“نرفض، نتضامن، نتحرك”: النسويات يقاتلنَ نيابة عن العالم

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

لا أريد من أي حزب أن يقاتل “داعش” لأجلي ثم يشن على رغيف الخبز حملة. لقد حاربَنا الجميع في لقمة عيشنا، تدخّلَ الجميع في الحرب السورية، ساهم الجميع في سفك دمنا وهدره، ولم تصرخ لأجلنا، إلا النسويات.

في كل مرّة أقرأ فيها عن حدث أو موقف او حالة مؤسفة تمر بها امرأة أو أي مستضعف، انتظر بعدها رنين هاتفي. بضع دقائق بعد انتشار الخبر، تبدأ النسويات اللواتي أعرف بتشكيل مجموعات على واتساب، غالبا باسم واضح وعنوان كبير، يتخطينَ مرحلة السلامات والتحيات ويدخلن مباشرة في الموضوع، هي جملة واحدة جوهرية يبدأ بعدها الجد والعمل “علينا أن نتحرك”. 

تتكون هذه المجموعات غالبا من نساء لا تعرفن بعضهن جيدًا، تجتمعن يومياً، تتناقشن، تقسّمن العمل والمهام، ثم بضعة أسابيع ويصبح التحرك واقعًا. منذ خمس سنوات تقريبا بدأت نشاطي الميداني وبين المنظمات والأحزاب.

بدت لي النسويات اللواتي التقيتهن ونشطت معهن أكثر تجانساً وتفاهماً وتجمعهن روابط يختلط فيها السياسي بالثقافي بالعاطفي.

لا أبالغ في كلامي هذا ولا أعطي للعاطفة أكثر من حجمها الحقيقي. منذ شهر تقريبًا، وبعد سلسلة ارتكابات وممارسة ذكورية وعنصرية حلّت بنساء ولاجئين وعمال وأفراد من مجتمع الكوير، وصلتني رسالة من إحدى الصديقات تخبرني فيها عن مجموعة واتساب قيد الإنشاء هدفها التخطيط لعمل وتحرك نسوي بوجه عنف السلطة. لم أتردد لحظة، انضممت إلى المجموعة وبدأ النشاط. منذ الاجتماع الأول تقسّم العمل حسب اختصاص وقدرة كل واحدة منا، تبع التقسيم مناقشة حالات العنف والتحرش والاغتصاب والعنصرية بالتفاصيل. كان هناك ثقة وتلقائية بيننا. كنا غاضبات وحزينات ومُتعبات من الأخبار التي تتالت علينا كالرصاص، ورغم اختلاف وجهات النظر لم تمر لحظة خلاف واحدة، كان هناك ما هو أهم من إثبات صحة الرأي ووجهة النظر، لم تكن جلسة “تكسير روس” ولم تضرب ولا واحدة منا رجلها في الارض متشبثة برأيها. كانت الأهداف اكبر منا جميعا. 

جميعنا ناجيات من العنف الذي نحارب، لذا كنا نعرف ما نواجهه. كل واحدة منا لها تجربتها الخاصة مع الموروث والتقاليد والمجتمع، وعلمنا جميعنا أن هذه التجربة الخاصة لا بد أن تخرج الى السياق السياسي العام، لا بد أن نفهم موقعنا من الصراع ثم “نرفض، نتضامن، ونتحرك”.  احتفظنا بهذه التجارب الشخصية ومشينا فيها لنتقاطع مع تجارب أخريات ومعاناتهن، وكان هذا التقاطع جوهر التحرك ونقطة الانطلاق، كان هذا التقاطع سبباً في فهمنا لتجاربنا بشكل أفضل. لم تعد قصصنا تحاصرنا، أيقنّا حينها ان ما حل بنا لم يكن حظًّا سيئاً، ولم نكن نحن السبب بأي حال من الاحوال. تبلورت أمامنا الصورة الشاملة وبدا وجه “العدو” واضحا ودقيقاً. 

بعد شهر من التخطيط والتنظيم حل اليوم المعهود، استيقظنا يوم الأحد في آخر يوم من تموز/يوليو وكأنه اليوم الاول في العالم، كنا نعرف أن هذا التحرك خطوة أولى نحو كسر الصمت وعزلة الضحايا. لم أشارك أنا في هذا التحرك. رسالة واحدة فيها تنبيه للسوريات من خطر الاعتقال كانت كفيلة بإشعال الخوف والقلق داخلي لسنين قادمة. استيقظت باكرا وفتحت هاتفي ولم أفارقه لحظة، انطلقت المسيرة صباحاً وكانت التغطية الإعلامية ترافقها في كل خطوة، بدأت الشعارات تصدح في كل أرجاء المدينة. صرخت المسيرة باسم ضحايا الاغتصاب والتحرش والعنف المنزلي وضحايا الجرائم الأبوية والعنصرية والطبقية. رفعت شعارات واضحة ضد الوضع الاقتصادي، ضد الإعلام العنصري المقيت، ضد قمع السلطة لمجتمع الكوير وحملتها العنصرية ضد اللاجئين في محاولة منها تحميلهم مسؤولية ما آلت اليه الامور، ضد نظام الكفالة واستعباد العاملات والعمال الأجانب. أن نكون نسويات يعني أن نحمل كل هذه القضايا على كتف واحدة، أن نصرخ لأجل كل هؤلاء، يعني ان نقاتل نيابة عن العالم كله. 

عبارة واحدة رفعها المتظاهرون والمتظاهرات أبكتني أكثر من اللازم: “أهلا وسهلا باللاجئين”. في آخر اسبوعين، كنت أتعرض بشكل يومي للتمييز والكلام العنصري وإلى خطاب كراهية مقيت.

لا أذكر أنني شعرت بهذا الاغتراب من قبل. مؤخراً كنت أشعر وأهلي أننا عبء على هذه البلاد، لا يمكننا العودة إلى بلادنا ولا يمكننا الاستمرار هكذا. في كل مرة رددت فيها المتظاهرات “اهلا وسهلا باللاجئين” كانت أمي تبكي ثم تقول “تقبروني”، وكان أبي الذي يوجه لي خطاباً قاسياً عن النسوية يبتسم ويقول “يعني عنجد مظاهرة معنا؟”. 

لا أريد من أي حزب أن يقاتل “داعش” لأجلي ثم يشن على رغيف الخبز حملة، لا أريد من أي حزب أن يعارض النظام السوري بحجة خوفه على الحريات ثم ينهال عليّ ضرباً في طوابير الخبز. لقد حاربَنا الجميع في لقمة عيشنا، تدخّلَ الجميع في الحرب السورية، ساهم الجميع في سفك دمنا وهدره، ولم تصرخ لأجلنا، إلا النسويات.

اليوم تُشن حملة على النسويات، بعد أن حملنَ على عاتقهنَّ قضية ليليان شعيتو، المرأة الأم ضحية انفجار المرفأ منذ عامين، الزوجة المنسية والام المحرومة من طفلها. ليليان ضحية الانفجار والمحاكم الدينية والسلطة الابوية. ليليان التي بقيت قصتها لعامين معلقة، تمسك اليوم النسويات بيدها، تبددنَ وحدتها وتقفنَ في وجه الروايات المعادية لمظلوميتها. وبعد يومين فقط من الضغط يحققنَ لها عودة ابنها وجواز سفرها. اليوم تُشن حملة ضد النسويات اللواتي أنقذن الكثير من النساء من مخالب الذكورية وأنياب السلطة عبر التضامن والضغط. من يشنّ الحملة اعتاد أن “يسرح ويمرح” بالظلم واضطهاد النساء والفئات المهمشة، والآن يُسحب البساط من تحته، باسم كل امرأة ظلمت في المحاكم الدينية، وكل امرأة قتلت وراء جدران العائلة تحت مسميات “الشرف”، وكل امرأة مظلومة تحت أي دين وأي شرع وأي قانون. لم يمر على العالم فكر يحلل الواقع ويفهمه كما الفكر النسوي الكويري التقاطعي، لم يقف أحد في موقف ثابت وصارم ومنحاز بشكل كلي إلى الضعفاء كما وقفت النسويات، الغالبية هادنت وتراجعت وساومت، الغالبية نسيت وأولت المصالح على المبادئ، الغالبية تعبت وقررت أخذ استراحة من القتال والنضال، الغالبية طبّعت مع العنف والظلم وتحججت به لتخوض حروباً ضد البشرية وتقدمها، الّا هنّ… حملنَنا جميعا على اكتافهنّ، وواجهنَ العالم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني