fbpx

اللحظة الإعلامية حين تصبح انتهاكاً: مأساة ليليان شعيتو مثالاً 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

عند سؤالي بعض الإعلاميين عن هذا الخطأ الأخلاقي الجسيم قالوا لي إنها لحظة إعلامية لا يمكن التغاضي عنها، فكان لا بد لكاميرات من التلصص على قدسية لحظة اللمسة الأولى بعد فراق ظالم. لحظة وثّقت تردد الطفل بلمس أمه وهو تردد طبيعي لطفل أجبر قهراً وعمداً على فطام أو حتى موت لم يحن وقته بعد.

قبل يومين أو أكثر من 4 آب/ أغسطس، الذكرى الثانية لتفجير مرفأ بيروت، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صورة ليليان شعيتو نائمة على سريرها في المستشفى وهي تحتضن دمية لطفل رضيع. وقيل إن هذه الخطوة جاءت بناء على اقتراح الطبيبة النفسية المتابعة لحالة ليليان على أمل أن تعوضها عن بعدها القسري عن طفلها الذي فُصلت عنه منذ تاريخ إصابتها بتفجير مرفأ بيروت عام 2020. 

سنتان لم تتمكن فيها الأم المصابة من لمس أو شم طفلها الذي أودعته رضيعاً. 

ظلم أكيد وقع على الأم بعد أن ارتأى الزوج، مدعوما من عائلته ومن منظومة طائفية وذكورية، أن مصلحة الطفل تقتضي البعد عن أمه. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالظلم تعدى عملية الفصل إلى قرار منع سفر ليليان وأمور أخرى لست بوارد التطرق إليها الآن خاصة بعد أن ظهرت بادرة إيجابية تمثلت بلقاء الطفل بأمه في المستشفى. 

في تاريخ 4 آب/أغسطس 2022، وأثناء إحياء ذكرى التفجير على وقع انهيار صوامع القمح، الشاهدة على أكبر جريمة مدبرة بحق الناس والبلد، تصدّر مشهد لقاء الطفل بأمه على سرير المستشفى كافة الأخبار المتلفزة والمكتوبة. جرى توثيق وتداول صورة الطفل محمولاً إلى المستشفى من جده لأمه ومن ثم عند لقاء أمه ليليان وتردده في لمسها. لحظات مؤثرة جداً مليئة بالمعاني والمشاعر والتساؤلات. ولكن! هل كان ضرورياً أن تشكل هذه اللحظة مادة إعلامية جرى تداولها دون التفكّر لحظة واحدة ما إذا كان هذا النشر غير المدروس، قد يشكل انتهاكا إضافيا بحق الطفل والأم على حد سواء؟ 

كائنان بشريان مستلبان من أي حق بالاعتراض على سنتين مسروقتين من عمرهما معاً بفعل التفجير ومن ثم الإصابة وصولاً إلى فصل قسري بحجة مصلحة الطفل، أضحيا عرضة لاستلاب إضافي سرق منهما قدسية هذه اللحظة بخصوصيتها وحميميتها.

كيف لنا أن ننقضّ هكذا وبكل سهولة على هذه اللحظة، نسرقها من مالكيها، نمنتج، نحرر، وندعي النصر الحقوقي على جسد أم تصارع لبناء جسر ما مع حياة سرقت منها وطفل حرمه التفجير، مع سلطة ذكورية جائرة، أمه؟

عند سؤالي بعض الإعلاميين عن هذا الخطأ الأخلاقي الجسيم قالوا لي إنها لحظة إعلامية لا يمكن التغاضي عنها، فكان لا بد لكاميرات من التلصص على قدسية لحظة اللمسة الأولى بعد فراق ظالم. لحظة وثّقت تردد الطفل بلمس أمه وهو تردد طبيعي لطفل أجبر قهراً وعمداً على فطام أو حتى موت لم يحن وقته بعد. هو تلصلص أيضاً على أم في وضعية صحية معقدة لا حول لها ولا قوة سوى الاستجابة بقدر المستطاع للقاء كان يجب أن يتم لولا القهر الذي مورس ضدها.

هل كانت ضرورية هذه اللحظة الإعلامية وعلى حساب من أتت؟

من سمح بدخول الكاميرا شاهداً “مبصبصاً” على الطفل والأم في آن؟

أين التدخل الطبي الذي كان عليه أن يرصد تجاوب الأم مع هذه اللحظة وفهمها وربما تدارك مفاعيلها؟

كيف لنا تداول هذه اللحظة المفصلية لأم وطفل مجروحين واستثمارها نصراً وثمرة مناصرة؟

لماذا كان علينا أن نقطف هذه الثمرة؟ علماً أن القطف هو أول القتل!

مقالات كثيرة تناولت قضية الفصل القسري، مناصرة حق الأم، ولا شك أن فعل المناصرة وتحرك وسائل التواصل الاجتماعي قد ساهمت إلى حد كبير في تحريك الجمود وتحقيق خرق إيجابي كبير أتاح لقاء الطفل بأمه. هذا الخرق احتفل به العديد من الحقوقيين\ات وأفردت له المحطات المحلية والدولية تغطية إعلامية مسهبة. بعض الوسائل الإعلامية ذكرت اسم الطفل كاملاً، وعرضت وجهه، ونشرت كل المادة المصورة وأخرى موهت صورة الطفل أو لم تذكر الاسم أو اقتطعت جزء الملامسة الأولى بين الطفل وأمها لكنها كلها وقعت في شرك المنافسة على هذه اللحظة الإعلامية متناسية أو متجاهلة أن هذا النشر قد يشكل في حد ذاته انتهاكاً إضافياً للطفل والأم معاً. هو انتهاك ربما قد لا تظهر مفاعيله الآن لكنه قد يظهر بأشكال متعددة وربما تكون غير مرئية لنا جميعاً.

هل هناك إمكانية لتوثيق لحظة الانتصار دون التسبب بأضرار جانبية (Collateral Damage). الحقيقة المطلقة أن حق الطفل بالحماية من انتهاك الخصوصية أو تعريضه لمخاطر قد تبدأ بالتنمر وصولاً إلى تهديد السلامة النفسية والجسدية، ويجب أن يشكل الأولية المطلقة في أي مقاربة إعلامية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. لا يمكن لأحد أن يدّعي المناصرة الحقوقية على حساب انتهاكات أخرى لا حدود لأضرارها.

أكتب الآن على وقع التداول بصور الأطفال المصابين بصورايخ الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة. هواء مفتوح على دماء الأطفال وصرخاتهم. قد يقول قائلا أن لا انتهاك يفوق الاعتداء الوحشي الصاروخي، وأن صور الأطفال المصابين تدين المجرمين. وهنا أكرر ان الوحش لا تعيبه صور أشلاء إضافية فدعونا لا نصبح على صورة الوحش بحجة اللحظة الإعلامية.

في عودة إلى اللحظة الإعلامية التي سلبت ليليان وطفلها حق اللقاء المحمي بعد سنتين من القسوة، لا أود أبداً أن أشكك في نية المناصرين\ات الذين بذلوا جهداً حقوقياً نبيلاً للدفاع عن حق الأم والطفل معاً بل رغبتي هي المساهمة بما أملكه من قراءة نقدية لفعل ممارسة الضغط الاجتماعي وتحريك الرأي العام الذي بجب ان يأتي على مثال الحقوق التي ننتصر لها. وإن كنت لا أملك وصفة سحرية لكنني أدرك أن أضرار الأخطاء الجانبية لحملات المناصرة ضد أي انتهاك قد يعادل أحياناً الانتهاك نفسه.

إقرأوا أيضاً: