fbpx

فيلم جاكي شان في سوريا: “الحزب الشيوعي الصيني” يحتفل بمئويته في الحجر الأسود

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ببساطة إنه نظام الأسد، فالبلد تحت مدفعيته والحقيقة خلف الكاميرا، والمجتمع الدولي يرغم نفسه على تصديقه، وتبقى المنازل المدمرة والذكريات التالفة هي الدليل الأقوى على ما فعله ولن يمحو ذلك تحويل بلادنا إلى ديكور في فيلم ما.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

باللباس اليمني التقليدي، ينضمُّ بعض السوريين إلى فيلم الممثل الأميركي الصيني المشهور جاكي شان الجديد، بأدوار ثانوية ومقابل القليل من المال، كأنهم يدخلون حرباً أخرى، وكما لو أن عليهم المشاركة في كلّ الحروب سواء في الحقيقة أو مشهد تخيله مخرج ما، في مفارقة عجيبة للحياة التي يعيشونها على الهامش، وللنفي الإنساني الذي يتعرضون له.

نهاية العالم في سوريا

منذ الإعلان عن فيلم جاكي شان الجديد الذي ستصور بعض مشاهده في مدينة الحجر الأسود القريبة من دمشق، طُرِحَتْ الكثير من الأسئلة منها ما يتعلق بالجانب الإنسانية وأخرى بالجانب الإنتاجي. يتحدث فيلم Home Operation، إنتاج جاكي شان وإخراج سونغ ينتشي، عن عملية إخلاء 562 مواطناً صينياً من اليمن في آذار/ مارس 2015، إضافة إلى 8 موظفين أجانب في شركات صينية. ليست المرة الأولى التي يتصدر خرابنا التصوير العالمي، إذ اُفتُتِحت الحلقة الخامسة من الجزء الثالث للمسلسل الشهير westworld بمشهد من مدينة حمص السورية المدمرة، كان بإمكان المخرج الاستعانة بأفضل المصممين والمؤثرات لخلق مشهدٍ لنهاية العالم على يد الذكاء الصناعي لكن لم تكن هناك حاجة لذلك، ولا ضرورة درامية لخلق المكان وأفضل “لوكيشن” لنهاية العالم موجودٌ بالفعل، يبدو أن المخرج العالمي جوناثان نولان كان يعلم الكثير عمّا يحصل في سوريا حتى اختار مدينة حمص، لكن ربما أكثر ما كان يعرفه كيف يمكن أن يكون مشهد أسوأ خراب على الإطلاق موجوداً بشكل واقعي في أقرب مكان عشنا فيه حياتنا.

ولفهم طبيعة المكان، فالحجر الأسود ذات الغالبية المهاجرة من الجولان المحتل، إضافة إلى خليط من عدد من المدن السورية وعدد قليل من اللاجئين الفلسطينيين، تقع على حدود مخيم اليرموك، كانت من أوائل المناطق المنضمة إلى الثورة السورية، سيطر عليها لاحقاً الجيش الحرّ وتحولت بعد فترة قصيرة إلى المعقل الرئيسي لتنظيم الدولة “داعش” حتى عام 2018، بعدها بسط نظام الأسد سيطرته عليها وتحولت إلى مدينة مدمرة بالكامل وخالية من السكان بشكل شبه تام، على أثر المواجهات التي حدثت فيها، وما زالت العائلات تحاول العودة في ظل دمار البنى التحتية، ولم يرجع لليوم إلّا عدد قليل بعد سماح حكومة النظام بذلك العام الفائت.

الصين والشيوعية الكاذبة

ما يحدث تحت رعاية نظام الأسد ليس بريئاً. في أحد الصور من موقع التصوير وعلى العربة المصفحة العائدة للنظام، ظهرت لافتة كتب عليها بالإنكليزية “سلام ومحبة”، ما يحدث اليوم في سوريا تخطى تزييف الحقائق منذ زمن، وانتقل إلى مستوى جديد من اللعبة، فالنظام يمثّل دور القيادة الطيبة والمسالمة وهذا ما يريد المجتمع الدولي تصديقه.

السؤال هنا: ما السلام الذي يودّ النظام إظهاره وإنتاج الفيلم صيني- إماراتي؟ هل يجب الحديث عن تطبيع الإمارات مع إسرائيل ومع نظام الأسد في الوقت ذاته؟

من جهة أخرى، يبدو الإعلان عن الفيلم ممارسة دعائية ممتازة إذ، وبحسب جريدة “اللوموند” الفرنسية كانت عملية الإنقاذ المعقدة، التي نفذت من ميناءي عدن في الجنوب والحديدة في الشمال اليمني، أول استعراض للقوة من قبل البحرية الصينية من قاعدتها في جيبوتي.

وقال المخرج إنه فخور بأن فيلمه يأخذ وجهة نظر الديبلوماسيين، أعضاء الحزب الشيوعي الذين يتحدون الرصاص في بلد مزقته الحرب لإخلاء جميع مواطنيهم الصينيين سالمين على متن سفينة عسكرية، ومن المتوقع أن يشاهد الفيلم أكثر من 90 مليون عضو في “الحزب الشيوعي الصيني”، ما سيساهم في الوصول إلى جمهور يقدر بـ140 مليون متفرج.

كل هذا يحيلنا إلى رغبة الصين في إظهار قوتها العسكرية للعالم من خلال الدعاية السينمائية، وهو أيضاً شكل من أشكال بسط السلطة، لكنها وقعت في خطأ غير محسوب، ففيما تتكلم عن الشيوعية والإنسان غرقت في رأسمالية الإنتاج والأفلام، فحتى التصوير في موقع ذي تكلفة مالية أقل هو انحياز لرأسمالية تدعي الشيوعية الصينية محاربتها!

أوديشن دمار بين البلاد العربية

هكذا تحولت بلاد عربية شيئاً فشيئاً من مناطق مشتعلة بالحروب إلى استوديوهات مثالية، من ليبيا إلى العراق فسوريا، أما اليمن فهو على اللائحة حين تتوقف المعارك، فالمدن ليست استوديوهات مناسبة إلا بعد توقف المعارك.

لا بل يمكن اليوم الحديث عن خيارات واسعة لشركات الإنتاج، إذ كان يفترض تصوير فيلم جاكي شان في اليمن، لكن شركة الإنتاج وجدت سوريا مكاناً أكثر رخصاً وأمناً، وهكذا باتت المنطقة تخضع لـ”أوديشن”، فحتى التصوير في إحدى المدن يعني منافسة محتدمة مع مدن وبلدان أخرى، كل هذا بشكل شبه مجاني.

وفي جميع الحالات، من الناحية الإنتاجية المدينة (سواء حمص أو الحجر الأسود أو أي مدينة سورية مدمرة)، هي موقع تصوير مثالي لا حاجة فيه لديكور إضافي أو تغيير مكان حجر واحد، فالمدينة متهالكة بالفعل وأمام المخرج مئات المنازل المدمرة وما عليه إلا أن ينتقي الحي المناسب والخلفية الأفضل لوضع الكاميرا أمامها، دون تكبد عناء الاستعانة بالمصممين أو إنفاق المال، بينما يمكن الحصول على مشهد مثالي بشكل شبه مجاني.

لكن ما الذي يعنيه المجاني هنا؟ ولماذا يجب التوقف طويلاً أمام هذه المنازل المدمرة، المجاني يعني هنا أن أصحاب المنازل لن يطلبوا مقابلاً لتحويل منازلهم إلى استديو تصوير، لعلهم أقله يتمكنون من ترميم منازلهم والعودة إليها. المجاني يعني أن الضحايا الذين قتلوا تحت الأنقاض (وما زالت جثث بعضهم هناك) ربما يقف ممثل أجنبي فوق إحداها ممثلاً كيف تكون النجاة، المجاني يعني هنا الطبطبة على النظام السوري الذي لم يساهم في تدمير المدينة وحسب، إنما يعرقل منذ أكثر من سنة عودة الناس إلى الحجر الأسود.

كاميرا نظام الأسد

عام 2017 عرض فيلم “مطر حمص” للمخرج السوري جود سعيد، صوّر الفيلم في أحياء مدينة حمص المدمرة، لكن لم يكن المشهد لنهاية العالم بل لمحاولة نجاة عاشقين يحاولان في كل مشهد إظهار قوات النظام بصورة إنسانية تأكيداً لرواية النظام، داخل حكاية مشوهة عن التآخي الديني من خلال صورة الكاهن الذي يرفض ترك المدينة، إنه خطاب النظام ذاته لكن داخل فيلم سينمائي، إذ إن الحقيقة تروى تبعاً للكاميرا والكاميرا هنا هي كاميرا الأسد.

يبدو منطقياً أن توضع لائحة حقوق ومحرمات تتعلق بالمدن المدمرة، وأن يتم التعامل معها تماماً كما العائلات المنكوبة، فمن غير المسموح انتهاك مساحات شخصية وذكريات لعائلاتٍ بحجة أنها مدمرة، فحين يدمر نظامٌ المنازل لا تغدو من حق شركات الإنتاج، يعلم السوريون ذلك جيداً، لم يكن النظر يوماً إلى الدمار عادياً. وبعد عقدٍ من الزمن، ما زال السوريون ينظرون إلى الدمار بريبة وقلق، لا يمكن تبرير التصوير بأن الموقع موجود بالفعل، هل يحق لهذه الشركات التصوير في السجون السورية على اعتبار أن التعذيب موجودٌ بالفعل؟ ولا حاجة لوضع مكياج للممثلين، فالأعين متورمة بالفعل والأجساد منهكة، والدماء متيبسة على الأجساد!

ببساطة إنه نظام الأسد، فالبلد تحت مدفعيته والحقيقة خلف الكاميرا، والمجتمع الدولي يرغم نفسه على تصديقه، وتبقى المنازل المدمرة والذكريات التالفة هي الدليل الأقوى على ما فعله ولن يمحو ذلك تحويل بلادنا إلى ديكور في فيلم ما.

إقرأوا أيضاً: