fbpx

المساجد “الليبرالية” في الغرب: 
هل يمكن الجمع بين المثلية والإسلام؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل تنجح امرأة في تبني رؤية حقوقية نسوية من داخل الحيز الديني؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ أن باغتت عالمة الفقه الأميركية الإصلاحية المسلمة أمينة ودود، العقل المتشدد بظهورها وهي تؤمّ مجموعة مختلطة من المصلين في الكنيسة الأنجليكانية في مانهاتن عام 2005، احتدمت النقاشات الفقهية حول ما فعلته الباحثة التي اعتنقت الإسلام منذ نحو خمسين عاماً.

هل تنجح امرأة في تبني رؤية حقوقية نسوية من داخل الحيز الديني؟

ودود، التي قفزت فوق الموروث الفقهي البطريركي والمحكوم بطبقة تاريخية سميكة وذكورية، سعت إلى تطبيق مفهوم “ديناميكي” للشريعة. بحسب ما تقول، يمكن الانفتاح على إمكانيات جديدة للنص دون التقيد بحرفية تعبيراته، ومن ثم، يمكن للإسلام الاستجابة للقيم التي تفرضها المجتمعات الحداثية وما بعد العلمانية.  

 لودود دور تجديديّ في علوم التفسير، أتاح لها إمامة الصلاة. صاغت فهماً للدين من خارج الهرميات السلطوية، والعرقية، والثنائيات الجندرية.

ثمّة محاولات متفاوتة لإيجاد إسلام تعدّدي يقبل بالتنوع والاختلاف والتمايزات. وهذه المساحات المحتملة والجديدة تهدف إلى السماح بصعود اتجاهات دينية تجريبية تصطدم بالنسخة التقليدية من الإسلام، أو بالأحرى تحريره من عملية المأسّسة التاريخية والمصادرة التي تمّت من قبل السلطة والحكومات المركزية. 

الهامش الذي توفره الحريات الدينية في الغرب ساهم في حماية تجارب عديدة منفتحة، مثل التي قامت بها صاحبة: “القرآن والمرأة”، بعد إمامتها الصلاة، ثم جواز ترديد الآذان بصوت امرأة. بل وتدشين عقود زواج تتضمن شروطًا مدنية ومنها رفض التعدد والجمع بين أكثر من زوجة. مع الأخذ في الاعتبار أنّ هناك حالات مماثلة في المجتمعات العربية حاولت تقديم مقاربات فقهية ودينية تخالف السائد والتقليدي في بيئتها، منها بعض طروحات وآراء المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله في لبنان، والذي وقف على النقيض من بعض السرديات الشيعية، سواء التاريخية أو الميثولوجية، مثل رفضه مبدأ الولاية التكوينية. 

بعث الهجوم على مسجد ابن رشد- غوته، مؤخرًا، على خلفية دعم عدد من أئمته حقوق المثليين، الجدل من جديد بشأن ما يمكن تسميته بـ”الاتجاهات الليبرالية الإسلامية في الغرب”. إذ إنّها تحاول تأمين بيئة روحانية للأفراد المختلفين والمنبوذين على أساس خياراتهم الجندرية، وميولهم الجنسية، التي لا تقبل بها المجتمعات التقليدية والمحافظة. غير أنّ الكاتبة الألمانية من أصول تركية سيران أطيش، مؤسِّسة المسجد، قالت إنّ هذا الحدث “مهم للغاية” إذ “يُظهر أنّه لا يتعيّن على أفراد مجتمع الميم- عين المسلمين الاختيار بين إيمانهم وهويتهم الجنسية، وإنّما يتم قبولهم على هذا النحو، كما هم”. 

إذاً، المبدأ الليبرالي هو السائد والحاكم في الغرب والولايات المتحدة. ومن ثم، فإنّ دعم أيّ فكرة غير تقليدية عن الدين أمر وارد ومقبول. فيما نجد الحكومات تدعم مثل هذه الأفكار طالما لا تحرض على العنف الذي يرتبط بالمقدس بشكل أو بآخر، حسبما يوضح عاصم حفني، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة مونستر بألمانيا.

ويقول حفني لـ”درج”: “ترى حكومة ألمانيا، مثلًا، في هذا المسجد فرصة لإبراز صور أخرى، أو أفكار مغايرة، عن بعض المسلمين، ربما، تبتعد بهم عن العنف. وبغض النظر عن تفسير موقف الغرب أو الحكومة الألمانية من القضية، فالموضوع ناشئ بالأساس من رغبة بعض المسلمين في أداء طقس معين. هذا أمر يقبله أيّ إنسان عاقل. فالدين، في نهاية المطاف، عبارة عن تلقي شخصي”. 

ويتابع: “صحيح هناك التزام مفروض وتقليدي في ما يخص مسائل العبادة داخل أي دين، وبالتالي، لم يعتد المسلمون أن تأتي المرأة للإمامة، أو قبول المثلية الجنسية قبولاً دينيًا، رغم أنّ الأخيرة موجودة في التاريخ الإسلامي، وما زلت قائمة”. 

ويلمح أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة مونستر بألمانيا، إلى أنّ هذه المبادرات عندما ترتبط بأغراض سياسية “تكون المشكلة”. لكن اللافت في المبادرة أنّها تحمل اسم شخصيتين تاريخيتين(ابن رشد وغوته) لهما ثقل معرفي وثقل علمي وأيضًا ثقل تنويري مؤثر. وكلاهما كان يدعو للتقارب والفهم العقلاني للدين والتشريع وربطه بالحكمة والعقل والمنطق. لذلك، فإن الاسم يعطي قدرًا من القبول سواء في الشرق أو الغرب.

وثمّة نقطة أخرى لافتة وهي أنّ المسجد يقع داخل قاعة مستأجرة في كنيسة بروتستانتية، بما يؤشر إلى طبيعة الفكر الثوري الاحتجاجي الذي نجح في تخليص المسيحية من هيمنة الكنيسة الكاثوليكية وأفكارها المتشددة. ومن ثم، طرح إمكانية التغيير في الإسلام، أو الإصلاح الديني لمواجهة التقاليد الكلاسيكية.

يتخوف حفني من أن تقع التجربة الدينية الإصلاحية تحت وطأة التوظيف السياسي. وقد وصفت وزارة الشؤون الدينية التركية المسجد بأنّه “مؤامرة” يقودها  المعارض السياسي الكردي عبد الله أوجلان. وبالتالي، فإنّ محاولات ربط المبادرة الإصلاحية، بصورة متعسفة قسرية، بأيّ حركة سياسية، أو شخصية معارضة، قد تضطرها إلى الوقوع في فخ حمولات سياسية. 

ولا تعدو فكرة المساجد الجديدة في أوروبا، كونها أمراً جديداً أو مباغتًا. فهي تعود إلى مبادرات فردية لأشخاص أوروبيين من أصول مهاجرة مسلمة، أو أشخاص تحولوا إلى الإسلام، في العقود الاخيرة. هؤلاء لم يقتنعوا بالمساجد “التقليدية” التي بنتها الأجيال الأولى من المهاجرين المسلمين والتي نقلت إليها مفهوم وطقوس وتقاليد الإسلام المنتشر في البلاد التي يتحدّرون منها، لا سيّما تركيا وبعض الدول العربية. 

أمينة ودود تؤم المصلين

هذه المساجد بقيت بدون “طابع عمراني تمثيلي، بينما لم تساعد في توطين الإسلام كديانة تنتمي إلى أوروبا. واعتبرت عائقًا أمام اندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية”، بحسب الباحث المختص في الشؤون الألمانية لؤي المدهون.

 يضيف المدهون لـ”درج”: “من الصعب تحديد فكرة معينة وسياق معين للمساجد التي تعرف بالليبرالية؛ لأنّ سياقات نشأتها متنوعة وغالبًا تعود إلى نشاطات فردية”. ففي ألمانيا، مثلًا، تعتبر “الرابطة الليبرالية الإسلامية” أول منظمة في ألمانيا تأخذ على عاتقها التأسيس لبنية تحتية منظمة لظاهرة الإسلام الليبرالي. 

وفي حال نظرنا إلى عدد أعضاء الرابطة وأنشطتها، فإنّ تأثيرها “هامشي وبعيد عن حياة غالبية المسلمين في ألمانيا وواقعهم. على الرغم من أنّ الأغلبية العظمى من المسلمين في ألمانيا لا ترتبط بالمنظمات الإسلامية المحافظة التي تهيمن على البنية التحتية للمساجد، وتقدم خدمات رعاية اجتماعية في ألمانيا. هذه المنظمات لا تزال تمول من دول خارجية على غرار تركيا”. يقول المدهون.

توجد حاجة ملحة، بحسب المدهون، لدى فئات واسعة من المسلمين الألمان، أو الألمان المسلمين من أصول مهاجرة، “إلى فهم وتطبيق الدين الإسلامي بشكل يتميز بالانفتاح على المجتمعات الأوروبية، ويدافع عن مساحات التعايش السلمي في مجتمعات متعددة الثقافات والأديان”. 

لكن الأطراف المعنية بهذا الأمر لها دوافع متباينة غالبًا. فالبعض يسعى الى قطيعة مع “مساجد الإسلام التقليدي”، فيما البعض الآخر يريد تعويض “غياب الروحانية” في المجتمعات العلمانية أو ما بعد الدينية، وفق المدهون. ويتابع: “يعتقد هؤلاء أنّ تطوير مفهوم حديث للإسلام سيسهل هذه المهمة”. 

كما يلفت إلى أنّ هناك رغبة مجتمعية وسياسية تسعى إلى البحث عن بدائل للمنظمات الاسلامية المحافظة. وبعض من يعمل بها ممن تعتبرهم أجهزة الدولة من أنصار “الإسلام السياسي”. 

إقرأوا أيضاً:

وبخلاف محاولات فهم وتأويل هذا النموذج من المساجد التي تستهدف التعاطي مع النصوص الدينية، بصورة منفتحة وغير تقليدية، ويقبل في ظل مجتمع متطور يؤمن بالتنوع في الميول الجنسية والاختلاف الجندري، أن تكون مسلمًا ومثليًا، في آن، فإنّ المدهون يرى أنّ السؤال الجوهري يتمثل في: كيف يمكن صياغة مفاهيم جديدة للديانة الإسلامية لا تمارس قطيعة تامة مع “الثوابت”، ولكنها تتوافق ومعايير حقوق الإنسان ودولة القانون الليبرالية؟.

يجيب المدهون أن كل المبادرات، التي تريد التأسيس لمساجد “ليبرالية”، هي فردية الطابع، تقوم بها بعض الشخصيات العامة التي تهدف إلى الظهور الإعلامي من دون أن تشكل مرجعية دينية حقيقية، أو تملك القدرة على التأثير في الجدل العام، تحديداً بشأن ماهية الدين الذي يصلح للمجتمعات الغربية. 

هذه المبادرات، يختم المدهون، تبقى هامشية التأثير نظراً لغياب القاعدة الاجتماعية. كما أنّها تعاني من ضعف تنظيمي حقيقي. تجاهل غالبية تقاليد الإسلام، طقوسه، شعائره، أو حتى القطيعة الكاملة معها، لا تؤسِّس لإسلام ليبرالي حقيقي. هذا الأمر يتطلب نقاشًا مفتوحًا بين المسلمين، فضلًا عن بنية تحتية وتوضيح دور الشريعة الإسلامية في دولة القانون العلمانية”.

إقرأوا أيضاً: