التي يبلغ الشطط ببعضها حد السقوط في شرك بعض “الممارسات السوفياتية القديمة”.على حد تعبير سامي عمارة. 

واللافت أن كثراً من المراقبين والمحللين الروس اقروا بما وصفه بعضهم بالرعونة في السياسة الخارجية الروسية في إدارة ملف دول الاتحاد السوفياتي السابق، مع قصر النظر الاستراتيجي لقيادة الجمهوريات المستقلة، هذا القصور في إدارة هذه الملفات أدى إلى جعل تلك الدول مسرحاً للتنافس بين اللاعبين الدوليين، كما أدّت هيمنة مبدأ المساواة الشكلية في العلاقات الدولية على محتواها الواقعي والحقيقي إلى خسارة كبيرة للنفوذ الروسي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي.

مسيرة الاهتزازات و النكسات و الخوف

ما يمكن رؤيته في موقف توكاييف هو أن تصريحات المسؤولين الروس، والمواقف التي تصدر عنهم بين حين وآخر، وبشكل خاص تلك الداعية إلى ضم أجزاء من أراضي دول سوفياتية سابقة، تثير مخاوف ليس كازاخستان وحدها، وانما الجمهوريات السوفياتية السابقة الاخرى، إذ هناك أقليات روسية تصل في بعضها إلى 22 في المئة من التركيبة الديموغرافية، وتخشى هذه الدول تكرار سيناريوات شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا.

مرت العلاقات بين روسيا وكازاخستان بمطبات كثيرة واهتزازات تردد صداها في وسائل إعلام البلدين، منها ما يعود إلى سنوات حكم الرئيس السابق نور سلطان نزاربايف، لكن هناك الجديد منها، ويتعلق بما يمكن أن ينسحب على الولاية الحالية للرئيس قاسم توكاييف، وما يتعلق منها بما قدمته روسيا من مساعدات ودعم. 

يعيد عمارة التذكير بما قاله الرئيس فلاديمير بوتين حول أن لروسيا ديوناً قديمة لدول الاتحاد السوفياتي السابق، ومنها ما يتعلق بما تم إهداؤه إليها من أراض روسية تاريخياً. وإذا كان ما قاله بوتين بهذا الشأن يتعلق بالدرجة الأولى بأوكرانيا، وما تم ضمه إليها من أراضي منطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا، لكن كازاخستان لم تكن بمنأى عن التداعيات المماثلة، وهي التي حصلت على مساحات هائلة تقع اليوم في الشمال من خريطتها الجغرافية.

كلمات بوتين هذه  نبشت في ذاكرة المسؤولين الكازاخيين وأعادتهم الى جرح وربما إهانة، بل راى البعض انها ترتقي إلى تهديدات كانوا سمعوها من بوتين، وذلك في معرض حديث جمعه مع شباب بلاده عام 2014، حيث قال، “نزاربايف زعيم كفؤ للغاية، وفعل شيئاً فريداً. لقد أنشأ دولة على أرض لم تكن فيها دولة على الإطلاق”. عبارة بوتين التي قال فيها “لم يكن لدى الكازاخ دولة” أثارت غضب الرئيس السابق نزاربايف، ما دفع  دوائر الكرملين الى الاسراع بتقديم اعتذار غير مباشر قالت فيه إنه تم تحريف تصريحات بوتين. 

وفي الواقع، أشارت بحوث ودراسات إلى أن الكازاخ لم تكن لديهم حدود لدولتهم، بل، وأن الكازاخستانيين لم يؤسسوا أبداً عاصمتهم بمحض إرادتهم. يقول عمارة، “المعروف تاريخياً أن كازاخستان انضمت في السابق إلى الاتحاد السوفياتي كوحدة إدارية، ضمن أراضي قرغيزيا السوفياتية ذات الحكم الذاتي، قبل تحولها إلى جمهورية سوفياتية عام 1936.

تتهم بعض الدوائر الرسمية ووسائل الإعلام الروسية كازاخستان الرسمية بأضطهاد الناطقين باللغة الروسية إلى ما يتعرض له بعض أبناء القومية الروسية في كازاخستان، وعادت هذه الأصوات تنتقد قرارات توكاييف حول الرحيل المبكر لقوات حفظ السلام التي هرعت لإنقاذ بلاده من ويلات محاولات الانقلاب التي شهدتها في كانون الثاني/ يناير الماضي، فضلاً عن العودة إلى المطالبة بما تنازلت عنه روسيا من أراض إبان سنوات الاتحاد السوفياتي السابق لكازاخستان وغيرها من الجمهوريات السوفياتية. 

تجدد وتزايد الانتقادات الروسية للقيادة السياسية في كازاخستان سببه برأي المراقبين موقفها “الحيادي” من الأزمة الأوكرانية الراهنة، وإعلان الرئيس توكاييف أنه لن يعترف بجمهوريتي “دونيتسك” و”لوغانسك”. 

وكان توكاييف فسر موقف بلاده من عدم الاعتراف بجمهوريتي منطقة الدونباس بأنه “إذا تحقق حق الأمم في تقرير المصير فعلياً في جميع أنحاء العالم، فبدلاً من 193 دولة أعضاء في الأمم المتحدة الآن، ستظهر أكثر من 500 – 600 دولة على الأرض”. واختتم حديثه قائلاً، “بالطبع ستكون الفوضى”. وعلى وجه الخصوص، لا تعترف كازاخستان بسيادة تايوان وكوسوفو وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وقال توكاييف، “ومن الواضح أن مبدأ عدم الاعتراف سيطبق على مناطق شبه الدولة، والتي هي في رأينا على غرار لوغانسك ودونيتسك”.

 كازاخستان تطبق العقوبات الغربية على روسيا

ولعل الشعرة التي قصمت ظهر البعير كما يقول المثل العربي في العلاقات الروسية- الكازاخية تتجلى بتعهد لتوكاييف في مقابلة مع قناة “روسيا 24” التلفزيونية الإخبارية الرسمية، “باتباع العقوبات الغربية ضد روسيا”. وقال إن بلاده لا ترفض التزامات الحلفاء تجاه روسيا، لكن التفاعل مع موسكو سيبنى في إطار نظام العقوبات. وأضاف أن كازاخستان تمتثل لجميع القيود التي فرضها المجتمع الدولي على روسيا، على رغم استمرار العمل مع موسكو. وأوضح أن “العقوبات هي العقوبات، يجب ألا نخرقها، بخاصة أننا نتلقى إخطارات بأنه في حال انتهاك العقوبات، فإن ما يسمى العقوبات الثانوية من الغرب ستأتي على اقتصادنا”. 

الانتقام الروسي لم يتأخر طويلاً وأظهر أن بوتين فقد صبره من توكاييف الذي جرح كرامته وطعن هيبته، وجاء رده صاعقاً بقراره وقف شحن النفط الكازاخي عبر خط قزوين إلى الأسواق العالمية، وذلك للمرة الثالثة خلال أربعة أشهر. ولم يكن صعباً على الكرملين الايعاز الى احدى المحاكم الروسية لإصدار حكم يستند إليه القرار الرسمي، إذ ذكرت قناة “روسيا اليوم” التي تديرها الحكومة، إنه تم وقف عمل خط نقل النفط المذكور بقرار من محكمة مدينة نوفوروسيسك، جنوب روسيا، لمدة 30 يوماً، وذلك بسبب ما سمته”خروقات بيئية”، تجب معالجتها لكي يستأنف الخط عمله. ويعتمد اقتصاد كازاخستان بشكل رئيس على صادرات النفط، التي تمثل 56 في المئة من قيمة الصادرات الخارجية و55 في المئة من ميزانية الدولة.

توكاييف استقبل القرار الروسي بالتحدي إذ نقلت وكالة “تاس” الروسية تصريحات له حول حاجة بلاده إلى تنويع مسارات نقل النفط والغاز إلى الخارج، واعتباره هذه المهمة “شديدة الأهمية”، مؤكداً أن الأولوية في هذا الصدد يجب أن تكون “المسار العابر لبحر قزوين”. توكاييف قال إنه سيطرح على حكومته مهمة استراتيجية جديدة تقضي بتحويل موانئ كازاخستان إلى أحد المحاور الرئيسة للبنية التحتية لأسطول بحر قزوين وإنشاء مركز حاويات في ميناء أكتا على ضفافه. وطالب المؤسسات الدولية المتخصصة بالعمل في اتجاه زيادة قدرة خطوط أنابيب النفط أتيراو-كينكياك وكينكياك-كومكول، بما يعني أن كازاخستان تبحث عن طرق لنقل النفط عبر إيران وآذربيجان. فعبر إيران، يصبح من الممكن الوصول إلى موانئ الخليج، بينما يمكن أن تتصل كازاخستان عبر بحر قزوين بآذربيجان ومنها إلى جورجيا وحوض البحر الأسود، ثم أوروبا، بما يعني أيضاً الالتفاف على كل الطرق السابقة التي كانت تمر بالأراضي الروسية.

لا يحتاج المراقب، بل وحتى المتابع العادي إلى اكتشاف ما أراد توكاييف ابلاغه ليس للقادة الروس وحسب، بل أيضاً لخصومهم الأميركيين برغبته تغيير بوصلة البلاد بحيث تبتعد من روسيا. المعلقون الروس وجدوا أن كل هذه الطرق التي تحدث عنها توكاييف “تمر خارج أراضي روسيا”، ما دفعهم الى الاستنتاج، “أن كازاخستان الحليف الرئيس لروسيا تبحث عن البدائل”.

لا شك في أن هذا الموقف وما سيتبعه من تطورات، يفتح الباب أمام شتى الاحتمالات من بينها تفكك وحدة بلدان الأسرة الأوروآسيوية، فيما روسيا ما زالت تحترق بأتون حربها على أوكرانيا والعقوبات الغربية التي ستظهر بعد أشهر تأثيراتها الكارثية على البلاد.

إقرأوا أيضاً:

No posts