“فش حرب على غزة”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

اتركوا للأطفال من تبقى من عائلاتهم، اتركوا للأم ابنها، وللبنت أباها، وللأخ أخته. إننا نعيش مبتوري الأخوة والأخوات والأعمام الذين ذهبوا فجأة ذات حرب…

لا أصدق أن حربًا جديدة بدأت بعد عامٍ وشهرين فقط على الأخيرة العام الفائت. اعتقدنا أن الاحتلال له أجندة في غزة، لكن ننسى أنه لا يهمه شيء، طالما أن هناك انتخابات وحكومة إسرائيلية جديدة تريد أن تُثبّت أقدامها على الأرض بقتل المدنيين وكأننا فئران تجارب. لقد أصبح الأمر أكثر من عدو واحتلال، إنها عنصرية حكومة تريد قتل أكبر عددٍ ممكن لتصل إلى النجاح، هناك طعم تاريخي قديم يشبه قتل “العبيد” من قِبل الأسياد، والفلاحين من الإقطاعيين، والشعب من الملك.

لا يُصدّق أهل القطاع أن هناك حربًا أخرى. لم يستفيقوا من الحرب الأخيرة بعد. يسألون: هذه حرب؟ لا أحد يُعلق، الجميع يبلع خوفه الذي يصبح له مذاق هناك الانفجارات القوية في الخارج، والأطفال الذين يتساقطون هم الجواب.

لا يمكن أن يحدث هذا، البلد مُحطّمة ومُدمّرة منذ سنوات، وفي كل عدوان يختفي منها برج وشارع وعائلات بريئة. قبل الحرب بأيام كان الناس يبحثون عن بعض الفرح في نتائج الامتحانات الرسمية، وحفلات زفاف الصيف، مع العائدين من أوروبا الذين هربوا في الأصل من حروبٍ سابقة، كما فعلنا جميعًا، فذهبوا لرؤية الأهل بعد سنوات انتظار طويلة  لكن الجميع الآن علق هناك في مصيدة الموت.

لا أُصدق أن هناك حربًا جديدة لدرجة أنه في الدقائق الأولى كتبت مزحةً ثقيلة على مواقع التواصل الاجتماعي. قلت: فليأجّلوا الحرب حتى يرجع المغتربون الذين وصلوا من كل مكان في العالم كي يقضوا إجازتهم. كان الأمر سخرية مريرة وكوميديا سوداء لأننا جميعًا نعرف لا أحد يوقفها والاحتلال لا يُفرّق بين مقيم ومغترب، لكن هناك من اعتبر أنني أتكلم بجدية وأريد للحرب أن تتوقف كي أخرج من غزة وأنا التي لم أرجع إلى مدينتي منذ سنوات طويلة.

لا تزال هناك عقول تخوينية حتى تحت القنابل. أسهل على هذه العقول أن تعتبر الجميع أعداء من أن ترى العدو الحقيقي، وتصدق ما يحدث وما قد تؤول إليه الأمور. ما أسهل الوضاعة وما أصعب النبل!

في كل الأحوال تلك المزحة الثقيلة والردود عليها، فتحت عيني على ذاتي وعلى نفسي، ووجدت أنني أكتشف نفسي فجأة بعد سنوات من تراكمات الغربة والعزلة الفردية، وأنني أرتدي قناعاً آخر هو اللطف والاندماج. لا يا أعزائي. أنا مريرة وحرة وساخرة، وهذه الحرب لا أريدها أن تكون حربي، لا أريد أن أبكي ثانية، وأفقد عائلة أخرى. لقد كانت ذكراهم قبل يومين في الثالث من آب/ أغسطس 2014، ولم أكتب حرفًا، لأني أريد أن أدفن هذا الوجع إلى الأبد داخلي.

“فش حرب على غزة، فش اشي بصير” أحاول أن أقنع نفسي، لكن الأخبار تقول غير ذلك.

اتركوا للأطفال من تبقى من عائلاتهم، اتركوا للأم ابنها، وللبنت أباها، وللأخ أخته. إننا نعيش مبتوري الأخوة والأخوات والأعمام الذين ذهبوا فجأة ذات حرب…

أريد أن ألفظ الألم، لكني أتذكر الصراخ والقنابل والموت الذي يغدو برائحة بعد عدة أيام حين تمتلئ الثلاجات…” فش حرب على غزة صح؟”.

حماس تبتعد عن الموجة، خائفة من البلبل، إسرائيل تريد الأسمر، “الشب الأسمر جننهم”، لقد طوعوا آخرين من قبله.

لا أصدق أن هناك حربًا على غزة، إلى درجة أنني لا أزال في باريس مع ابنتي ولم أهرب إلى مدينة أخرى كما فعلت في مايو الفائت حين قفزت إلى بلجيكا لأشاهد الجزيرة مع أصحابي من غزة، ونبكي معًا على الناس والأرواح والأبراج والمدينة.

أنا هنا، حقيرة، بكل أريحية أشرب قهوتي وأتحدّث. لا يواسيني أحد. بل لا أريد ذلك، لقد مللت من المواساة في كل حرب، مللت أنني ابنة الحرب التي خرّبت عقلي ونفسيتي، لكني لا أعرف أن أكون ابنة سلام. كيف تكونون أبناء سلام أيتها السيدات والسادة؟ هل صوتكم منخفض؟ هل لا تخافون من صفق الباب؟ هل عندكم فوبيا الفقد، بحيث إذا ذهبت ابنتكم إلى المدرسة تتخيلون أسوأ السيناريوهات؟ هل تودعون أطفالكم كل يوم كأنها المرة الأخيرة، كما أفعل أنا مع أبنائي؟ هل تشعرون بالنبذ من أنفسكم قبل الآخرين؟ لا أحد يفهمكم وداخلكم ضوضاء القنابل، وفي عيونكم مشاهد الجثث؟

تأتي من غزة كالعادة أيقونات العالم في صور الموت والوداع. قصص درامية كأنها السحر، ألم تتعب هذه المدينة من المفاجآت؟

تلك الشابة دنيانا العمور توفيت وتركت خلفها لوحاتٍ فنية خلابة، لنساء نصف فرحات، بألوانٍ قوية. ذاك الطفل الصغير بصورةٍ بالأبيض والأسود يستند إلى الجدار يُودع أقاربه، نعم لا تزال هناك تغطية شعبية خاطئة تكشف المقاومين، وتُصدّر صور الجثث، لكن في المقابل هناك مهنية عالية، وكمال التفاصيل الذي لا تحتاج إلى شرح كثير.

هذه المرة لا تتصدّر حماس الحدث، ليس أبو عبيدة، وليسوا القادة، ولا تبدو أنها ستشارك، ولم تكن غزة بحاجة إلى متصدرٍ جديد، في حرب قديمة، تعودنا عليها. لكن يقودها هذه المرة فصيل بينما يقف الآخرون على أطراف أصابعهم. نعم نحن نخاف من الحرب، لكن ننتظر أن تكون هذه أخف وقعًا، وأكثر ألفة، ربما تنتهي أبكر وأسرع من سابقاتها، أو يكون عدد القتلى أقل. المؤلم أكثر يأتي ما بعد الحرب، حين يمر كل شيء، وتبقى العائلات المكلومة وحدها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني